|
أنت الملاك الذي أخفى جناحيه تحت عباءة
رغباته، وانطلق في الأرض شيطاناً مبتدئاً.
تمشي في حقل التجربة، وفي عينيك براءة
طفل، وفوق جبينك سحابة عشق.
أصابعك عشر خطايا، وعلى لسانك عشر وصايا،
وبفيض مائك تغتسل البغايا.
أنت الذي نزل من رحم امرأة الى جحيم نفسه،
وغادر الطفولة على صهوة الشهوة الى ارض
الرجولة المسوّرة بأذرع نساء بيضاوات
كالحليب.
في حضن المحرّم سريرك، وموسيقاك المفضلة
شهقات العاشقات الباكيات لذة وعشقاً.
لا تخلع جلدك إلا في العتمة كي لا ترى في
عيون نسائك جناحيك الصامتين.
ولئلا تتفوه بالكلمات التي تميط عن سرك لا
تفتح فمك الا لالتقاط الشرارة/ الحلم
المتوهجة في ليل الشبق كطفل جائع مغمض
العينين يترك لشفتيه ان تقوداه الى حيث
النعمة.
أغرتك ملذّات الأرض فخلعت بياض اطمئنانك
وارتديت القلق الأسود وتسللت هارباً من
سماء القناعة.
وكنت تعلم ان إلهك لن يتدخل، ولن يحاول
ردعك عن مواجهة التجارب التي تنتظرك ولا
قوة لك عليها، فوثقت بأن حرية اختيارك لن
تمس.
تظاهرت بالهرب مع علمك ان لا شيء يخفى على
سيدك، وتظاهرت بأنك إنسان مع علمك ان لا
انسان يشبهك.
كنت ملاكاً مبتدئاً وصغيراً وبقيت مبتدئاً
وصغيراً حين أردت ان تصير شيطاناً،
فجناحاك اوسع من جلد انسان، والنور الساطع
من عينيك اقوى من ان تحجبه نظاراتك
الشمسية الحديثة.
ايها المقلّد الفاشل، داعبت يداك أجساد
النساء الدافئة الرطبة لكن كلمات العشق
وألفاظ الشهوة بقيت مهموسة خافتة خجولة
كأنك لا تريد لأحد سواك ان يسمعها.داعب
لسانك آذان النساء المحترقات بجحيم الرغبة
لكن الكلمات وقعت عنه حين حاولت ان تعد
بما تثق بأنك لن تفي به.
لقد عرفت دائماً ما هي الكلمة وماذا يعني
ان تتفوه بها.
جرّبت الجسد والحسد والغرور والجشع
والأنانية والكذب والقسوة وفشلت، وكان
جسمك يصاب بالتعب بعد كل امتحان وكانت
روحك تغرق في حزن غريب كأن مغامراتك
الجريئة امتصت طاقتك وتركتك فارغاً الا من
التوق.
وكم وجدت لنفسك الاعذار التي تسمح لك بخوض
تجربة بعد اخرى بعد اخرى، وكم حاولت في
المقابل خلع جلدك لتفرد جناحيك في رياح
العودة الى سماء سلامك، لكنك كنت مكابراً
ومصراً على اكتشاف كل ما يعرفه الانسان،
كل ما جرّبه الانسان، كل ما هو عليه ذلك
الانسان الذي فعل سيّدك من أجله كل هذا
الذي فعله.
انت الملاك الذي يرى ويسمع غير انك الآن
تريد ان ترى وتسمع بأصابعك وجلدك، وان
تكتشف قدرة حواسك الاخرى على استعذاب كل
ما يحيط بها: ان يتذوق لسانك كل اصناف
الطعام والشراب، وان يتنشق انفك كل انواع
العطور الذائبة في مسام الاجساد، وان تسمع
اذناك تنهدات الوله، وان تجلس مع كل اصناف
البشر، وان تستحم بالمياه الباردة وان
تغتسل بالمياه الدافئة، وان تتصبب عرقاً،
وان تداعبك ايدي النساء والرجال، وان
تخترق الشهوات مسامك، وان تتفجّر عواطفك
صراخاً وماء ودموعاً، وان يجرح الحصى
قدميك، وان تمزق الآلام امعاءك، وان تتعب
حتى النوم، وان تنام حتى الحلم، وان تحترق
بالشوق وان تبترد باللقاء.
اردت ان تصير انساناً بلا جناحين ابيضين،
غير انك في كل ما فعلت كان الناس يسألونك:
من أنت؟ ومن أين أتيت؟
غريب أنت ايها الملاك الشيطان، غريب
وخائف.
غريب غربة الرجل الأول على سطح القمر.
وخائف خوف اول انسان نزل الى الجحيم.
ومع ذلك قرّرت ان تتخلى عن جناحيك
الكبيرين القويين الابيضين. قررت أن تصير
انساناً مكتمل الانسانية، وان تحسم أمرك
وتتخلص من ملائكيتك المعلّقة على كتفيك
لتعيش على الارض كباقي ناس الارض وان تعرف
الضعف والممنوع والارق والوجع والجوع
والشوق والحرمان. وعبثاً حاول الملائكة،
رؤساء وعناصر، كباراً وصغاراً، أن يثنوك
عن عزمك. كنت مصمماً على الغرق حتى النخاع
المنساب في عظامك في تجارب سمعت بها ولم
تختبرها.
لكنك فجأة، وفي قمة هيجان جسمك واشتعال
روحك، وقعت في الحب الذي يختصر الحياة كما
لم تعرفها بعد. احببت الحب الذي عرفت
سكينته يوم كنت ملاكاً، وأحببت الحب الذي
عرفت توهجه يوم صرت إنسانا. ولحظة فهمت
انك سيد الهوى وأسيره، وأنك تحب بروحك
وبجسدك، وانك تخلي ذاتك لتمتلئ بالآخر،
وان جناحين جديدين قويين أبيضين يعودان
ليرفرفان فوق كتفيك، خفت خوفاً عظيماً
ورفضت الاستسلام لحب اعتبرته هزيمة،
ولعطاء اعتبرته تراجعاً، فهربت وهمت بين
السماء والأرض ملاكاً جباناً تشفق عليه
الملائكة وشيطاناً فاشلاً تسخر منه
الشياطين. |