فراديس .. ثقافة حرّة

 

 

 

00.12.2004

fradees1@hotmail.com

باب الجنة

 

الأرشيف

 

سجل الشرف

 
 

البئر والعسل

بحث في ميثولوجيا الحجم في العمل الفني

 

الشاعر و الفنان التشكيلي صلاح حيثاني / هولندا

 

 

 
 

1


كيف نشأت فكرة العمود.. ومن ثم العمل العمودي؟
ربما تكون الفكرة في جوهرها جزء من تدوين الذاكرة عموديا.. كما هو الحال مع مشروع شاغال (Shagall) شبابيك القدس. أو أفقيا، كما في الإستطالات الغرافيكية المدهشة في أعمال الفنان البلجيكي (Rein Houd).
ولكن الإستطالة تدفع بنا كذلك إلى مساحات أخرى متعددة، لعل مثالها الجسد، فالجسد الإنساني يواصل استطالته لسنوات عديدة حتى يختزن ذكريات عديدة وبصمات غامضة تدوّن حضورها عليه. ولا شك أننا جميعا مارسنا محاولات جمّة لقياس عموديتنا، ولعل الكرسي يصلح أحيان أن يكون ذلك المقياس، فهو ليس سوى تضريس جسدي، فلقد أخذ هيئته من شكل الإنسان، كما يأخذ الماء هيئته من شكل الأناء الذي وضع فيه، والكرسي أعد ليختزل هيئته في فعل معاكس، كما يختزل البحر الإمتدادات الشاسعة لنهر فيأخذ شكله ويتماهى فيه، فالنهر كائن يقود بعضه في مسيرة عمودية غامضة، إلى زواله، كما هو الشأن مع التابوت الذي يختزل الجسد في أحشائه حتى زوال أفقيته.
وهنا سنتذكر النعوش الفرعونية.. فهل أعدّت حقا لتغييب الجسد الملوكي وإضماره في البياض/ الغياب، أم لإعداده لقيامته المنتظرة. وهذا المبدأ شبيه بمبدأ البعث والنشور في الديانات الكبرى، حيث بطلان الموت باعتباره زوالا كليا والإنتقال من التدوين الأفقي (الجسد المسجى في التابوت) إلى التدوين العمودي (الجسد القائم أو المحشور). وإذا سلمنا بالمناخ الأسطوري في البحث عن تابوت النبي يوسف الحجري والوله الذي كرسه البحث لإسترداده من ضفاف نهر النيل، فسنخلص إلى أن نوعا من قيامة عمودية ستفضي إلى الجسد المقدس.
ومن هنا كما أرى، كانت المسلات التي أستحدثتها المدنيات المختلفة، تتجه عموديا كأنها تسعى لاحتلال الفراغ وأعتقال غيابه، أي تحصينها من الزوال. وربما كانت المسلة هي السلف الحقيقي لفكرة الكتاب المطوي الذي شاع استخدامه مع أكتشاف الورق في الصين، ولاحقا في المجتمع الإسلامي، أو حتى قبل أكتشاف الورق، في رقائق الجلد المطوية، وهي تنشر عموديا عند قراءتها كما هو معروف. وفكرة العمل المستطيل يمكن تبنيها في الأول من الأشياء.
كما في أول الأبجدية، وفي الواحد وهو أول الأعداد، والألف والواحد يلتقيان في حساب الجمل بالقيمة ذاتها، فالأول في الحروف هو الواحد في الأعداد.. فالأعداد من اسرار الأقوال. إن الألف بإمتداده عموديا للأعلى فكأنه يشرف على الأبجدية بقامته المديدة، وهي تمارس حيواتها في ثمان وعشرين حالة مختلفة من الامتداد إلى الامتشاق واللي والطي والبسط. وذات الأمر مع الواحد، فكأنه يذكرنا بالافتراع العجائبي لقامة (الرجل الأول) آدم، الذي كانت الملائكة تشكو من زفيره في السماء، فقد كان مفرطا في الطول، وحتى بعد إستجابة الله كما تقول الإسطورة لإلحاح الملائكة بتقصير قامته لتنقطع حرارة زفيره عنهم، فكان عندما قصد مكة في رحلة عجيبة بدأها من الهند، فأن في كل خطوة تغرزها قدمه في الأرض كانت تنشأ قرية أو تتكون مفازة.

