فراديس .. ثقافة حرّة

 

 

 

18.12.2004

fradees1@hotmail.com

باب الجنة

 

الأرشيف

 

سجل الشرف

 

الرأس كمفردة للبوح

 

علي شايع

 
 
 
 

يقيم فنان الكاريكاتير العراقي كفاح محمود المقيم في هولندا معرضه الشخصي الثالث لهذا العام في مدينة لايدن ، حيث سبق له أن أقام معرضين شخصيين الأول لفن الالوستريتر( فن تزيين الكتب) والثاني لفن الكاريكاتير.

معرضه الحالي ضمّ أكثر من أربعين عملاً ، امتازت بخلوها من التعليقات،واعتماده فيها على الإيحاء الرمزي والأفكار المفتوحة على الاحتمال والتأويل، في سعي الفنان الدائم لإعادة وهج الفكرة الكامنة، لحظة يكمل الرائي لوحة كفاح محمود الناقصة .. يكملها من رأي صادم  وعميق الدلالة  تكون المفارقة فيه فكرا يرقى بمتلقيه الى طموح الفنان،فاللوحة لها افقها المفارق حد إثارة السؤال المختلف،والساعي لتوجيه المتلقي من سلبيته الى ايجابية فنية عالية تحثه على المشاركة في إنجاز العمل الفني، وبتعب يوازي لحظة الإنجاز تلك.

في كلّ أعمال كفاح محمود ثمة مرجعية فكرية في عقل المتلقي،حين سألته عنها قال: ( انا أترك للمتلقي مساحة واسعة للتفكير والتأمل للتساؤل والحيرة، ولا أقدم له الأفكار الجاهزة لأني أحترم عقله الذي يجب عليه استخدامه لا أن يركنه على الرف أو ينساه في مكان ما لا يعلمه إلا الله).

  

وكما في سابق أعماله امتازت لوحاته الأخيرة بمطابقاتها الوصفية للحظة مستباحة في الغالب،تحضر فيه المفردة بسلبية مقصودة للبحث في السياسي والاجتماعي؛إنها الحياة محمولة على تداخل الأفكار،اذ لا فاصل يحد هذا المزج بحدود واضحة،وكأنه يفترض وعيا يوميا لمن يطّلع على منجزه،بمعنى الوصول بالسياسي والاجتماعي كفكرة عاجلة قادرة على رصد المتناقضات في هذا التداخل،ووضع قارئ الصحيفة اليومية(إن نشر العمل كما يتوجب له من مصير) في لحظة الإجابة.. ليكون عملا يستوعب اليومي ويتجاوزه بفكرة مثيرة وصادمة ودافعة للتساؤل في زمن آخر،الفنان هنا -كما في كل أعماله- لا يخص زمنا بعينه،وعنايته الكبيرة بالوصول المستقبلي لا تقل عن اهتمامه باللوحة كعمل كاريكاتوري زاخر الرهان بحاضره.

منذ أكثر من سنتين يواظب كفاح على اختبار مفردة واحدة بكل اتجاهات احتمالها وحضورها في الحياة لتصبح ثيمة هذه المفردة محركا للسؤال والحضور،وبهذا حقق الفنان منجزا كثيرا من المفردات نشر بعض منها ونال على بعضها جوائز في معارض عالمية في السنتين الأخيرتين.

الثيمة الأساسية التي طغت على لوحات معرضه الأخير تجلّت في مفردة ( الرأس ) فأصبح المكان الذي تدور حوله معظم الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية!.

