|
"... حين يكون الأشخاص صغارا تكون أحلامهم
كبيرة وكلما تقدموا في السن كلما صغرت
أحلامهم..كم هي معادلة حزينة لأننا لا
ندركها إلا حين نكبر ونرى أحلامنا تتقلص.
لو فقط ندركها ونحن صغار لوفرنا على
أنفسنا كل هذه المرارة "..كانت "أصيلة"
تحدث كوب شايها. اكتشفت مؤخرا أن أكواب
الشاي مستمعة جيدة أفضل من البشر. البشر
يقاطعونك. أوإن لم يفعلوا فستذهب أفكارهم
بعيدا ولن يكونوا معك. ستبدو وكأنك تحدث
نفسك على أية حال. أو ربما تدور بأذهانهم
أفكار عنك وأنت تتحدث....مثل " اوفففف كم
هو ممل".......أو " لون شعره باهت..بشرته
تبدو متعبة...لا يبدو متألقا....لا أود أن
يراني احد مع شخص باهت كهذا " أو ربما شئ
كهذا " يبدو متألقا لا بد أنني أبدو باهتا
بالمقارنة معه، لا أود أن يراني احد فيدرك
الفرق بيننا" البشر دوما، حين تحدثهم عنك،
ينشغلون بكل الآخرين إلا بك ...أفكار
كثيرة قد تدور في ذهن من تحدثه..لن تصب
معظمها في مصلحتك. فلم العناء وتضييع
الوقت. أكواب الشاي تستمع أفضل. إنها معك.
بين يديك. بملعقة صغيره تستطيع تحريكها
باستمرار. تستطيع أن تراها تتفاعل معك .
كلما تحركت تهتز..يختلط سكرها باوارق
الشاي فتصبح أحلى..فكأنها تعلق على ما قلت
بابتسامه ...وكلما حركتها أكثر وتركت
أوراق الشاي تختمر فيها أكثر كلما صار
لونها أغمق فتدرك أنها انغمست معك فيما
تقول واكفهرت ملامحها إدراكا لمعنى كلامك
وإحساسا به. إن الشاي معك...تماما..قلبا
وقالبا..وحين ترشفه وهو ساخنا يحفزك على
الكلام أ كثر..انه يشجعك ان تستمر. وحين
يصبح فاترا..تحس وأنت ترشفه بأن يدا حانية
تضغط على يدك بثقة. وحين يصبح باردا يبدو
وكأنه قد عرف كل الحكاية وبأنه يطمئنك أن
كل شئ سيكون على ما يرام..فتستريح. الشاي
صديق وافر. فلم الحيرة.
يرن هاتف" أصيلة" النقال..إنها "عبير"
وأصيلة تدرك أن عبير تتصل فقط حين لا يكون
أمامها شئ آخر تفعله. حين تكون حياتها
أمام عينيها صفحة بيضاء تماما. فنقطة في
الصفحة أفضل من لا شئ. لذلك تتصل.
وأصيلة...تدرك ذلك وفي كل مرة ترد لأنها
تعرف أن حياتها أيضا مجرد صفحة
بيضاء..وعبير نقطة في الصفحة
البيضاء..وهذا كان دوما أفضل من لا شئ..
لكنها الآن ..الآن..وهي منغمسة في حوارها
الحميم مع أوراق الشاي ..وهي توشك أن تذوب
معها..مثل قطعة سكر..لا تشعر برغبة في
الرد. الآن ..في هذه اللحظة بالذات تبدو
حياتها فصل مثير في رواية قيمه. في هذه
اللحظة تبدو حياتها ثرية مليئة بالحقيقة.
