فراديس .. ثقافة حرّة

 

 

 

14.02.2005

fradees1@hotmail.com

باب الجنة

 

الأرشيف

 

سجل الشرف

 

عيناويه

القاصه الإمارتيه : مريم الساعدي

within_us@hotmail.com

 

 

 

 

أسمهان عبد المنعم. بنت من حلب. أبوها يعمل في مصنع الإسمنت. وأمها تبيع الوجبات السورية اللذيذة المحضرة في المنزل. جاؤا إلى العين منذ قرون.. يعملون مثل طواحين الهواء، ففي حلب عشيرة كاملة تنتظر رغيفها كل شهر. أسمهان تشرب دواء السعال كل ليله..ليس لأنها تسعل.ولكن لأنه يساعدها على النوم.  حين تنام لا تفكر في أنها تحب العين ولكن لا تنتمي إليها وفي أنها تنتمي لحلب ولكن لا تحبها. حين تنام تتذكر فقط كم هو النوم رحمة.

هي بيضاء مثل الحليب لذلك الكل يعرف أنها ليست من العين حتى وإن ارتدت العباءة والشيلة وقالت "جذيه وجذاك". فكرت مؤخرا في البقاء فترة أطول تحت الشمس. أرادت أن تبدو عيناويه. ولكن كل ما حصل أنها ازدادت احمرارا والتهبت وجنتاها.

 

أسمهان تموت في شئ اسمه "حمد". أخو صديقتها "عايشه". وحمد يعجبه هذا البياض المتألق مثل القشطة. وتعجبه تلك الأسنان البيضاء المصفوفة مثل اللؤلؤ.وتلك العينان الخضراوات مثل عشب الدوارات  وقت الندى.  ويعجبه أن كل ذلك مفتون به.

 

"أسمهان بدويه أكثر من البدو". تقول أخت حمد لأخيها. "إنها تعشقك". ويضحك حمد مزهوا بنيران جاذبتيه. "وحليلها" يعلق وهو يواصل قراءة جريدته. " حمد تزوجها...ستنجب لك أطفالا ملونين.." ..تضيف عايشه وهي تمضغ قطعة حلوى. "هيه والله فكره" يعلق وهو يرشف فنجان قهوته.

 

الليلة الفائتة لم تنم. قضت الليل بأكمله وهي تحاول ارتداء العدسات اللاصقة السوداء.. لم تثبت في عينيها إلا بعد معاناة ومئات المحاولات. وحين انتهت سقطت منهكة من التعب. عندما استيقظت كان الوقت قد تأخر على موعد المدرسة. وهذا أجمل.فلديها الآن حجة للذهاب إلى بيت "عايشه" للسؤال عن أخبار اليوم الذي فاتها. اعتادت ألا تخرج إلا للضرورة القصوى. هكذا تبدو مثلهم..أكثر.

 

كانت قد دفنت عيناها بالكحل. عيون سود كحيلة..هكذا يحبونها.  "ما رأيك بلون عيني؟" تسأل "عايشه" حين لم تعلق على مظهرها الجديد مباشرة.  " أوه..أين ذهب اخضرارهما؟" تتساءل عايشه بعد تمحيص دقيق. " ذهب مع الريح" تقول أسمهان ضاحكه.  "انتظري حتى يراك حمد..سيبهره كل هذا الجمال...إنه مفتون بك ". تقول عايشه بنصف ابتسامه. كان قلب أسمهان قد سقط  عند قدميها وتسلل مختبئا تحت سجادة الغرفة. ولكن حمد لم يظهر. وصار لا بد أن تذهب. فقد تأخر الوقت. ولا بد أن يتأكدوا أنها لا تتأخر خارج المنزل...

 

في المنزل كانت أمها تجهز لوجبات الغد في المطبخ. نادت عليها. ولكن أسمهان لم ترد. كانت قد تركت أذنيها مع قلبها تحت سجادة غرفة عايشه.

 

أمها صارت تهز رأسها مطولا هذه الأيام. فالبنت لا تحدث أحدا ولا تساعدها في المطبخ بحجة الدراسة..ولا تدرس بحجة التعب. " صارت كبيرة. هذه سنتها الأخيرة في المدرسة. لا بد أن نعود بها لتتزوج" تقول أمها القلقة لأبيها المهموم "سأحدث أخي..ابنه يريدها . في الصيف سنسوي الأمر".

