فراديس .. ثقافة حرّة

 

 

 

09.07.2005

fradees1@hotmail.com

باب الجنة

 

الأرشيف

 

سجل الشرف

 
 

حوار مع أمين الصالح
عندما أكتب يكون القارئ غائبا تماما
النقد الذي أرفضه هو  الذي

يأتي إلي النص من خارجه

 

أجرت الحوار : إستبرق أحمد _ الكويت

 

 

 

هو الأمين  الصالح للعزلة و للغة، يهرول الآخرون للضوء و ينزوي هو لتعبد له من بعد  مسارب ضوئية لا فتة، تجربة كتابية غامرة بالشمس، في رحمها  صور متنوعة من النصوص الإبداعية مغامرة اتجاه المفردة الثائرة على الجامد / الساكن / الخامد ، هكذا كان خلقة في الرواية ،الشعر،النص المفتوح،السيناريوهات درامية غنى وافر و قادر على إنتاج تمرداته إذ " الكتابة نبع اللذة و الوجع" و "الكتابة سهم إبداعي يعبر الزمان و المكان .. و المبدع الحقيقي هو الذي يتصل بجوهر الأشياء "أمين صالح كائن يغوي للتماس معه بالأسئلة التي أترك لكم الخوض والتدبر بالإجابة :

 

* تلتفت و ترى خلف ظهر الزمن كتاب البداية "هنا الوردة..هنا نرقص" ومنجزك الروائي الأخير"رهائن الغيب" ينتصب أمامك، مابين هذه الالتفاتة و النظرة  ، ما الذي تغير  في أمين صالح على المستوى الشخصي والكتابي؟ وما الذي مازال يؤرقك على المستويين ا لسابق ذكرهما؟
 
الزمن يجعل المرء أكثر نضجاً، أكثر حكمة، أكثر قابلية للتفاوض مع الحياة بروح مرنة وهادئة ورزينة. لكنه بالمقابل يجعلنا نفتقد تلك الروح النزقة، الطفولية، المفعمة بالطيش، والمغسولة بالمجازفة.
نفتقد تلك الرغبة العارمة في تغيير العالم والتي اعتقدنا بإمكانية حدوث ذلك بمجرد أن نكتب قصيدة أو نرسم لوحة. نعم. كنا نعيش وقت البراءة حتى الثمالة، وكان لدينا كل مساء حلم نتجرعه دفعة واحدة. الآن لم نعد نحلم أحلاماً كبيرة. صرنا أكثر رصانة وأكثر عزلة. لقد خذلنا أحلامنا قبل أن تخذلنا هي.
الآن، أنظر إلى الزمن يعدو ولا أحاول اللحاق به، بل أمكث متسائلا في حيرة: لم العجلة؟ إلى أين يريد أن يذهب بي؟
عندما أتطلع إلى مرآة الروح لا اشعر أنني تغيرت كثيرا. مازلت ذلك الشخص الذي لا يعرف شيئا في الحياة غير الكتابة .. ولفرط سذاجته يظن أن الآخرين لا يزالون بحاجة إلى ما يكتب.
لكن في الداخل، عميقا، الوقت يحفر بلا هوادة في نفس هشة لا تقو على النزال.
أما على مستوى الكتابة، فأعتقد بأن حس المغامرة الذي رافق تجربتي منذ البداية، سواء في الشكل أو المحتوى، لا يزال متقداً فيّ، ولا يزال يمثل هاجساً في التوجه التعبيري، حيث تحاشي الاستقرار طويلا عند محطة تثبت فيها الأدوات و اللغة. لذلك أميل إلى ارتياد ما ينفتح أمامي من آفاق متعددة و التنقل في الفضاءات المتاحة دون المكوث داخل مجال أو نطاق واحد .. إذ أي متعة ينالها الكاتب إن ظل في الدائرة ذاتها، في الشكل ذاته؟
كتابتي، بالتأكيد، صارت أكثر نضجاً بالقياس إلى البدايات أو التجارب السابقة. صرت أكثر ثقة في التعامل مع اللغة، في التعبير عن الذات بكل ما يعتريها من هواجس ومخاوف ورؤى. لكن الذي لم يتغير هو إيماني وقناعتي بأنني من خلال الكتابة، من خلال الفن عموماً، أحاول أن أحقق ذاتي و أعطي لوجودي معنى ومغزى.
من الكتاب الأول حتى الأخير، رحلة طويلة لم تنته بعد.. وما يؤرقني حقاً – على الصعيدين الشخصي والكتابي- أن يموت الطفل القاطن فيّ أثناء الرحلة، لسبب أو لآخر.. عندئذ لن يعود للرحلة معنى، ولن يعود للكتابة أي معنى.

