فراديس .. ثقافة حرّة

 

 

 

18.12.2004

fradees1@hotmail.com

باب الجنة

 

الأرشيف

 

سجل الشرف

 

الشِعر مختلطا بالثلج

حول وعن الأمسية الشعرية ( الشعر والمنفى )

 

علي إبراهيم صافي

ali1254ali@hotmail.com

 
 

في مدينة اوسلو أقيمت يوم الأحد أمسية شعرية عن (الشعر والمنفى) للشاعرين شعلان شريف وعلي شايع ، وتضمنت مقدمة ونصوص لهما وحوارات لبعض الحاضرين في جو شعري حميم.

تحدث الشاعر شعلان شريف عن تجربته الشخصية فيما يتعلق بالشعر والمنفى..قائلا:

لقد كان الشعور بالغربة والنفي موضوعة أساسية في الشعر عبر كل العصور، الشعر غريب دائماً سواء في محيطه الأصليّ أو في محيط جديد. إنه الشعور بالمنفى الوجودي، الشعور بأن الإنسان جاء إلى هذه الأرض ليظل مشدوداً إلى مكانٍ آخر، مكان يخلقه بأحلامه وتوقه إلى الخلود وإلى الانسجام التام مع الطبيعة، أطلق الإنسان على هذا المكان المتخيل اسم الفردوس، ثم افترض أنه قد كان هناك يوماً ما وأنه قد نـُفي عنه إلى هذه الأرض. أعتقد أنّ هذا التوق وهذا الشعور بالغربة على الأرض كان هو الحافز الأساسي لكلّ ما أبدعته البشرية في تاريخها.

ما الذي يتبقى من هذا التوق عندما يضطر الشعر، لأسباب سياسية غالباً، إلى العيش في مكان بعيد عن وطنه، ويعيش تجربة المنفى المكاني الواقعي. يمكن القول إن تجربة المنفى الواقعي هي تكثيف لتجربة المنفى الوجودي المتأصلة في الإنسان، لا سيما الإنسان المبدع. المنفى المكاني يجعل من الوطن الأصلي بديلاً واقعيا عن فكرة الفردوس المفقود بمعناها الديني والفلسفي، كما أن فكرة الطرد من الجنة تتخذ بعداً واقعياً محسوساً متمثلاً بتجربة مغادرة الوطن بصورة قسرية.

هذه الحالة يمكن أن تجعل الشاعر أكثر عمقاً في رؤيته لفكرة المنفى أو ثنائية الوطن/المنفى، كما أنها يمكن أن تكون سبباً في تسطيح هذه الفكرة عندما يصبح الوطن بمعناه الواقعي حاجزاً يمنع الشعر من رؤية الوطن الأصلي/ الفردوس المفقود.

ما الذي سيبقى من شعر المنفى الذي كتبه شعراء عراقيون في منافيهم المختلفة؟ أعتقد أن القصائد التي ستبقى وتـُـقرأ من قبل الأجيال القادمة هي تلك القصائد التي ارتفعت بتجربة المنفى المكاني لتجعله جزءاً من التجربة الإنسانية الوجودية التي تشكل فكرة الفردوس المفقود والحنين إليه إحدى علاماتها الابرز. أما القصائد التي اكتفت بالتعبير عن الأحاسيس المباشرة المرتبطة بالغربة والحنين إلى أماكن الطفولة فإن تأثيرها سيختفي في رأيي باختفاء ظروف كتابتها.

ثم قرأ بعدها نصه:

 هُوَ الّذي لمْ يَـرَ شيئاً

إلى: صالح & دينيكا

أهبط

عميقاً .. عميقاً

لامس القعرَ بقدميكَ

ثـمّ عـدْ إلينا

نكافئـْكَ بالغفران

أو نعاقبـْكَ بالشفقة

لا تخبرْنا عمـّا رأيتَ

سنقولُ:

          هبطَ ..

          عميقاً .. عميقاً

لامسَ القعرَ بقدميهِ

ثـمّ عادَ إلينا

          .... لم يــَرَ شيئاً!

***

هل كنتُ عارياً بالفعل

أم هي الخمرةُ؟

هل تطلّعتُ في مرآةٍ

أم هي عيونُ الغرباءِ؟

........