 

في المدرسة. أسمهان تلازم عايشه. لعلها تأتي على ذكره. لعل شيئا من ثيابها قد حمل شيئا من عطره. تلون كل حروف الحاء والميم والدال في كل كتبها المدرسية بلون وردي. " اليوم سيأتي حمد لأخذي..سنوصلك في طريقنا..ما رأيك؟" تخبرها عايشه. ولكنها لا تجيب. آخر ما سمعته كان ح م د..لم تسمع الباقي. " ما بك؟ هل ستأتين" تعاود عايشه السؤال. " آتي أين؟" تقول بوهن.  " تأتين معنا..أنا وحبيب قلبك حمد لكي نوصلك لمنزلك" توضح عايشه وهي توضب حقيبة كتبها.  توشك أن تقول "أكيد". ولكنها تتراجع. تفكر. ربما هذا اختبار. ما كانت أيا من الفتيات لترضى أن تذهب. وهي كذلك. مثلهم .     " لا. لااستطيع" تقول بحزم.     "ولكن ألا تحبين رؤيته؟ سيسره أن يراك". تسألها عايشه وهي تدير ظهرها.   يجب أن تثبت. الاختبار مستمر. لا بد أنها تعليماته. " لا..لا استطيع"  تكرر.          " لماذا؟" تتساءل عايشه وهي تهم بالخروج. " لأنه لا يصح" تجيب وهي تتطلع إلى عايشه لتتأكد من أنها قد اختارت الإجابة المطلوبة. " كما تحبين" تجيبها عايشه وهي تمضي مبتعدة.

سمعت صوت شئ يتحطم. مثل كأس زجاج. ولم تدر من أين, لكنها لم تتحرك. كلما حاولت الحراك أحست بوخز شظايا في صدرها.

حين تبينت معالم المشهد..كان الباص قد فاتها. فاضطرت أن تعود إلى البيت سيرا على الأقدام.

 

حين دخلت المنزل.كانت ملتهبة. الشمس والحر والجو المترب والعدسات اللاصقة وكأس الزجاج المحطم..بدت  كحطام سفينة تناثر على شاطئ مهجور. .كم ودت لو رأته!.

"أسمهان!...أسمهان...يا أسمهااااااااااااااااااااااااااااااان" ولكن كيف لسفينة محطمة أن تجيب أم تبحث عن سفينتها.

 

في غرفتها رست بقاياها.

 

" الكل يبلغونك السلام. المعلمات والبنات.." تقول عايشه حين جاءت لزيارتها..وتستدرك " وحمد كذلك بالطبع. حين علم بمرضك أصر أن اجلب لك هذه الورود الحمراء. قال إن الوردة يجب أن تزورها الورود" وتقدم لها باقة الورد الأحمر. فتدفن وجهها فيها لتطفئ  لهيب الحمى التي استعرت في جسدها لأيام أربعة متتالية..

 

في اليوم التالي ذهبت إلى منزل عايشه للاستعلام عما فات من الدرس. هكذا تقول. ولرؤيته. لأجل هذا تكون.

في غرفة عايشه كانت تمسك بالكتاب. ترد على عايشه باقتضاب. وتسمر عيناها على الباب. فجأة يظهر أمامها. هو . كله. ليست يده. ليس طرف ثوبه. ليس ظله. ليست رائحته. وإنما هو بأكمله. يقف أمامها. " حمدا لله على سلامتك" يقول لها من مكانه. لا تدري كم مر من الوقت. فقد انشغلت بالبحث عن قلبها الذي سمعته يسقط عند قدميها ويتسلل تحت سجادة الغرفة. لا بد أن تجده. تلك المضخة الحمراء النابضة ..كيف لها أن تتنفس بدونها.

حين استعارت شيئا من  هواء..كان المشهد أمامها خاويا. وكانت عايشه بجانبها غارقة في الضحك." انظري إلى نفسك كيف استحلت إلى قطرة دم حمراء حين كلمك..ماذا ستفعلين لو تزوجك!" تقول لها بين ضحكاتها المتواصلة. تسمع أسراب حمام ترفرف داخلها "إذا قد ناقشوا الأمر" تردد في سرها وهي تقاوم كل تلك الأجنحة التي تود رفعها إلى السماء.

 

بعد يومين تقف عايشه وسط الفصل موجهة دعوة عامة للجميع لحضور حفل زفاف أخيها حمد آخر الأسبوع من إحدى قريباته.

 

في المنزل..ترى عايشه بقعة حمراء تبلل سجادة غرفتها. تنتفض مندهشة. وتنادي على الخادمة لتنظف المكان. بعد رفع السجادة يجدون قطعة لحم طريه مسحوقه على الأرضية. ربما الصغار يلعبون وربما فأر سحقته قطه..وربما وربما. وكل شي جائز. وعلى أية حال ليس بالأمر الجلل. قاموا بتنظيف الأرضية وغسل السجادة وتبخير المكان. فلم يعد اثر لشئ.

 

 

 
 

 

 
 

الصفحة الرئيسية