وتأكيدا لفكرة إمتداد الأول من الأشياء عموديا، أرى أن القلم يعزز االفكرة ويدفع بها في الاتجاه ذاته. ففي الحديث (أن أول ما خلق الله القلم، فقال له أكتب فجري في تلك الساعة بما هو كائن إلى الأبد). والقلم إنسان، كما في كتب تعبير الرؤيا. وهنا يلتقي مع آدم في ذات الفكرة وذات النزوع الأسطوري، فآدم يدوّن بما يتخلف من آثار أقدامه أولى المدنيات من القرى والمفازات، والقلم يسعى لتدوين آدم ذاته ومآثره وما هو كائن إلى الأبد في رحلة غامضة تضرب في الغيب. ولكي يبدو القلم إنسانا أكثر من كونه محض تشبيه، فالمعبرون أمعنوا في أنسنته حتى صار (ذكرا والمداد نطفته وما يكتب به منكوحه)، وهذا النص كما يبدو واضحا يشير إلى فكرة الإمتداد والخلق والأستمرار. فالقلم يحفظ كل ما تقذف به الذاكرة إلى مهاوي النسيان والأهمال. وفي نص آخر ( سكة والأصابع ثيرانها ومداده البذور)، والبذور مما يحفظ النوع وهي توازي النطفة في عملها، أي إن القلم حتى إذا خرج من تشبيهه الكامل بالإنسان من زوايا متعددة، فأنه سيقع في ذات المساحة من الخلق بإمتداداته المختلفة، الإنسانية والنباتية، حتى الجمادات منها، فالسكة (المحراث) وعملها في تقليب الأرض لتجعلها حاضنة صالحة للبذور، وهي كما أرى إظهار للمضمر (الجوهري) أي تدوين للمخبوء من ذاكرة الأرض، كالآثاري الذي يمسك فرشاته ليزيح بحذر بالغ الأتربة والعوالق عن لقية تؤرخ للمكان وتفترع غموضه.
وإذا سلمنا أن الأشياء إنما تصنع وتبتدع على مثال موجود، كالكرةعلى مثال الثمرة والدائرة على مثال القرص (القمر أو الشمس). فأنني أجد أن الإنسان هو أصل الاستطالة والمستطيل، ومن هنا جاءت فكرة الأول عمودية غالبا، أي على مثال الإنسان، كالمسلة الأولى، والصحائف والأقلام الأولى وأول الأبجدية وأول الأعداد، وكلها تتعين في سعاية واحدة.. والجسد الإنساني عملا فنيا معجزا خالصا ليس بمحض تكوينه الفيسيولوجي التشريحي، وحسب، بل بما يخفيه ويضمره، فقد يكون ظاهره تدوينا جسمانيا لباطنه، وإن قامته لتخفي تبصيمات جمة غرست عليه، وميثيولوجيا، كان الإنسان مرحلة لاحقة من الخلق، فكان محض طينملقى في الطريق بإهمال، فكان يركله المارة من سكان العالم العلوي بأرجلهم ويدخلون في تجاويفه وتلاويحه لإستبطان ماهيته خشية أن يستحوذ هذا الصلصال البليد على مالهم من مكانة.
وفي إحدى قصص الخلق الرافدينية القديمة، إن الآلهة حين أتمّت خلقه من الطين ألقي به باهمال، فكانت مكابداته كبيرة حتى إذا لحسه كلب ذات يوم، قامت الآلهة من فورها إليه وعجنته ثانية قالبة ظاهره الذي صار نجسا وقذرا بباطنه الذي لم يزل نظيفا وطريا. لذا فالألم الإنساني إسطوريا وفعليا كان يقف كله وراء إقتراح هيئة وشكل آخر للإنسان يكون في وسعه إحتمال قدر أكبر من الألم، فكانت فكرة مّد الأعضاء وتطويلها في الحضارات القديمة (الطوطمية خصوصا) والتي ما زال بعضها قائما للآن بعد أن تخلى عن شرط وجوده الأصلي (إعادة توزيع الألم على مساحة جسمانية أوسع) إلى ميراث فولوكلوري. ثم أنسحبت العملية بكاملها على الفن الحديث خلال القرن الأخير، بعد توفر مفاتيح هذه الجنات المتوحشة. فصار كثير من هذه المفردات شائعة ومتداولة بين فناني القرن العشرين، كالإستطالات في الشخوص التي إشتغل عليها طويلا الفنان الأسباني آل جريكو وجياكوميتي في أعماله ومنحوتاته المختلفة.
وفي حالة العمل الفني الذي يأخذ إستطالته من الهيئة الإنسانية كمثال، فأجد إن الإشارة إلى مشروع شاغال الكبير (شبابيك القدس) والذي بدأت أفكاره الأولى تنضج في نهاية الخمسينات ونماذجه الأولى تظهر في بداية الستينات وحتى السبعينات، مشروعا فنيا متكاملا، ترك تأثيراته الكبيرة على مشاريع لفنانين كثيرين في طريقة إنشائه وإخراجه ومعالجة سطوحه والقيمة اللونية التي كان يحفل بها. ورغم أن مشروعه لاهوتيا في جوهره، ولكنه كان تدوينا مدهشا لحيوات جمّة من الأسفل إلى الأعلى وبالعكس، كائنات إسطورية تستطيل بملامح لا يقتنصها الغياب ولا تدخل في البياض حتى تؤكد حضورها عميقا.
المناخ اللوني الواحد الذي يغمر مساحة العمل، يؤكد طابعا طقوسيا وإسطوريا عميقا وفي أحيان يتقاطع مع الدافع اللاهوتي. وبالطبع كان هذا جزءا أساسيا من رهان شاغال، ولعل إستخدامه للشبابيك الكنسية الزجاجية بما تزخر به من تعريقات الرصاص لشّد أجزائها ببعضها البعض كان وراء أمرين أساسين توفر عليها العمل بغنى كاف، الإشراق اللوني الذي يزداد بمبلغ إزدياد الضوء المنعكس على العمل من الخارج، والعفوية الكبيرة الظاهرة في العمل نتيجة عزل المساحات بوحدات لونية من ذات العائلة.
إني في الحقيقة أشير في حالة شاغال إلى مشروع متكامل، لا إلى بضعة أعمال عمودية تحفل بها مسيرة فنان، وذات الأمر يجعلنا نصف تجربة الفنان الهولندي (APPEL) مع الأعمال العمودية حتى ما بعد منتصف الخمسينات بأنها تتأكد في مساحة المشروع وتتعيّن بحثيا في منطقته.