الغرباءُ ..

حسبتُ عيونهم مرآةً

فتعرّيتُ

وقفتُ..

وليس معي سوى

هواءِ الكهوفِ الباردِ

سوى خطوطٍ غامضةٍ

تشيرُ إلى نبوءةٍ غامضة

وقفتُ ..

مثل أعمى يتلمّسُ المرآةَ بعصاه

أريدُ أن أدخلَ المرآةَ

وأغلقَها كقوقعةِ المحار

 

*        *        *

 

هناكَ أيضاً

حين هبطتُ في بئرٍ قديمةٍ

كنتُ دفنتُ فيها ضحيـّتي

التمعتْ عيونُ الغرباءِ

مثلَ عملةٍ قديمةٍ

تفضحُ صاحبها في السوق

مثل خاتمٍ ذهبيٍّ

يسقطُ من جيبِ اللصِّ

عيونُ الغرباءِ التمعتْ

فأفسدتْ عتمةََ البئرِ القديمة

طمأنتُ نفسي:

          مازالَ القعرُ بعيداً

          ومعتماً بما يكفي

ضحيـّتي ترقدُ هناكَ

في الأسفلِ

لا خوفَ عليها

من التماعةٍ عابرةٍ

في عيونِ الغرباء

 

*        *        *

 

بعيداً عن هواءِ الكهوفِ الباردِ

فقدتُ لساني

أخبرتُـكمْ في قصيدةٍ سابقةٍ

كيف تخلّيتُ، بمحضِ إرادتي

عن أعضاءَ كثيرةٍ

وتنبـّأتُ آنذاك

بأنّ اللصوصَ سيكملون المهمـّة!

......

اللصوص...

كيفَ أسمّيهم الآن

وقد فقدتُ لساني؟

كيفَ أشيرُ إليهمْ

وأصابعي شلّها البرقُ؟

اللصوص...

كيف أميّزُهم

ولا ضوءَ سوى التماعةٍ عابرة

في عيون الغرباء؟

***

 لن أضحكَ بعدَ الآن

لن أبكي..

لنْ أرفعَ الصخرةَ

لن أدعَها تتدحرجُ

......

واقفاً على السفح

الصخرةُ تبدو أثقلَ

الهاويةُ أعمقَ

القمةُ أبعدَ

فليكنْ..!

سأحتملُ هذا كلَّه

لأظلَّ هكذا

واقفاً على السفحِ

مستمتعاً

بقدرتي على خداع الآلهة!

 

*        *        *

 

إهبطْ عميقاً.. عميقاً

إصعدْ عالياً.. عالياً

إذهبْ بعيداً.. بعيداً

قفْ ، إنْ شـئتَ، على السّـفحِ

ثمّ عدْ إلينا

نكافئْكَ بالغفرانِ

أو نعاقبْكَ بالشفقة

لا تخبرْنا عمـّا رأيتَ

سنقول:

          هبطَ عميقاً.. عميقاً

          صعدَ عالياً.. عالياً

ذهبَ بعيداً.. بعيداً

وقفَ على السّـفحِ

ثمّ عادَ إلينا

.... لم يـَرَ شيئاً!

 

وتحدث الشاعر علي شايع عن تجربة الشعر والمنفى قائلا في بعض حديثه:

الشعر منفى..!

 والشاعر منفي في سؤال وجوده الصعب كانسان أصلا،وربما يكون الشعر نفي اللغة الى فضاء خاص،يحفل الشعر به ويتوحّد في معناه الزمن.ثمة سرّ في ماهية الوعي الإنساني للشعر ووجوده كضرورة يومية أزلية،فالسومري يتوحد بصاحب حضارة المايا والازتيك في ماهية الشعر وأدواته،ولا فرق يذكر..فهو متصل بذات الوعي الإنساني حتى قبل ان يحدث هذا الرابط الأرضي.. الإنسان اكتشف الإنسان ليكتشف وجود الشعر هناك..الشعر اذن موجود منفي..

الشاعر العربي شاعر رحيل أزلي..شاعر نفي.. وقف على الطلل طويلاً في تأمله لحالة المنفى والعودة تلك..