 

* تجربة كتابك ".ندماء المرفأ ..ندماء الريح" مفتتح تجربة مغايرة لك تلتها العديد من التجارب التي لمست تقاربها قليلا  إلا أنك_وصحح لي إن رأيت قولي خاطئا_في "موت طفيف" تخلصت من إرث تلك التجربة إلى حد ما ، فماذا تقول؟
لا يمكن القول بأنني "تخلصت" من إرث تجربة مررت بها، لأن مثل هذه التجربة ليست دخيلة، وليست مستقلة أو منفصلة، بل هي نابعة من ذات المصدر الذي طرح تجارب سابقة ولاحقة تتصل عضويا وعميقا بها ولا تنفصل عنها، سواء على مستوى اللغة أو الرؤية، مع اختلاف الشكل بالطبع. وحتى إذا تم تجاوز تلك التجربة فإنها تظل مرتبطة بغيرها على نحو وثيق ولا ينفصم. بمعنى آخر، كل كتاب يشكل قطعة من النسيج العام متجانسة مع غيرها، كتلة من البناء الكلي، حيث كل تجربة تمثل امتدادا لغيرها.
إن ما يفرض شكلاً معيناً، ولغة معينة، هي طبيعة التجربة ذاتها، و النسق العام الذي من خلاله تتحرك وتبني نفسها، وحدود الرؤية الفكرية والفلسفية، و العناصر الفنية التي يشعر الكاتب بأنها ضرورية في تكوين وتشكيل النص.. ولهذا تبدو نصوص (ندماء المرفأ)  مختلفة عن نصوص ( موت طفيف) .. أقوال مختلفة، وليست منفصلة. إن نصوص "ندماء المرفأ" تستمد كينونتها من تلك الي سبقتها، أي أن لها جذوراَ في (الطرائد) مثلاً، كذلك الأمر مع النصوص الأخيرة التي تمتد جذورها حتى (ندماء المرفأ) وما قبلها.
 


* مابين الرواية الأولى "أغنية أ.ص الأولى " عام 82 و روايتك رهائن الغيب عام 2004.. وقت شاهق المسافة  فأيهما الأقرب إليك ؟ ولم انتظرت طويلا حتى عاودت الرواية؟

من الطبيعي أن تكون الرواية الأولى بعيدة زمنياً ونفسياً. (رهائن الغيب) قريبة جداً، ليس زمنياً فحسب ولكن لأنني تناولت حالات حميمة، أكثر وجدانية. حالات تتصل بمرحلة لا تريد أن تغادر الذاكرة، وجاءت المخيلة لتؤازر الذاكرة في صياغة عالم يتأرجح بين الواقع و الخيال، بين التاريخ و الحلم. و المرء عندما يكبر يقترب أكثر من طفولته، ويشعر بحنين طاغ إلى الماضي، إلى الكائن الذي صار رهين غيب غامض. هذا البعد النوستالجي يتعمق أكثر فأكثر، ويكون أشد حضورا عندما لا يكون الحاضر أو الغد مغرياً جداً.
في الواقع، أنا لم اذهب إلى الرواية إنما هي التي جاءت إليّ.. أعني الشكل الروائي.
أحياناً، لا احد يعرف من يستدعي الآخر أولاً.. الكاتب أم الشكل أو النوع الأدبي. لا أشعر أنني انتظرت الرواية طويلاً، لسبب بسيط هو أنني لم أكن أنتظر. كانت كل تجربة، كما قلت، تفرض شكلها الخاص بها، وما كانت الرواية -  كنوع -  هاجساً ملحاً. لست من أولئك الذين يفضلون نوعاً على آخر أو يرون في نوع معين امتيازا يفوق غيره أو يسمو عليه. إن ما يهمني بدرجة أكبر، هو التأثير الذي يخلقه النص، الاستجابة التي يحققها، ومدى تحقق اتصاله بالآخر.. وليس نوعه أو قالبه.