بدأت الفكرة تتبلور بعد آخر معارض كوبرا (1951) وتشظيها إلى عواصم ومراكز أوربية عدة وإنسحاب بعض رموزها إلى باريس خصوصا، كألشينسكي وجورن وكورنيه وأبل ذاته، ثم أنضم أليهم لاحقا لوشبرت ودورتمونت.
أستخدم أبل في أعماله كثافة صبغية كبيرة من ذات المجموعة اللونية التي أعتاد الأشتغال عليها إلى ما بعد منتصف السبعينات، وخصوصا في أعماله الطباعية التي أنجزها في لاهاي(الأصفر الهندي، والأحمر، والأزرق) ثم الإستفادة من الطلاء الأصلي للسطح (الأبيض) ومن ثم خطوطا سوداء تخرج من أنبوب اللون مباشرة ليموضع بها كتلة ويحركها على إمتداد عمله، وهو غالبا طيور أو كائنات من المتخيل البدائي، تدخل العمل من أحد طفيه في حركة نافرة، وكأنها كانت معلقة من أجنحتها إلى حائط منذ أزل بعيد.
وهناك تجربة أخرى أجد أن الإشارة أليها تعزيز ورفد لما أذهب إليه، ولكي لا يبدو الحديث عن الظاهرة كالحديث عن مجموعة جزر منعزلة، إنها تجربة الفنان الأمريكي (Rausehenberg) في ثلاث مجموعات عمودية مختلفة. المجموعة الأولى (Night Blooming Seersi) التي أنجزها في عام 1951 باللونين المحايدين (الأبيض والأسود) وبتقنية السطح التصويري المستوي دون عمق منظوري، وهي تذكرنا بخطوط (Klein) وسطوحه ومعالجاته بعد منتصف الأربعينات والتي أفضت إلى المنطقة التي أشتغل عليها لاحقا (Dekoning) الفنان الأمريكي ذو الأصل الهولندي خلال فترة الستينات، وتحديدا بعد وفاة (Klein) المفاجئة.
أما المجموعة العمودية الثانية فلقد نفذها في عام 1952 بمواد مختلفة على الورق، وفيها أستخدم للمرة الأولى قصاصات لجرائد عربية كتقنية تلصيقية، وكرر العملية ذاتها في جمهرة أخرى من الأعمال تعود إلى الفترة نفسها، وفي هذه المجموعة من الأعمال برزت جليا ملامح تجربته اللاحقة، والتي أشتغل فيها على السطوح الثابتة بتقنية السطح التجميعي وطمس التضريس بالصبغ المخفف حتى يقطر لتتأكد عفوية معالجاته، وأيضا مدى دقتها، والتي تشكل المجموعة الثالثة من الأعمال العمودية.
ومن الفنانين العراقيين والعرب ممن لهم محاولاتهم في التدوين العمودي، الفنان فيصل لعيبي في مجموعة أعماله التي أنجزها في عام 1992 والتي عرضها لاحقا (2000) في غالري الكوفة في معرض مشترك مع الفنانين (صلاح جياد ونعمان هادي)، وكان قياس أعماله 30×180 سم. وأعمال الفنان حقي جاسم المقيم في السويد وتجاربه الغرافيكية (طباعة مرتفعة) على وجه الخصوص، وفيها تظهر حرفيته العالية.
وللفنان قرني مجموعة جميلة من الأعمال العمودية التي أنجزها في النصف الأول من العقد المنصرم، وهي كما الشأن دائما مع قرني، متقشفة في اللون والخط.. تؤسس حضورها في معالجاته المدهشة للفراغ، فالفراغ كتلة، بل كتلة ثقيلة.
وللفنان قاسم الساعدي تجاربه في هذا المجال، وتخصيصا عملاً أنجزه عام 1997 بحجم 50 سم×3 م على ورق حائط بمواد مختلفة، ضمنّه المستوى الإشاري (العلاماتي) الذي عكف منذ سنوات على الاشتغال عليه، وكأنها أشكال تركض في بياض الأبجدية. ولكاتب هذه السطور تجربته في مجال العمل العمودي.. ففي السنوات المنصرمة كان مشروعي هو (الكتاب المطوي العمودي) و (الكتاب التوريقي الأفقي)، نفذته بمواد مختلفة على الورق، وأحيانا على الخشب، وعرضت هذه الأعمال في حزيران وسبتمبر 2000 في معرضين مختلفين.
في عملي لا أحاول المصالحة مع ما أتلقنه أكاديميا، بل يدي ترى ما تريد وتقودني إليه، أي إنني أبدأ من الخطأ وأمعن فيه.. فالصواب ذاته خطأ من الأخطاء، فاليد تفكر أيضا.. تضع خطوطها وتقود حيواتها بنفسها. وأجد أن علاقتي بالمخطوط منذ زمن بعيد (المخطوط الذي يشتمل على البعد التصويري الإشاري) ككتب الأقلام الروحانية، المباهج والمناهج للبسطامي تمثيلا، والذي أتممت تحقيقه، ونتائج تدوين العلامات الشرقية القديمة في منشورات الآثاريين، واقترابي الحميم من اهم رموز كوبرا (أبرز تجمع فني عالمي بعد الحرب العالمية الثانية، تأسست عام 1948) هو المكوّن لعملي وأفقه.