"الحكمة هي الرأس.فاقتن الحكمة وبكل مقتناك كن ساعيا للفهم".. كنت قرأت هذا في احد  الكتب القديمة،وتذكّرته في الحكمة التي صارت ضالة كفاح، وهو يفتش عنها بين رؤوس اللوحات، فالرأس تارة تحت الاحتلال وأخرى تحيط به عشرات الآلات العسكرية،ومرّة وقد تحول الى سطح يقف عليه رجل صلف عديم الملامح حاملا في يده عدة تحريك الماريونيت حيث يحرك من خلال خيوطها أصابع صاحب الرأس الذي ما عاد يقوى على فعل شيً سوى الاستسلام لواقعه وقدره وقد حوله الى لعبة لا حول لها ولا قوة حتى في تحريك أصابعها،العقل معطلٌ إذن،وعلى الآخر تحريك هذه الأصابع اذ ما عادت تلوي على فعل شيء . رأس آخر وقد تحول الى رقعة شطرنج مماثلة لرقعة أخرى موجودة أمام الرأس . فاللعبة التي تدور على أرض الرقعة تمثلت في صورة  لما يوازيها في رأس اللاعب، والمأساة لحظة  تتحول خلايا هذه الرأس الى رقعة شطرنج أو ساحة معركة لبيادق مسلوبة الإرادة تموت لخطأ غبي من حركة غير مقصودة لأحد اللاعبين .ربما يريد الفنان القول عن مساحة الإبداع  الفني والفكري المعدومة في هذا الرأس، فزواياه قد تتحول الى مقابر لدفن البيادق الميتة أو مستشفيات متنقلة لإنقاذ المصابين والجرحى ،انها أرض محروقة لمعارك افتراضية ومساحات من الخراب.

رأس آخر ويبدو إنه لصحفي أو كاتب، وقفت عليه دبابة التف مدفعها بمرونة عالية لتصبح فوهته بمواجهة العين حتى صار صاحب الرأس –الهدف-لا يرى في الأفق غير ظلام المدفع المفضي لذات الخراب، ماالذي سيكتبه وأي كلام سيقول؟. في ظل شبحية الرؤيا تلك لاشي يغطي الفراغ  للقول غير الحبر الأسود المسكوب بلا معنى على بياض الورق المجاورة.

رأس آخر وقد صار ارضا لإنزال جوي مظلي لقوى عسكرية غريبة احتلته وبدأت بالتحضيرات الأولية للسيطرة عليه، بينما  ظل صاحبه مندهشاً ولا يقوى على فعل أي شي .

وحتى في اوج المباشرة التي تمنحها مفردة القفل يبقى للفنان كفاح محمود ما يفعّله في مخيلة المتلقي حين يضع احدهم قفلا على رأسه.

ايضا ثمة عبور للزمن والطبيعة اذا لا شيء مُستغرب فحتى الرجل الحامل لمظلته في الشارع يفعل هذا ليقي رأسه من عاصفة الرؤوس المتساقطة من السماء ..عشرات الرؤوس الهابطة الى الأرض .. ربما تكون اشارات الى حدث سياسي يمرّ على ذاكرتنا ايضا بالألم الكبير لتطاير الرؤوس في طريق القاتل الحالم بجنته.

هناك رأس في الأفق يستغيث وفم مفتوح يطلب النجدة ، وجنود ديكتاتور ما يغرسون العلم داخل هذا الفم.العشرات من الجنود وقفوا صفا واحدا قرب هذا الرأس لأداء تحية العلم ، بينما يقف الدكتاتور أمامهم ليدخن سيجاره بلا مبالاة .

أخيرا الرأس الايجابي الوحيد في هذه المجموعة هو ما ذكّرني بقول ل ميخائيل نعيمة :"لي بين حاجبي عين ثالثة، ولولاها لكنت أعمى".

ذلك الرأس الذي فضل صاحبه أن يرسم له عيونه الخاصة به لأنه يريد أن يرى الحياة على حقيقتها لاكما يراد له أن يراها.

في معرض الفنان كفاح محمود الأخير أصبح الرأس مفردة للبوح بامتياز، ليضيف عبر تجسيده في العمل الفني رصيدا من الأسئلة والأفكار تحسب في رصيده الفني المتميز،عبر مشوار إبداعه الهام.

 
 
 

 

 
 

الصفحة الرئيسية