فراديس .. ثقافة حرّة

 

 

 

07.01.2005

fradees1@hotmail.com

باب الجنة

 

الأرشيف

 

سجل الشرف

 

العجوز

 

مريم الساعدي

كاتبة وقاصة إماراتية

 

 

 

يسمونها العجوز. أولادها والجميع. هي سيدة قديمة. من نساء زمان. في ثوبها رائحة أغنامها وصدأ صندوقها العتيق. لم تفهم يوما لم عليها أن تبدو بمظهر لائق. لم تظن أن مظهرها غير لائق. بل لم تهتم يوما إن كان لها مظهرا أم لا. هي من تلك النسوة اللاتي أنجبن الأولاد الكثر دون أن يسمحن لأزواجهن برؤية وجوههن لأن الوجه عورة. واللائي لا ينادين أزواجهن بأسمائهم وإنما فقط بلفظ "الريال" فهو الرجل وكفي.  هي من تلك النسوة اللاتي عشن دون أن يخطر ببالهن ولو للحظه أنهن يمكن أن يكن لذواتهن، دون أن يكن زوجات فلان أو أمهات علان أو صاحبات  الأغنام ذوات العلامة الفلانية. اعتادت حياة البادية البعيدة. صحراء ورمال وعطش على امتداد الأفق. والصبية الصغار في الخيمة و يجب الانتهاء من حلب الغنمات قبل المغيب. وخبزه ممزوجة برماد النار هي الوجبة الألذ بعد يوم حار وشاق ومكرر.لا.. لم يكن شاق. كان يوم. كان فقط يوم. لم يكن مكررا. كان يوم. فما عرفت إلا أن الأيام يجب أن تكون هكذا. غنماتها بناتها وتيوسها أبنائها. تعرفهم بالأسماء..بالألوان..بالأشكال. هم أغلى من أبناء الدم.  كانت في تلك الأيام هي "الحرمة" لم يعرف لها اسم. أطفالها انتبهوا لاسمها فقط حين صار عليهم استخراج شهادة الوفاة. علاقتها ب "الريال" كانت شئ مفروغ منه. كثيرة كانت مشاحناتها معه. بسبب أغنامها وأغنامه. ولكنه في النهاية "الريال" وهي في النهاية "الحرمة" ولابد لكليمها من كليهما. شئ مفروغ منه.

حين كبر الصبية الصغار صارت تعرف ب"العجوز". "الشيبة" مات منذ زمن. فصار لابد من استقدامها للعيش في منزل احد الأبناء. الأبناء صاروا كبارا. كبارا جدا. وذهبوا ابعد من قدرة "العجوز" على التعرف عليهم.

الأكبر ذو رتبة كبيرة في الجيش. والتالي برتبة اكبر في الشرطة. واللاحق بمنصب مرموق في مؤسسة حكومية. والذي يليه أستاذ جامعي. والأصغر سافر للخارج في رحلة دراسية لم يرجع منها بعد. والبنات صارت لهن دورهن الكبيرة.  والعجوز تأبي مغادرة خيمتها.  والناس يعيرون الأبناء بإهمال عجوزهم. وماء وجوه الأبناء يسكب في كل مره يأتي ذكرها. ولا يعرفون كيف يبرئون أنفسهم من ذنب العجوز وعارها.

يصرون على استقدامها. إغراؤها بالماء البارد. بالغرف المكيفة والفراش الوثير. بالأبناء يعوضونها سنوات الحرمان. بالأحفاد يلتفون حولها. ويعدونها بإحضارها لزيارة أغنامها كل أسبوع. ترضخ أخيرا لتوسلاتهم.

في منزل الابن الكبير. كانت الغرفة باردة. والفراش بارد. والبيت بارد. والكل بارد. نسيت أن لها صوتا. فلم تعد غنمات تحدثها. الأحفاد لم تعرف كيف هي ملامحهم. فهم في المدرسة. ولم يعودوا بعد. ظنت الخادمة زوجة الابن. واستغربت كيف لا تفهم العربية.