وعربيا سأتناول مشروعين منفصلين من المغرب والجزائر للقاسمي وبن بيلا.. أما القاسمي فكان مشروعه خلخلة لمفاهيم العرض المعروفة، وهي حسب الفنان ذاته، مغامرة.. ليس في العرض وحسب، بل في التغيير الذي طرأ على بعض العلامات التشكيلية، ففي عام 1985 وعلى شاطئ المحيط الأطلسي (حرحورة) غرز القاسمي أعلاما مرسومة، وهو في محاولته هذه، أو مغامرته حاول تأسيس علاقة ببعد أخر مع الجمهور، فلقد أدخل أفق البحر والرمل والسماء، وكلها خطوط أفقية، فضلا عن دلالة الأعلام التي تشكل نداءً خاصاً، ولكن لها شكل عمودي، ثم أشتغل بمواد سائلة سمحت للأعلام بأن تغيّر رسومها باستمرار، فما تراه الآن لم يعد بوسعك رؤيته بعد حين، إذ سيتحول إلى مشهد مخالف، وهذا الأمر يحدث طوال اليوم.
أما محجوب بن بيلا فقد بدأ مشروعه في الستينات بعرض تنويعات على تجريد مؤسس على الحركية والبحث عن إدلالٍ غير شكلاني، بإنتاج أبجديات مبتكرة والأعتماد على الإطار العلاماتي -العلامة الفارغة- الذي يستمد قيمته من صدمته الخطية والتشكيلية ورفضه لكل فهم جامد. أما مشروعه العمودي فأنجزه عام 1986 بعنوان (الوجه الآخر للشمال الفرنسي) وهو إفريز طٌرقي بين باريس-روبيه، بطول إثنا عشر كيلو مترا مرسومة (32000 م2) وذات الأمر يمكن أن ينسحب على بن بيلا في طريقة إختيار المكان وشكل العرض. فسبق له تنفيذ أعمال بأحجام كبيرة وخارج إطار التقديم التقليدي للعمل الفني، فلقد أنجز جدارية ضخمة (700 م2) في أوشيل، وسيارة مسيدس مرسومة (4×4 م2) لسباق باريس/دكار للسيارات.
إن هذا البحث ليس سوى محاولة آمل أن يكون بمقدوري الرجوع أليها وتطويرها وتغليظ خطوطها وتعميق مساراتها باتجاه الكشف عن رواصد الشروع بالعمل الفني ونزوع الفنان لأختيار سطوحه وحجومه التي يعمل عليها. فلطالما تردد إن العمل يفرض شرطه، وبالتالي يعرض حجمه، وهذا يعني إن الفنان يهب نفسه للبياض.. أن يدخل الغيب بيدين مفتوحتين على الأبد، أي تكون الفكرة مشروعا قبليا وتنفيذها ستكون عملية لاحقة، (الشكل يقترح الفكرة).. وهذا يحدث بأستمرار.
فمشروع شاغال تمثيلا لا حصرا، الشكل فيه هو الذي إقترح معالجاته وأبنيته وإنشاءه، ومن ثم إخراجه للعمل. فالشكل العمودي للشبابيك الكنسية كان وراء تدوين ذاكرته، وجسده عموديا، كما وفر له أن يبرهن أجساد شخوصه كاملة بكل عذاباتهم وكل الآثار التي خلفها القهر والعزلة. وفي مشروع آخر ككتاب الساعدي، نجد أن الفكرة هي التي أقترحت الشكل، فالطابع المخطوطي والنسق العلاماتي الذي أشتغله بطريقة مثلثات الغزالي الطيعية، أو أقلام البسطامي، أو قصائد من الشعر العمودي، دافعا لأن يتنامى العمل من الأعلى إلى الأسفل.
وتاريخيا أشرت إلى فكرة العمود ونشوئها أسطوريا، ومثالها الذي إستمد منه الفنان أحجامه وقياساته، وخلصت إلى أن الإنسان ذاته ليس مثال العمل العمودي وحسب، بل وإن أشياء وأشكال أستمدت عموديتها منه، وتضريساتها مما أختزنه الجسد الإنساني من مكابدات وآلام.