فلون الشاي قد صار أغمق وموسيقى "الحب
الخفي" تعم أرجاء المقهى..إنها تزيل مزيدا
من القشور عن البصلة. إنها توشك أن تصل
إلى اللب. إلى الشئ الأصلي. فلون الشاي
صار أغمق. انه يتفاعل معها. إنه يعي ما
تقول..ويتفهمه.. فلم عليها أن تقطع كل هذا
لتدخل في عالم الزيف مع عبير. عبير فتاة
طيبة بالتأكيد. لكنها لا تحب إزالة قشور
البصل. عبير لا تريد ذلك. لأنه يجعلها
تبكي طويلا. وعبير تحب أن تضحك رغم كل شئ.
ليس لأن هناك مصيبة حلت بعبير أو بأصيلة
لا سمح الله. فكلتاها تعيشان بخير.ولكن
المشكلة أنهما لا تشعران بالأشياء كما
ينبغي. ربما لا تعرفان أصلا كيف ينبغي أن
تشعرا. أصيلة تحاول إزالة القشور وحين
تتعب وتفشل تدخل مع عبير في لعبة تنقيط
الورق الأبيض. وعبير دوما هناك..تنقط
الصفحات البيضاء.
موسيقى" الحب الخفي"..تحاول أن تتذكر أين
كانت أول مره استمعت لها. يبدو لون الشاي
أغمق. ترشفه. صار افتر. تشعر بيد تضغط على
يدها بثقة..تغمض عينيها.. ترى أوراق شجر
متناثر. كان خريف.وكانت ريح تحمل الورق
على طول الطريق. صوت رجالي كسير يصل
أذنها. " هذا هو سكن الطالبات..هل تنزلين
هنا؟؟" كانت موسيقى الحب الخفي تنطلق طوال
الوقت من مذياع سيارة التاكسي. عرفت اسمها
فيما بعد حين استمعت لها مصادفة في احد
محلات التسجيلات الموسيقية...من المطار
وحتى السكن الجامعي. ثلاث ساعات. لم تسأله
شئ. ولكنه كان يبكي بصمت طوال الوقت. لم
يكن يلتفت. فقط يقود بصمت وخشوع . كانت
حزينة لأجله. ولأجل كل شئ. "نعم . شكرا"
أعطته أجرته وهبطت من السيارة. نسيت أن
تترك الباقي له. ونسيت أن تسأله عن سر
بكائه. ونسيت أن تتمنى له يوما طيبا.
كانت صغيره. وتشعر بالحزن. وتظن أن
الأشياء الصغيرة لا تغير شيئا. لذلك تركت
كل ما تألفه خلفها لتكون مليئة بالأشياء
الكبيرة حين تكون كبيرة. لم تكن تعلم
حينها أن الأشياء تصغر كلما نكبر.
لم تحصل على شهادتها.توفي والدها. ولم تعد
تشعر بشئ. لم يكن يرغب أن تذهب. أصرت.
فرضخ. و حين رحل. سكن الخريف قلبها. فلم
ترغب بشئ. حين بدأت تفيق راحت تبحث عن
آفاق أخرى. ولكن لم يكن شئ ينتمي للقلب.
لونه صار أغمق . انه يعيش معها. موسيقى
الحب الخفي تدور وتدور. خمسة عشر خريفا
مرت منذ الخريف الأول الذي استمعت إليها
فيه..تحرك الملعقة..ببطء. ببطء.خمسة عشر
خريفا مرت. ..تعد..تعد..خمسة عشر
خريفا..كان أول وجه التقته. وكان وجه
حزين..بعدها اعتادت عد كل الوجوه
الحزينة..وتمتلئ الذاكرة.
شاشة الهاتف تضئ بإسم عبير. أين التقت
عبير على أية حال . تتذكر. رائحة كعكة
بالقرفة . ضحكات فتيات. أكواب شاي. سيقان
تتدلى تحت طاولة طويلة.." اشعر بأنهم
مزيفون" ترى نفسها تهمس لأخرى بجنبها..تهز
الأخرى رأسها موافقة. " ماللذي يبقينا
هنا" " لن يدعونا وشأننا. اصبري. سنستأذن
بعد قليل". ولكن لا نستأذن بعد قليل
كعادتنا حين لا نحب إزالة قشور البصل
ونستسلم للخدر. تدخل بضجة. تحيي الجميع.