حين اشتد البرد رغبت في الانتقال لمنزل الابن الآخر. ثم الآخر. ثم الآخر.ثم الأخرى ثم الأخرى.  انتقلت بينهم. كلهم بيوتهم باردة. فأرادت العودة لغنماتها. لكنها كانت قد ماتت الواحدة تلو الأخرى. لم ترها اسبوعيا. ولا شهريا. ولا سنويا. فقط أخبرتها إحدى العجائز في زيارة خاطفة أن غنماتها جمعيهن نفقن. بالطبع لم تصدقها. اتهمتها بسرقتها. وأرادت أن تتأكد بنفسها. خرجت للشارع. تريد العودة للخيمة. لغنماتها العزيزات. فالشاة الحمراء كانت على وشك الوضع. أرادت أن تعرف ماذا وضعت. أتيس أم غنمه. أو ربما توأم.  أحمر ولدتهم أم سود ..أم تراهم بيض. ربما من هذا وذاك. لا بد أن تراهم. فالغنمات الصغار قد يتأذين بطريقة أو بأخرى. والغنمات الكبار يحتجن العناية. وهي بعيده منذ زمن. لم تر شيئا. لا بد أن تعود. ارتدت عباءتها الخفيفة الباهتة. أرادت العودة لغنماتها. في وسط زحام الشارع تعرفت عليها جارة ابنتها. أعادتها لبيت ابنتها. قالت : "كانت تقف وسط الشارع. مثل ريشة في مهب الريح". أولاد الجارة كانوا يتضاحكون. قالوا: "كانت مثل ساحرة المقشة. منظرها مخيف". زوجة ابنها المتدينة تطلعت إلى ثوبها المرقع وعباءتها المتهالكة وقالت:"استغفر الله..أمك لحمها ظاهر . عجوز لا تستحي".  الجميع كان له رأي. واتفقوا على عبارة "فضحتينا بين الناس يالعجوز الله يهديج بس". العجوز عادت لغرفتها الباردة في خلف المنزل . أحضرت لها زوجة ابنها أثوابا جديدة. وابنها احضر لها نعال جديدة. وابنتها أحضرت لها عبايا وشيل جديدة. وزوجة ابنها الأخرى أحضرت لها عطور وبراقع جديدة. وأمروا الخادمة بتحضير طعام ساخن لها. وغسل فراشها. وتبخير غرفتها. واشتروا لها عسلا أصليا لتشربه. وعينوا خادمة خاصة. لخدمتها... ومراقبتها. والعجوز رمت كل الأشياء الجديدة في صندوق الزبالة القريب.  واستعادت ثوبها المرقع ونعالها المتقطعة وراحت تخيطها. وتلف عباءتها في صندوقها العتيق. الملئ برائحة الصدأ ورائحة الغنم ورائحة الشيبة والخيمة العتيقة.

شهد الناس أن الأبناء الكبار ما قصروا في عجوزهم. ولكن العجوز نحيسة. وحين شهد الناس. هدأت عاصفة الأولاد. واستراحت ضمائرهم . والعجوز لزمت غرفتها. لا تبارحها. و لا يعكر خلوتها احد سوى الخادمة تأتيها بأطباق الطعام الذي تعيده كما هو في كل مرة. فالعجوز لن تأكل طعامهم. "العجوز نحيسة".  صبر الله الأولاد عليها.

"ماذا تأكل العجوز؟" خطر ببال الابن أن يسأل الخادمة في لحظة تجلي عظمى وقت الغداء. "تأكل لبن يابس وخبز يخلي في صندوق مال هي". يهز الابن رأسه متعجبا ويتناول غداءه. وتبتهل الزوجة بالدعاء بألا يجعلها الله حين تكبر عجوزا نحيسة تعذب أبناءها وتفضحهم أمام الناس.

صارت الخادمة ترفض النوم مع العجوز. فهي تتحدث طوال الوقت. حتى في نومها. تقول أشياء كثيرة. تنادي على غنماتها. تتشاجر مع شيبتها. وتنادي على صبية صغار بأسمائهم  لكي يعودوا للخيمة قبل حلول الظلام.

ماتت العجوز.  كان كل شئ معد له. سرادق العزاء كان مشرفا أمام الناس. حضر خلق كثير. أصحاب الأولاد من المقامات الرفيعة ، جيرانهم وزملاؤهم في العمل. والجارات والصديقات، وصديقات الحفيدات وأصدقاء الأحفاد الذين عادوا أخيرا من المدرسة. وحتى الابن المهاجر. عاد لاستقبال المعزين مع إخوته.    " فالناس ستأكل وجوهنا إن لم يأت في عزاء أمه". صار كل شئ على ما يرام. لن تأكل الناس وجه أحد. والعجوز صارت تحت التراب بكل ترتيب وأناقة.

 

 
 

الصفحة الرئيسية