 

 

2



2-
العمل الأفقي (العرضي)


لا بد من أننا سنلاحظ ثمة تقاربا واضحا وعلائق مشتركة بين العرض والطول. ففي العمل العمودي (الطولي) وكما رأينا، ثمة قيامة عمودية تختبئ في التجويف الأفقي -التابوت- وكذلك الحال في النهر ومثاله الطولي ومسيرته الغامضة نحو زواله بزوال عموديته، والمسلات الشاخصة طوليا والكتب التي تُنشَرُ عموديا.
ما أريد تسميته بتداخل نسيجي بين المستويين العمودي والأفقي شئ لا غنى عنه في تأكيد الحالة الفنية في الأمثلة السابقة.
فالجسد الذي يأخذ أفقيته من شكل التابوت الذي وُضعَ فيه وزوال أفقيته لاحقا في قيامةٍ منتظرة هو أنتقال من حالة التوازي إلى حالة التقاطع. وهنا نرى أن ثبوت الأفق وبالمقابل تحوّل العمود (الطول) إلى حالةٍ جديدة،
وفي مثال النهر نجد أن الجسر هو الأفق الذي يقطّع عموديته إلى حالات متنوعة، وسيكون التدوين العرضي هو الأفق الذي يقطع عمودية المسلة أو الكتاب المنشور.

