فراديس .. ثقافة حرّة

 

 

 

13.01.2005

fradees1@hotmail.com

باب الجنة

 

الأرشيف

 

سجل الشرف

 

تاريخ صدأ

عدسة : علي المبهر

نص / ضياء يوسف

 

 

 

 

للأشياء التي نبتت على كتف الأرصفة ولم ينتبه لها أحد...
للأشياء التي يتقاسمها الرماد ..
نصف لعبث الطفولة ...ونصف للحزن ..
لصدأ يعتصر الحديد ..
بلل يتعالق ..ملحا يأكل نفسه !
للفوضى التي تخلفها المدينة في وجوهنا ..
ولا يستطيع عامل التنظيف رفعها عن مضايقة المارة  ..
ولعتمة ستستمر ...

 

 

يقينا هو يخفي خلفه عالماً من البياض يخشى من تلصص عيونهم أن تجرحه ..
لحظة تحجر تحت خطاه مصير الفرح قالت عتمة شقت صدر أمه
لـ (عرجه) الواضح ..
لـ أرض تمتد في حنجرته ..شعثاء يتصاعد فيها الشوك الذي ما إن يمس أحداق الآخرين
حتى يطلع من صدورهم صوت وجع نيء :
(
الطريق المشقوق من منتصفه أرض تكره نفسها وتكره الآخرين ! ) ..
الطريق يقول يباس رجليه ..
أما الامتداد فلا أحد يعرف أين ينتهي شرخ ظلمته
قلبه كان يحكي فزع سلالم السقوط المحفورة في جسد الهاوية
كان يصف للكوابيس كيف ان السراديب على يمينه ويساره مستعدة لمضغ ماتبقى منه..
فزعت الكوابيس واستيقظت..لتصير معلقة بوجه النهار الشاحب ..
وهو مابين الكوابيس والشرخ والهاوية ...يقف ...
بشموخ من جرحت صدره العتمة وجرحها بحلم جميل ..
يصمت أحيانا ..كما لو أنه يتبادل مع الخريف ربيع شفتيه
ليصير غياب بوحه الصدق الوحيد الذي يقوله صوت نهار أخرسته شيخوخته .
قطع الوهم على ظهر صلب لم يعرف اللين ..كان يتمنى في عمق طفولته لو يترجل ..
لو يمسح العرق الذي لا يعرف من أي تعب يفور ..
لو يرتاح ..!
يقولون أن أفلاكا هبطت يوما لتستقرئ كف الأرض وكان فيها شمس ..
تحمل بين كفيها طفلاً مثل أطفالنا لولا أن صخرة زلقة لم يظنوا غدرها أخذته ..
الصخرة التي لم تُهيأ لتكون وطناً يدخل فيه الهواء
الصخرة التي حبسته إليها ..منحته أخيراً لعتمة تعلمه الخطو الذي لا يجيده ظل بسيط مثله ..
لا يجيده طفل مثله ( محال) جُبل على النهار ..

 

 

يبدو للوهلة الأولى من احتراق كامل ..
من رئة لا تتنفس ..
ممسوس بتعرج النفوس ..
و بالمثلثات التي لا رأس لها ..وللأسى تجرح !
ذاكرته لا تحمل الكثير لكنه قادر على تحسس الأشياء جسداً..لجسد
قادر على شق صدره بمدية أمنية مستحيلة..
قادر على البكاء بوحدة يتطهر فيها الإنكسار ويحيا ..
يصنع حلمه ..ولعبه على أرصفة الرماد الذي يلمع ..
ينمو في رحم الشوارع التي تناسقت لتفضي لبوابات اللهاث ..
شوارع تمطر في نور عينيه انطفاءها
الشوارع على كتفيه تتكئ وفي كل مرة تفتح فيه شسوعاً للوقوف الهش ..
الذي _وللغرابة _ لا يغرقه نتن الشوارع ... ولا يكسره ..
إنسانه يتكامل في حشرجة الدواليب ..الجنون الذي يختار أن يحشوه بوجع
يعرف أن الدواليب خلقت فقط لتزاحم والغبار صدره ..
مثلما يعرف كيف يلتقي بوجوه الناس دون خوف ..دون حزن ...!
إلا أنه لا يعرف كيف يقضم أطراف التساؤل بأسنان طالما توجعت ..
كيف أن الطفولة تختلط بمرارة الظلام ..وهي الطفولة ؟
وكيف أن الدواليب تصنع دوامة من أراجيح أحيانا .. !
كلما حاول سقط في راحة سر اقتات القسوة من ملامحه ..
منذ المستنقع الأول الذي بلل قدميه ببرد
منذ الآهة التي انسلخ فيها المطر من جسده المأخوذ بالشفافيه ..
والأرض أسودت بحزن السحب المظلمة ..

