|
التقيا..والرمل الأصفر
يلتحف المكان..ونبتة خضراء تستصرخ
الحياة..كان خاويا ،وريح اليأس تتصايح في
جنباته..وتطغى على أهزوجة النبتة
الخضراء..وكانت ممتلئة بشموخ العشق ،وجراح
الخيبة..انتظرته بلهفة العطش أن
يتحدث..ولكنه ظل مُعتصما برياح يأسه أو
مُستسلما لها..تُريحه من عناء التحدث
والمواجهة..حاولت أن تُحرك النخوة في
صمته، سألته عن حاله..أجاب بكلمات فقدت
بريق الحياة :
الحمد لله..أنا
بخير..كيف حالك أنت ..؟
الحمد لله..
وعاد الصمت يغمر
المكان .. غريبان يلتقيان .. قطعت هدير
الصمت بسؤال شديد الوضوح والمواجهة :
هل تشعر بأنك أنت أنت
..؟
لا..لست
أنا..
إذن من هذا الذي معي
الآن..؟!
لا أدري..صدقيني لا
أدري..
وعاد الصمت هو فارس
اللحظات الأخيرة ؛ يصول ويجول برعونة
دامية..ولكنها لم تأت لتستمع إلى الصمت..
للمرة الخمسين يخلف
ميعاده معها..والموت يناديها ،يسطو على
إصرارها لسماع كلماته
الأخيرة..وتتمزق..تُحاول أن تُقنع الموت
الحاضر..بأن رغبتها العقيمة المجنونة في
استعادته فقط لكي تَرُدَّ له
الطعنه..وتنتقم لوطن الجنة المهان..دون
مقدمات أو سابق إنذار..اختفى..في البدء لم
يريبها الأمر كثيرا..فقد اعتادت على غيابه
المفاجئ..وعودته الأكثر مفاجأة..ولكن هذه
المرة تمادى في اختفائه حدّ العبث..بل
الموت..وإن عاد يعود في لحظات لاهثة ليؤكد
هذا الغياب بكل تجلياته القبيحة..يأتي
مخمورا بالغباء واللامبالاة..ويصفعها
بنكران كل ما كان وما سيكون..ويحرقها
ببلادة مقيتة فقدت أدنى إحساسا
بالإنسانية..
هكذا كان هو..
وهي..
كانت الحيرة تذرعها
،وما يحدث ينبسط سؤالا صعبا عجزت عن فك
طلاسمه تلافيف عقلها الصغير ،وحتى شطحات
مخيلتها الواسعة..وهكذا تظل الأسئلة المرة
حرابا تتدلى من رقبتها..
إنها تحترق..
النار تشتعل في صدرها
،تلتهم بعض القلب ،تُحرق دماء أينعت
بعشقه..وتحترق..وتحترق حتى تصل روح
تتيمها به إلى شهقات التراقي..ولكن في
أعماقها شيئا ما يتشبث بهذه الروح ،يمنعها
من الوصول إلى ذروة النجاة فلا يبقى إلا
الاختناق يتكور في حنجرتها..يسدّ المنافذ
،يوغل في تماديه الموغل في حرقة
الموت..يتمدد عرضا.. ينبسط طولا..يطحن
أضلاعها..يفتتها..يشق صدرها نصفين..تفرد
نار الاحتضار أجنحتها السوداء.. تأكلها
دون أن تأتي على نهايتها..وفي معمعة
الاحتضار الذي لا يهب الراحة..تلهث وراءه
.. حافية , الأشواك تدميها ،لكنها
مستميتةالطريق موحشة ،خالية إلا من طيفه
وركضها..ونداءاتها التي تصل إلى أذنه
فتذروها سوافي عدم اكتراثه..ولا يبقى سوى
الألم يصحبها بطريقته الخاصة
المدمرة..وسحابة البنفسج تتقعر في
داخلها..ومن عينها يطل برغوث..وطن
يضيع..حلم يتمزق ويفنى على بوابة نزواته
التي لا تنتهي..يقول بزهو وغرور :
أنت تنجحين دائما في
استردادي إلى مينائك..
نعم..أنا دائمة النجاح
، ولن أفشل.
ولكني هذه المرة قررتُ
استعادته لألفظه .. لأطرده عن جنان روعتـي
.. لأبعده عن هتون عشقي .. لأقصيه عن
زنـــدّ عذوبتي .. لأحرمه من عذوبة ظمئي..لأنفيه
أبدا عن موانئي الحبلى بالروعة والمسكونة
بعصافير العشق..وبنوارس العطش الأبدي
لهتون فارس هو لؤلؤة الجنان وجنة اللآلئ..
تتساءل : هل يستحق هذا
المشهد القبيح كل هذا العناء..؟
لكنها الكرامة..وربما
الحب..
وها هي بعد خمسين
محاولة يائسة تتمكن من الإمساك به..وحشره
في مواجهة فقدت كل معنى..ولم تنتبه إلى أن
الصحراء قد أتت على كل شيء بينهما إلا
حينما توقفت عن الركض خلف أطيافه..لا شيء
بينهما سوى رمل أصفر..ونبتة خضراء تنز
احتضارها .. كم أذهلها ذلك وآلمها..
وأعود كما كنت وحيدة..
الكلمات تندفع من
أعماقها..يُرهبها الصمت الهائل..تموت على
شفتيها..تبتهل ضارعة للسماء أن يتفوه
بكلمة تستمد منها الحياة لكلماتها..ولكنه
ظل متماديا في صمته ،موغلا في
استسلامه..نفضت ترددها..وقطعت حبل
انتظارها العقيم..وبحسم من أجهده الانتظار
تفوهت قائلة بصوت متهدج ،حاملا نبرة الألم
،ومفصحا عن عمق الحزن :
في البدء علينا أن
نعترف بأن حالنا ليس بخير..وإن كان حالك
وحالي بألف خير..
ماذا تريد أن تقول
لي..تحدث..إنها فرصتك الأخيرة..فأنا قادمة
من أقاصي حشرجة الموت لكي أستمع إليك..وإن
لم يكن لديك ما تقوله ،فلدي الكثير لأصرخ
به..حينها أتمنى أن تجد لك طريقا
للكلام..وإلا سيكون حديثنا هذا هو الأخير
على قارعة المستحيل الذي ظللنا لسنوات
نتمرغ في وهم جنانه..
لم ينبس ببنت كلمة..
نظرت إليه بعمق
الانكسار..بمرارة الصدمة الأخيرة..والذهول
الأكبر..نظرت إليه..هاهو للمرة تلو المرة
يخذلها..ويوغل في خذلانه لها..شمس عشقها
اعتلاها الصقيع..ماتت نخلاتها على بوابة
صمته..وجبال الكلمات تتلاشى من
حنجرتها..وحشرجة الراحة تناديها..نظرت
إليه...أشفقت لحاله أكثر مما احتقرت
صمته..حاولت ابتلاع الجفاف الذي حصد
حنجرتها..تمتمت هامسة بتميمة الحياة
القادمة :
أرجوك طلقني.. |