* قلت ذات كتابة"تتعدد المفاهيم و المستويات في النظر إلى الحارة عند مختلف الكتاب و الفنانين " و بينت أن البعض يرى فيها مجازا لعالم قائم بذاته، آخر يستخدمها كموقع أود يكور ،أو يلتقط نماذج يعبر بها عن موقف معاصر كما أن البعض يعاودها لاستحضار نوستالجي" ومتن روايتك رهائن الغيب هو الحارة فعلى أي مستوى نظرت إليها؟
الحارة، في (رهائن الغيب) هي الجذر الذي منه طلع ذلك العالم. عالم الطفولة و الصبا، ومنه طلعت كل تلك الشخصيات الحقيقية و المتخيلة، ومنه طلعت تلك الأحداث و الحالات و الأجواء. الحارة هي عالم قائم بذاته لكنه يتصل جذريا بعالم البدايات، العالم الذي يشهد أول كل شيء: أول الحب، أول الجنس، أول العنف‘ أول الحس السياسي .. ألخ.الحارة هنا هي القابلة و الحاضنة. ولأن تلك الحالات ليست محلية محضة بل هي في اغلبها كونية،فإن الموقع بدوره يصير كونياً وإن بشكل مختلف .. فالأحياء في مختلف الأقطار أفرزت شخصيات وأحداثاً وحالات مماثلة.


*يرى الكثير أن ما يطبع في الذهن حول  القارئ العربي أنه قارئ كسول ،بمعنى أنه لا يبحث عن القراءة الوعرة، أنا لن أحدثك عن نخبوية كتابتك لكنني أتساءل حول مغامرتك في كشف مصائر الشخصيات في روايتك الأخيرة وبالتالي جعلته لا يبحث عن النهاية..؟
عندما أكتب يكون القارئ – أياً كان مستواه وخلفيته الثقافية- غائباً تماماً. بعد إنجاز النص أبدأ عادة في التفكير في كيفية استقبال القارئ لعملي، استجابته، تفاعله. والقارئ الذي أتخيله هو قارئ مثقف، فاعل، ايجابي، يمتلك حساً نقديا مرهفاً. و لا أتوقع أن يقرأني شخص كسول، سلبي، غير مرن.
من الطبيعي إذن أنني لا احرص على التلاعب بتوقعات القارئ أو بإثارته. عندما أكتب يعنيني بالدرجة الأولى النص ذاته و إلى أين يأخذني، ولا يهم ما إذا كانت مصائر الشخصيات مكشوفة أو غامضة. وعلاقة القارئ بالنص ينبغي أن تكون مرهونة بما يطرحه النص لا بما يتوقعه القارئ من النص.


*الأحداث من حولنا في تسارع مخيف بينما أخبرت أنك غالبا ما تكون نصوصك تبنى على خيال محض ووراء الواقع تأثرا منك بالسينما  ألا  تشعر أحيانا بضرورة الاقتراب أكثر من العالم اليوم معاصرا ،راصدا له؟
ليست هناك كتابة تقطن وراء الواقع، إذ حتى الخيال العلمي يمتد جذوره في الواقع وينبني على أسس الواقع ومنه ينطلق إلى آفاق أرحب تكون فيه المخيلة عنصراً رئيسياً.
في تعريفنا للواقع ينبغي أن ندرك بأنه ليس فقط المظهر السطحي، الظاهري، المادي، الذي نراه من حولنا.. فمثل هذا المظهر ليس غير الجانب المرئي، المدرك، المحسوس. وعدم رؤيتنا للجانب الآخر من القمر لا يعني أنه غير موجود. فهناك جانب آخر غير محسوس لكننا نعيشه، وفيه يتمثل الواقع بصورة أخرى، مثل ما ينتجه الحلم والذاكرة و المخيلة.. هذه العوالم تتمم الواقع المعاش الناقص. ولقد برهن العلم على أننا، بسبب محدودية حواسنا، لا نرى من الواقع إلا نسبة قليلة منه، والدليل أننا نستعين بأشعة إكس و الميكروسكوب و أدوات أخرى لتساعد على رؤية ما لاتراه العين المجردة في واقعنا. وعندما يأتي الفنان التجريدي ليجرد المنظور من مظاهره الخارجية، السطحية، ويظهر لنا جوانية وأعماق الشيء فإنه يكون واقعياً أكثر من الواقعي المزعوم.
إن كل كتابة، حتى لو كانت فانتازية أو سوريالية، تتصل بالضرورة بالواقع، تعبّر عنه، عن علاقاته. لكن من منظور مختلف، ومن زوايا غير مألوفة. وعندما يوظف الكاتب الرمز و المجاز و الصور الجمالية، ويعتني بلغته، فذلك لأنه يدرك جيداً بأنه يتعامل مع الواقع فنياً وليس كما يتعامل الصحفي – مثلاً- بلغته المباشرة التي لا تعتمد على المجاز بل توصيل المعلومة بلغة مباشرة من أجل تحقيق غاية معينة.