 
 

 

كل شيء علمه أهوال الكفر حتى صار الصبر في يقينه إيماناً لا يخبو
الرفات الرمادي حاضر وعيه ..كجمرة لا تنطفئ ..
كـ صيحة تمضي في صدره في كل اشتهاء أبعد..وأبعد
يمضي بفراغ وجهه يتبع مساقط الضوء
تمتد الى نهاراته حبال غواية تقول الهاوية التي يسيل لعابها المسكون بالخشونة
تقول العمى المدسوس عنوة في حدقة إبصار يتزايد ويتشكل ليكونه..
أما هو لسذاجة أحلام الرجولة فيه يحاول أن ينقذها ..
يتسلق والهاوية مربوطة لكتفه الصغيرة بشجاعة
كأنه المسؤول عن إخراجها من طور الموت لطاقة الإحياء ..
يدرك عصف أعماقه أن في إنقاذ الظلمة إنقاذاً له..
وأن الفجر الذي سيعترف للسماء عنه.. سيطلع عليهما معا ..
مثل شاعر يلبي نداء القلوب لحظة يبلغ الرمل حنجرة العطش
ويؤمن أن الحب فضاء القمة الذي فيه يُعز الصابرين ..
في كل منعطف نتن يعلمه الحزن أن الاغتسال بالعطش اغتسال بطهر
وأن الوساوس لا تستقر في قلب تتكشف له إنسانيته بحياد..
لكن الحبل المنذور لفتنته لا يفاجئ عينه بهمجيته ..
و لا يجيئه بنهار ..!
يتسلل مثل حية تصنع من جسدها طريق عبور..!
حية تجذبه لدائرة يتكاثر فيها الصخر المعد لرجمه ..
هو ليس بالزاني الطالع في رؤوس البشر بعري ونشاز ولا بالعاشق النجس ..
هو فقط طفل التقط قلبه الحرية ذات منى فهواها..
صارت البيوت في الأعلى حضناً حرمته الشوارع سكينته
وطناً يستحق أن يعيش لأجله ..
أما الأسفل فمسقط لا يتمنى أن يعود اليه ..

 
 

 