ومن هنا نجد أن أشياء أخرى غير الإستطالة هي التي تدفع التقارب بينهما وتجعله جزءاً من الحالة ونسيجها. وتأسيسا على العملية التي كانت وراء نشوء إولى المفازات والقرى (ميثولوجياً) بالخطى الواسعة والعميقة التي خلفتها أقدام الرجل الأول (آدم) فإن ذات الرجل كان وراء نشوء حالات متنوعة من التقاطعات الطولية والعرضية حين يتمدد طلبا للنوم. فالنوم في هذه الحالة ليس زوالا لعموديته وإعلانا لأفقيته وحسب. بل تعطيلا للحالة ونسيانا لشراساتها، فالعمود هو الحركة، أي الانتقال . فالمشي يكون من هذه الحالة وما ينشأ من الحركة فهو متحرك، ومن هنا نجد أن الحياة تدب في المفازات والقرى لنشوئها من حالة الحركة والتحول (المشي).

والأفق هو السكون (أو هكذا يكون) كما هو الحال في مثال التابوت، وما نشأ عنه فهو تابع لسكونيته لثباته عليها. وفي اللسان الأفق ما ظهر من نواحي الفلك وأطراف الأرض وآفاق السماء ونواحيها، ورجلٌ أفقيّ، المنسوب إلى الآفاق.

ولا ريب أنني أتعامل مع (أفق) بمدلوله الحديث وأجعله موازياً للعرض، فالعرض هو ما يظهر من نواحي الأرض بعد أن يتقاصر الطول، وفي الحقيقة هو تأكيد على إشتمال العرض على الطول ضمنا. وفي النص القرآني (وجنة عرضها السموات والأرض) أو (وجنة عرضها كعرض السماء والأرض)، ولقد تساءل أحدهم عن طولها إن كان هذا عرضها، فكان إشتمال العرض على الطول، هو ما جعل الإعرابي المنسوب ذاته إلى الأفق- العرض، يقنع بالإجابة- فليس الإعرابي أن يرضى بما يرى بل بما يريد أن يرى.

والعروض هو الطريق بين الجبال.. أي الشاق المسلك، كذلك الجمل الذي لم يروّض، أو فحوى ومحتوى الكلام. وهذا يقود إلى أصل كلمة عروض الذي أراد بها الفراهيدي أوزان الشعر العربي، فالشعر وأوزانه وعروضه وضروبه نشأ في الصحراء دون الحاضرة، وما أراده الفراهيدي هو إعادة ترويض هذا الكائن الأفقي وتقعيده بمجموعة بحورٍ وأوزان ليسلس قياده من الجميع.

ومع ذلك لم يسلس الشعر قياده إلا إلى قلةٍ من الشعراء وهؤلاء هم الفحول، والفحل ذاته من كنى الإبل، أي صحراوية أفقية. وبعيدا عن القاموس وإحالاته ومولداته أشير إلى ظاهرة التدوين الأفقي في الجداريات الضخمة التي عرفتها الحضارات الأولى والتي تشتمل عرضا لمصائر ملوكها وقوادها وكهنتها وما مرّت به من أحداث وتدوينات لمشاهد من حيواتهم اليومية، كالصيد وتقديم الهدايا.
وأجد أن التدوين التشخيصي كان أفقيا بشكل يكاد يكون دائما، عكس التدوين التوثيقي (الكتابي) فكان يتخذ هيأة عمودية. فالعين تتابع ما أمامها من جهات وتختزن ما يحدث وهوغالبا أشياء تمارس حضوراتها وحيواتها على الأرض وفي امتداد عرضي، فالصيد مثلا مطاردة في العرض، ومن هنا يستعرض الصياد فرائسه أو يستعرض القائد جنوده والملك رعيته. ومشاهد الصيد في الجداريات الآشورية تأخذ بالألباب بمتانة خطوطها وجمال استعراضها لجميع محفوراتها، فالطريدة ليست أقل مهابة وحضورا من الملك ذاته، وهناك محفورات وأختام سومرية وكلها أفقية تفيد تقديم الهدايا أو مشاهد يومية وأحيانا لاهوتية رمزية.
وانسحبت الجداريات الأولى بحجومها ودلالاتها على النصب الحديثة، كالجداريات التي نُفذت في المكسيك وتشيلي في أمريكا الجنوبية، وجورنيكا بيكاسو ونصب الحرية لجواد سليم. وقد تكون الأعمال الأفقية الصينية واليابانية سلفا واضحا للأعمال الأفقية في القرن العشرين بعد شيوع نسخٍ من المحفورات الخشبية اليابانية في أوروبا وتأثيرها العميق في مسيرة مجموعة كبيرة من الانطباعيين وخصوصا في فرنسا أواخر القرن التاسع عشر. ومعروف أن الكتابة الصينية واليابانية غادرت عموديتها بأتجاه التدوين الأفقي.