الإنسان العراقي-شاعرا- عاش منفاه ومغتربه في وطنه..عاش منفاه لمرتين اذن..

وعاش في ان لا يحكمه شبيهه في العراقية.. فالعراق لم يحكمه شخص عراقي منذ الألف الثالث قبل الميلاد، وحتى تأسيس الجمهورية العراقية..أيضا المغترب السياسي الهائل أضاف لتجارب الشعر العراقي رصيدا جديدا من أجيال انشطرت بين المنفى والوطن،اتسع رهانها الثقافي مثلما هو رهانها السياسي، بدا هذا واضحا وجليا مع بداية السبعينيات التي شكلت ارثا  كبيرا للقمع الثقافي وسطوة الابوات الشعرية العربية بكل جبروتها،القمع كان مقابله مغترب الهجرة،والابوات يقابلها الخروج على سائدها بالعصيان.. وكلا الحالتين منفى على حد سواء؛ في الطواعية او الجبر..

متى تجسد شكل المنفى هذا عند الشاعر العراقي؟. ربما في أوقات مبكرة جدا من تاريخ العراق كدولة،ومبكرا تجسد في الشاعر العراقي كمواطن إحساس النفي،احيانا في تفاعله مع الظرف الاجتماعي والديني،فالنسبة الغالبة من شعرائنا عاشوا منفيين في أفكارهم وما كتاباتهم المبكّرة عن المرأة والمظالم الاجتماعية الكبرى الا مثالا عن هذا..أيهم منفي في الآخر.. الشاعر في الوطن ام الوطن الحلم منفي في رؤى قصائد وكتابات هي الى الان في محك الجدل؟..انها اسئلة ومحنة فلسفية ووجع صوفي قال عنه(البسطامي ربما) وصفا دقيقا للمنفى:" تلك أوطان العامة"..اين وطن الشاعر وشبيهه في كل هذا؟.

الشاعر مطرود افلاطوني..مهد تراكم الافكار عنه لمزيد من الهظم والتجاوز.. وصار من السهل ارتجال ادنى المواقف في النيل منه.

الشاعر يعيش منفاه في ان لا يقول.منفى كبير ان لا تقول ما تريد،وان لا يباح لك البوح حتى باسم الحبيبة في الشعر العربي القديم،فما ان تدخل تلك المرأة في نص الشاعر حتى تحدث كوارث اجتماعية.. المنفى بشكله هذا اتخذ هوية أخرى أثرت في النص وفي الأدوات الشعرية أيضا.

المنفى ان تقول ما يفهمه الاخر،ولا ننسى المنفى الشعري في النقد لحظة يكتب عن الجديد بوعي قديم مثلما يقول رامبو.

الكلام منفي لأنه يأتي من الماضي، لا احد يعيش حاضر كلمة.. الكلمة تتحول الى هواء في منفاها الجديد بعد العقل والفم..والصوت صورة عن ماضي الشعر..

وثمة أصوات كثيرة لم يسمعها احد.. هنا أتذكر كلمة رائعة للشاعر العراقي سركون بولص أكررها هذه الأيام بلهفة: "اين تذهب الأصوات التي لا يسمعها احد"..هذا هو النفى..

ثم قرأ الشاعر نصّه:

  كيس عظام أبيض

إني متشبث بحزني..

 وأريد إشاعته

أخيرا..

 كلون أبيض..

 لم يكنّي ذلك الشاعر

في إفاضاته..

 ونهوضه الجزيل عن الصمت

ما أنت إلا ظلام عميق أيها الصمت

 بالبطلان أبصر صداك

و كمن يستظلّ بفأس..أفرغك من خصومك ..

لتصبح وطني..

 زارعاً في اعتقاد الملاك عنك؛ كومة عظام، وذاكرة جماعية لمقبرة يختلط سوادها  بذاكرة أب تصطادّّّّّني عن الهدم؛ كآخر ذكرى في مرآة..

حسناً.. كانت جملة واحدة  لا تستوجب كلّ  هذه الذكريات، كان جنوناً عاجلاً

يتصاعد من الذكرى قبل رمادها  ..

 آه أيها الأب ..

كم يكفيك .. لتنسى البياض ..ومن المرآة لتعرفني؟.

 

أيتها الحكمة..