حتى وإن كان الشارع من هول الركض الذي يجتاحه يمد رئته للهاث..
حتى وان كان الشارع مفجوع بالألفة الفارغة التي تصفع فيها الأقدام وجهه ..
وان كانت الأصوات فوقه تتداخل في دوامة ضجيج داكنة ..
في شروده عالم من التناقضات يطلع ..
كل الحطام الذي لا يريده..
كل التحقق الذي لا يجازف فيكونه !
كل الكائنات التي أنهكها الطواف بالأرض فأعدمت برحيل الأرض عنها
تستميحه شغفا ..
كل الأشياء التي لا تهم غيره تريد أن تؤمن بإمارته عليها
تريد لو تطمأنت إلي سكناه ويطمئن إليها ..
وهو لشدة بأسه يتقنع وجهه بالشدة.. رغم ثوبه الذي تسلقه العتم
ورغم عظامه التي تقاسمتها الهشاشة والصدأ
مذ رفع على ظهره إرث الفزع وجنون يهيأ له لو أنه يتركه لحريته ..سيتلطخ العالم بدم .
وجهاده المنفلت يسكن على أطلال لا تجيد الرجع ولا مواويل الصدى ..
فقط..لو أن ذاكرته ترسو على مكان لا يشبه عمره
مكان يغسل دماء غرابته من حالة العبث وعبء الملح الذي أسخنه العطش
سيستوطنه بحر هجر مراكبه ..تركها كملح شفتيه تذوب في الغياب
وفي لجج المياه التي لا تتبدل ظلالها.. لا يهم أي سر أشد حلكة يلتهمه أولا
أي حروف أشد خرساَ ستنفث من خارج الصبح على حنجرته ..
إلى حزن واحد يتكرر وجيبه سينصت..
سيؤجج الدرب لأنين صموده
وكلما هبت ظلمة سيطير لفزعه فراش أبيض
وهو إذ يرى فزعه فيها سيصير السَفن الذين تعبوا ..
ليس لقهر الموج ..
فقط لأن مركبهم قُذف لمصير الموت وعيونهم مفتوحة ..
فقط لأنهم جربو أن تسيل أبصارهم ..
ماتو من التعب .. !

 
 

 

استيقظ مرة وهو يهبط في تلمس الموت ..بعيون يتلون فيها الطفل مطر ..
درب يمتد خوف تلو خوف تلو فزع ..
مساحة مضروبة للعب تستعيد فيه المدينة وجهها المسود الكالح ..
وجهها الذي يختار الخطوات لتكون في الإنسان ( حلم هزيل ) ...
حافيا يركض .. بشغف يتوحد بالتعب ...يتمنى لو يتزحلق مرة ويصل ..
يتمنى لو يتزحلق دون أن تستقبله عين هاوية محشوة بكحل أسود ..!
وقوفه أمام الانهيار ...يخيف كل أحلام الطلوع فيه ...
كلما حاول أن يمد يده ليقطف غفوة آمنة شعر أن كف حقد من الخلف ستدفعه ..
هو لم يهبط سلم الإثم ولم يلمس خشونته.. لكنه لم يتقهقر ..
هذا شأن القلق عندما يلحق بآخره تتجمد في دمه الركب
يغلق على صاحبه الجهات ..
ولا يخبره لوطأة فقره أن الانتماء لقادم محجوب أرحم من أن يكون الظل محبوسا لتهديد حفره..
في كل شيء يربك عجزه يمتد شرخ البياض الخارج من روح النور الساكن صدره ..
استقامة أمل تجرح انحناءات الذنوب الملتوية على فتنة ..
في جوفه لذة تتصدع مثل فقاعة يأكل جسدها الفراغ بأنياب لا تُرى
يتماسان هو ونشوة يقشعر لها الطير ..
يسعى من طيبته لدحرجة الجدر التي سدت طريقه ..
لجعل إيقاع الشوارع نبض واحد يقول قلبه ..
وتتساءل غفلته :
ماذا لو تطاوعه الأرصفة لتصير مربعاتها مستقيماً واحدا؟!
ماذا لو يصير اللعب على السلالم فعلاً يتجاوز الخطر بحلم جميل .. ؟!
أيما سؤال يصفع المستحيل يجرحه ..يجيء يتربص بوقفته..
أما هو فتسكت الأصوات عن نقر أذنيه ..
الصمت يهيج في جسد الأرض لتنقلب ريح خشنة في جوفه
وهو إذ يحسها تجيش في صدره ..
يقف ..
مثل كرسي قديم ..!