وبعد منتصف الأربعينات تحول العمل الأفقي من تجارب معدودة إلى ظاهرة ملموسة عند بعض فناني تجمع نيويورك، كبولوك ومجموعة من أعماله التي تنتمي إلى ما يعرف بالفن الحركي ذات الإمتدادات العرضية والتي أستمر في تنفيذها حتى عام 1956 وهو العام الذي توفي فيه.
وفي تجمع كوبرا كان تبني الحجوم غير المألوفة تعزيزا لطرحهم الصدامي مع القيم الفنية السابقة، ونجد في هذا الصدد مجموعة أعمال لكارل أبل (APPEL) أنجزها قبل عام 1948 (وهو العام الذي شهد ولادة كوبرا) واستمر بإنجازه لهذه الحجوم بأمتداداتها الضخمة. ولكورني (CORNELLE) مجموعة طباعية على الحجر وطباعة مرتفعة على الخشب واللينوليوم أنجزها في مدد مختلفة ابتداءً من بداية الخمسينات، ولكن تبقى تجارب الفنان الدانماركي (ASGER JORN) والبلجيكي (REINHOUD) هي الأكثر حضورا.

ففي حالة (JORN) فقد نفذ أعماله العرضية بتقنيات مختلفة وطرق عديدة. من التقنية التقليدية بالصباغ العادي إلى تجارب سيراميكية مدهشة ونسيج صوفي، وكان لأعماله هذه صدى واسع، وعرضت في طائفة من المتاحف أشاد الفنان الفرنسي المعروف (ديبوفيه ) بمتانتها وإمتداداتها المدهشة، ولقد أوحت له بعد منتصف الخمسينات مجموعة أعمال عرضية جميلة نفذ بعضها بذات طريقة Jorn (النسيج الصوفي).
وأما رين هاوت (REIN HOUT) الفنان البلجيكي فلقد نفذ أعمالا أفقية مهمة وذائعة بطريقة الكلائش المعدنية والأبرة الحافة.. تمتد أحيانا لعشرات الأمتار كما في عمله المعروض في غاليري (VAN DER VET) بلاهاي 1م×8م وعملا آخر بمساحة 1م×60 م.

أما في المحترف الأمريكي فكان العمل الأفقي جزءاً من السلوك العام الذي كان يبحث عن الاختلاف والخصوصية ليؤكد وجوده بمعزل عن التأثيرات الأوربية التي كان وفودها قد تواتر على أمريكا في أثناء الحرب العالمية الأولى وما بين الحربين وخلال الحرب العالمية الثانية، ثم تركز بعد أن تحولت مجموعة من المدن وخصوصا نيويورك إلى بدائل عن العواصم الفنية التقليدية في أوروبا، كباريس وبرلين، مع وجود الاستقرار السياسي والاقتصادي ومجموعة من الوسطاء الفنيين المرموقين ومقتني الأعمال والمؤسسات الثرية.
لذا شهدت قاعات الفن في أمريكا صرعات تجديدية كبيرة في معالجة السطوح وإستعمال المواد المختلفة بتقنيات متنوعة كالرسم والطباعة على سطح واحد، وما يعرف بالعمل التشكيلي التجميعي وهو يشتمل على المعالجات التقليدية بالصباغ ومواد مختلفة.. كالبوق مثلا في أحد أعمال راوشينبرغ في إنشاء واحد للعمل. وضمن هذا السياق نستطيع أن نفهم مجموعة من الأعمال الأفقية كعمل راوشنبيرغ المعروف (أثر الدولاب) وهوعمل طباعي يمتد إلى أكثر من ستة أمتار أما عرضه فدون الثلاثين سنتمتراً وتم تنفيذه بتمرير (دولاب) عجلة سيارة بعد دهنها بأحبار طباعية على الورق.

إن العمل الأفقي هو كالرجل الأفقي... ينبذ المركز ويراهن على الطرف القصي، ينبذ المدينة لأنها تقوده بعيداً عن صحرائه.. فالأفق يحقق حضوره كلما أشتدت عزلته، وهو في وحدته هذه يدوّن الحياة كما يسعى إليها ويريدها لا كما يراها.

 

 
 

 

 
 

الصفحة الرئيسية