 أهذا خلاصك ؛ قسطاً من السيف،مدناً أخطأتها بالعمر،ليتسع الكابوس عن عدّ أصابعي؟.

 

اللحظة الأبعد -من ذكرياتكَ-، دائما، تحضر.. بالأمل الذي أنت حزنه..  

وبالدعاء الذي أنا ظمأه..

 

أيها الأب..

 لك من الماضي كيس عظام أبيض.. و لي قرقعة ألم بلا لون..

لك فم مليء بالندم .. ولي فزع أليف لهندسة خاطئة

لك يوسف وندم الذئب في قلب المعزّين.. ولي اللحظة تجادل الأخرى بالمكوث الحزين..

فادح مثل شجرة

ومورق بذات تناثر جندها في النقصان.

 فادح .. اسميّ اللحظة التي تلي هذه الجملة؛ ذكرى وشيكة تشارك القارئ عزلته في ذكرياتي..

اسمي اللحظة التي تلي هذه الجملة؛ ما سيكتبه حزني في صمت الآخر.

 

بعد ذلك فتح باب الحوار مع الشاعرين ،فأجابا عن أسئلة الحضور وكان للشاعر شعلان شريف كلمته  فيما يخص موقف الشعر كحاضر جمالي يبعد الأفاق السوداوية عن مساحة اللغة الشعرية.وأجاب عن تساؤلات وجهها السيد زاهر الغزي عن قصيدة النثر ورهانها الجديد.مميزا بين الشعر والنثر الوظيفي الذي يملىء الأرض،ومحددا بشكل دقيق شكل الشعر في حوار الذات والكون،وتحدث عن السائدية المفترضة التي احتكم لها الشاعر الجديد الآن ورهانه بتحرير اللغة التي يستعيد عبرها الشعر مكانه في مسرح الوجود.

وفي مداخلة وسؤال لظافر السماوي عن هوية قصيدة النثر،أجاب الشاعر علي شايع بالقول: ربما تكون كل قصيدة هي جنس ادبي يأخذ استقلاليته من المتلقي، الكتابة الجديدة جاءت من رغبة عميقة في الانعتاق،هذا التمرد الشعري محكوم أيضا بنظم لا تقل صرامة عن "فن الشعر القديم".انها فعلا معضلة التبشير بشكل جديد،ومحنة البقاء في هاجس المنفى عن الشكل المعتاد.

الشاعرين  شعلان شريف وعلي شايع ابناء المنفى العراقي فقد تبلورت تجربتهما الشعرية وازداد ابدعهما صلابة بتقلبات النفي والاغتراب،لذلك عندما يتحدثان فأن لهم في الحديث شأن شعراء كبار اخذوا من ذات التجربة عمقها الفني ،ومن التشظي والنفي سؤلا حاولوا جاهدين ان يسندوا قامة السؤال،بعد ان وقف الوطن محني الظهر لسنوات كعلامة استفهام وراء جملة طويلة من الحروب .

كنت قبل سنوات طويلة من هذه الأمسية قد تعرفت عن قرب الى هذين الشاعرين،كان لصحراء المنافي العربية فضل في هذا، ايام كنا نحتشد بهمومنا متوحدين الى خيام نلتقي فيها على محبة الشعر وأمل العراق.

انها الأيام تلك تعود اليّ الآن:

"كاختباء ذكرى خلف العطر..

كعذوبة مخذولة الانتصاف...

كلون يتهدم الى محوه.."

استعين بكلمات علي شايع من نص قديم قرأته له وبقي في مخطوطته( خطوتان خارج الحرب)، الأيام لها خطواتها وللذكرى عطرها الصحراوي وقد عانق ثلوج اوسلو عن كثب. عانقها ب" شتاء الأعزل" مطبوعا في مجموعة شعرية وزعها الشاعر شعلان شريف على بعض الحضور.. وان كان "النسيان يكمل البياض" مثلما يصرخ شعلان في احد نصوصه الصحراوية.. فبياض اوسلو الثلجي اكتمل بفرح حضورهم بيننا بحق.

لقد وصلت أصواتهم..وجاء الشعر مختلطا بالثلج ..

 
 
 

 

 
 

الصفحة الرئيسية