 
 

 

مهما تخشب صمته ..بوسع الصلوات حمل ذاكرته
هو المنقوع بهموم الشوارع
مرارا يثبت أن الشتاء لا يستفزه ولا الظلمة التي ترتمي على قدميه كجثة ميتة
وأن حدوده أوسع من عتم ..
بتشنج يصفع الصراخ والسقوط الذي يقفز في صدره ما أن يبادره صوت شمس ..
مثلما يخوض في الدفاع عن الأشياء التي تكسرت وهي واقفة  ..
تيهه يخاف الزمن الذي يقتل في أصل الحياة دون فرصة استغاثة  ..
دائما غرقه في ضحالة الأصوات يشعل الأنين في صدره ويرميه صوب وجه أسود
يتجاوز بإصرار متوحش كل الأشياء التي تقاوم التحرك
يريد أن يقفز في الهواء ليتحرر من قيد قدميه
أن يبحث عمن شرده ليجيئه بقهر صدره ..
يريد أن يهرب قبل أن يفقد التوازن ويخل الوجع باستقامة وقفته
لكن عجز يقف في حلق رغباته.. يلتهمه كحفرة رملية ملعونة بغياب ..
ليس سهلا أن يفيق على ظلمة تهز صدره
ظلمة تبكي وتبلل ثيابه بتحديقها فيه ..
وهو الذي تستعمره حمى لا يمكن لا للأبيض ولا للأسود إزاحة طلسم الخفاء عنها ..
فقط عرق يبلل جبهته يثرثر بمدايات تقول التعب الذي يعجزه الأنين
ومسامير صدئة تحفر في رأسه صداعاً يتمنى لو أن كف رحمة تتسلل من المستحيل لتنقذه
يتمنى .....
تماما مثل كرسي منسي كان أمله لأصابع الطباشير الأبيض
ثم وللحزن القاتل نُسب للتخمين ..
لأسئلة لا تتوحد وإجاباتها
مذ رموه بكل عهر لأنياب الأرصفة ..
دون أسف !.
 

 

 

تتثاءب في يقضته الأرض تحمله خارج حدود الحلم ..
تجعل من الخسارات المتاحة بحاراً باردة طواها السواد لصدره
وهم سيتعود الترحال ..سيتعود السفر في غربة تضرب للانكسار موعداً ..وانعكاس ..
هو يحلم بأن النفاذ لجهة الارتواء قريب مثل استحالة وقوفه ..
يرمي بجثته على خارطة الشوارع حلم ما أن يغيبه كابوسه حتى يحضر ..
بريء بعمق الجفاف .. بعمق الظمأ ومخاوفه ..
التيه يحمله على سفح البلل .. دون فرصة واحدة للارتواء ..
فقط وقوف يكفي لرغبات الحلم ..
وقوف يكفي لتنعكس فيه انكسارات الدفء ..
وقوف يكفي لتصير صورته الى السواد المعلن
وحدها الأرواح الغيبية كانت تناوش انكساره عله لا ينحني ليلتقط ظله ..
يبحث عن جهة جديدة أسفله ..تقوده الى عالم يكونه
الى سراب يلبسه دون خشية امتداد الصقيع في وقفته
يولد في لحظة الـ لا شيء ..في لحظة ينعتق فيها طلسم السواد ..
لحظة يجتاز فيها قلبه ماتدركه العيون ..
بأطرافه الأربعه يستطيع ان يقذف حزنه لزرقة البحر .. ليظلم
يستطيع في انكساره ...في سجوده أن يجتاز الشط لوقوفه الحذر ...
المطارد..
نصفه عبث يفتش عن لعبة تلتقي بطفولة صدره ونصفه حزن يطارد أماني الإرتواء
كلما التقته عيونهم صار إلى عيونهم غباراً عتيقا
كلما التقته أكفهم صار إلى أكفهم عالماً من الزوارق التي أنهكها قتال الموج ..الكافر.
يرمونه بالخرافة واستحالة الدهشة التي ما إن يثور فيها الظمأ حتى تقول البقاء ...
يرمونه بمستنقعات داكنة كلما تسلقه بللها الأسود صار العين الداكنة..
لهذا و ليقترف أمنية عابرة يعد سنوات عمره المحتقن بأرواح الصدأ
يمد اصابعه لاختناقات الهواء ..
يكتب بلؤلؤ أنامله ..:
طفل أنا ..
في الشارع ..!.



.............

من (هنا) بدأ ليله ينحسر ...

 

 

 
 

الصفحة الرئيسية