|
ورطة الشغف قديمة..
بُعد لحظة السفر الأولى،
في خفية الليل، تابعا خطوات نجمة، أودعه
دربها المرشد البدوي، الذي تسلل معه حتى
طرف العراق الغربي..
ربما لأن اتجاه الفرات كان
قدر.
على صراط يفصل شرق الحرب
الإيرانية_العراقية، وغرب النجاة سوريا..
كانت دمشق الخيار..
" كلية الفنون الجميلة "
غربة صفع بداياتها شتاء
قاس..
كان دفء فراش مرتعش "
سشوار " وفى بالغرض حينها..
سند لحاف ينفث هواء يسكن
البرد، بعدما عز الدخل المحدود، عن مدفأة
سعر أبسطها ضعف السشوار .
كذلك كان الجوع وجع..
والمرور ذهابا وجيئة على
روائح أشهى مطاعم الشام أوجع..
في وقت كان لا يتوفر له
حتى حزام يُشد لإحكام التقشف
وإذ دأب منقذ ورفيق له
التنقل مشيا من السكن، للكلية، والعمل..
كانت تصبيرة الطريق _ بحد
ذاتها _ إحدى وجبتي اليوم كله: رغيف حاف!
في موقف يحكيه منقذ:
أنه وصديقه مرا يوما على
مطعم يعد أكبر "حاتي" في الشام، والجوع
آخذ منهما كل مأخذ، هذا الصديق أشبه ما
كان مصرا لليلة شبع ولو يتيمة، في حين كان
الهواء يعبث بجيوبهما، فطلب منه أن ينتظره
على رأس الشارع، وفي غفلة من البائع هجم
برغيفيهما على سيخ الشاورما ليسقط فيهما
ما شاء الله من شقف اللحم، ثم فر ليلاقي
منقذ، وكانت تلك ليلة الشبع/الحلم.
شظف العيش حينا تخشن
الأيادي، وحينا تكسر العود، تاركة العمر
أحدب الحلم، مطأطئ القلب، لكن الوصول،
ونفض الشوك من الجلد عزاء.
تخرّج منقذ سعيد من كلية
الفنون الجميلة بدمشق عام 1983، ومنها
هاجر لهولندا حيث حاز شهادة الدكتوراه عام
1995 ، استقر هناك دينامو في الحركة
التشكيلية حتى نهاية التسعينات، حين قرر
أن يدبر صوب سوريا، لأم ما بدمشق، حظ
والدتين له، عراق ولدت، وشام احتضنت.

إن ثراء تجربة منقذ سعيد
التشكيلية تبدأ من ذاته حد الإرباك، حين
تكتسح روح الفنان حياته بدوام كامل، حد أن
يصبح الأشخاص والـ ما حول ملهمي المواضيع،
وكل العناصر قابلة للتحول لمواد خام لعمل
فني قادم.
بدأ معرضه الأول بما يصفه:
"علاقتي بذاتي".. حيث كانت الوحدات
المنحوتة على قياس جسمه بنسب مصغرة، في
محاولة لإيجاد التوازن مع نفسه.
تلا ذلك معرضه الثاني الذي
هدف فيه لبناء علاقته بالتفاصيل حوله بنوع
من الرابطة الروحية، بينما تركز المعرض
الثالث حول علاقته مع الأسطورة الحديثة،
وكيف تنتقل من بلد إلى آخر، كما يهاجر
الناس، ثم جاء معرضه التالي عن الخيانة
بأساليبها الجديدة، من منطلق حياة خرافية،
نظل دائما ننتظر الغائب فيها.
في مختلف أعماله تلغي
الخفة في التوازن _التي تسرق الانتباه _
الإحساس بثقل المعدن المستخدم، كما سلاسة
تحرك لاعب سيرك على حبل معلق، حتى لتستند
بعضها على نقطة ارتكاز واحدة مهما بلغ
تعقيد وحجم الأجزاء الأخرى، وكأنها تظل
تعيد لحظة هروبه من العراق كل مرة: فرصة
وحيدة، فوهة خطر...
في حس يقترب عين المغامرة
على العمل، خشية أن يسقط بمجرد اللمس.
وفعلا، إذا كان من علامات
آخر الزمان أن ينطق الحديد، كما جاء في
الأحاديث الشريفة، فهنا صوت للمعدن برنة
نبض.
|