تضحك مثل جرس. يهلل الحضور..تهمس للأخرى "
من تكون؟"..." يسمونها عبير..انظري كيف
يحيونها. إنها مرحه جدا. ليست مثلنا."
"تبدو لي حزينة جدا ".. في تلك الجلسة لم
اعرها اهتماما. لم تبد لي سوى قشة أخرى
..نعامة أخرى..لا تفقه شيئا في فنون الغوص
والتحليق. ربما استفزها صمتي وعدم
احتفائي بها كالآخرين. ربما استفزتها
ابتسامتي الخفية الساخرة..ربما استفزتها
صورتها المنعكسة في عيني..وربما لأجل كل
ذلك اقتربت من يومها أكثر. .تحديا.
ارشفه بموت..اعني ببطء شديد..أصبح طعمه
كطعم صديق..أتذكرها ..تلك الأخرى، كانت
صديقة..تلك التي كنت أسر لها بحكاية قشور
البصل وكل الحكايا الصغيرة الكبيرة..كانت
حقا صديقة..كانت دوما صامته عند الجميع
إلا عندي. كانت تتحدث بعمق..وتقول أشياء
مهمة..مهمة جدا. أغمض عيني وارشف رشفة
أخرى..كانت تحب الشاي..هي من علمني أن حب
الأشياء الصغيرة فن لا يتقنه إلا العظماء.
كانت صغيرة..ضئيلة الحجم..مثل قطة. ثم
أحبت أسدا..وسيما جدا وضخما جدا ..أعجبه
أن يتسلى بقطه. حاولت أن أوقظها..لكنها
كانت قد نامت..حتى الموت.
أسكن فيه. هل جربتم كيف تكون السكنى في
كوب شاي؟ إنها مثل السكنى في جوف محيط..أو
بطن حمامة..إنها مثل السكنى في أي شئ بلا
زوايا ولكنه مظلم دافئ ويعرفك..اسكن فيه.
بعض المرارة تلت الرشفة التالية. شئ مثل
طعم دمعة. وبلل أحسه على رموش عيني. لا
بد أنها تمطر..في القلب.
اسم عبير يضئ شاشة الهاتف النقال للمرة
الألف..برموش صارت صالة رقص لقطرات دمع
متراصة ترفع أصيلة عينيها إلى روزنامة
التاريخ المعلقة أمامها.. انه
الثلاثاء..موعد عرض فيلما جديدا في صالة
السينما..عبير تراه واجبا حتمي..تدخل
وتخرج كرجل آلي..كقطعة لحم ملفوفة في
قماشه سوداء.. دون أن تدرك ما كان هناك
حقا..فقط لأنها هناك..في الظلام.. تستطيع
أن تخلع كل الأقنعة ..وتبكي بحرية حتى على
الأفلام الكوميدية.
تحيطه بكفيها..كوب الشاي العميق
الأصفر..تضغط عليه..تغلق عينيها لتتعانق
قطرات الدمع الطرية..ترى كثبان
رمال..وطفلة في العاشرة..في رحلة
برية..تجري بحرية...وترتقي جبلا صغيرا
..تعلن من على قمته..متحدية أولادا
صغار..أنها حين تكبر...ستحكم العالم.
تقرب حافته من شفتيها..تجعل حوافه كل محيط
رؤيتها..الآن أصبح كل المشهد
لها..وتعرفه..تماما....مثل وطن.
لا زال اسم عبير يضئ شاشة الهاتف النقال.
ولكن أصيلة قد ذهبت بعيدا جدا. ..حين تعود
ستكون عبير قد يئست من محاولة الاتصال
ويئست... من أصيلة. |