*متنوع كتابيا على مستوى النص ذاته أو مستوى التجربة، أي التجارب تجدك أكثر رغبة في مراودتها؟
لا أعرف. أشعر بحرية أكبر مع ما يسمى بالنص المفتوح، و الذي يتيح لي مجالاً أوسع لتجريب أدواتي وتوظيف مخيلتي وابتكار صور ربما لا تقيدها أعراف معينة. والقارئ بدوره يأتي مهيئاً لاستقبال ما يقدم له دون شروط أو مطالب مسبقة تفرضها عادةً تقاليد الأنواع الأدبية التي اعتاد عليها، بالتالي فإن القارئ نفسه يتمتع بحرية مماثلة في التلقي و الفهم و التأويل
إضافة إلى المشاركة الإبداعية.


*لك موقف صارم تجاه الناقد، لكن ألم تمرق أي تجرب نقدية أفادتك فعلا في وعيها وموضوعيتها، حدثنا عنها؟
بالتأكيد أنا لست ضد الكتابة النقدية، وشخصياً استفدت من النقد، ولا استطيع هنا أن أعين أية كتابة نقدية اقتربت بعمق من نصوصي، فهناك أكثر من كتابة حققت هذا الاقتراب. النقد الذي ارفضه هو الذي يأتي إلى النص  من خارجه فارضاُ تصوراته وباحثاً في النص عن ما ينسجم مع رؤيته وتصوراته‘ فإذا لم يجد استخف بالنص وحكم بفشله. مثل هذا النقد لا يأتي ليكتشف بل ليمتحن .. وهذا أسوأ أنواع النقد.
حسنا لنمضي لأسئلة .."ماذا لو.." فاتحين بها بوابات شيطان الأجوبة:


* مرت أحداث معينة على مملكة البحرين فكان الإقصاء التام للحريات و أنف الرقيب زاجا نفسه ملاحقا النوايا قابضا على الكلمة..ماذا لو منعت تماما من الغواية/الكتابة؟
إن أكثر ما يرعب الكاتب هو أن يحكم النظام المستبد بمنعه من الكتابة، إذ يعني ذلك منعه من التنفس، من الحياة. وبالنسبة لشخص لا يحسن فعل شيء آخر في الحياة فتلك عقوبة تشبه الإعدام

 


*أي المهن تجرأ على اختيارها لو لم تكن كاتبا..؟
لو لم أكن كاتباً وأتيح لي أن افعل شيئاً آخر، فأعتقد بأن الموسيقى هي الأقرب .. أن أعزف على أية آلة نفخ.

 


* ماذا لو كانت السينما ناهضة في دول الخليج هل كنت ستمضي لتخومها  كسيناريست و متخصص كتابيا بها عوضا عن اتجاهك الشعري و الروائي الحالي ؟
لا شيء يحول دون أن أجمع بين كتابة الرواية و السيناريو و المسرح.. إنها أشكال متعددة من الكتابة يحق لأي شخص أن يمارسها إن توفرت لديه الكفاءة و الرغبة. والكتابة الشعرية أو الروائية ليست بديلا عن السيناريو بحيث يمكن الاستغناء عنها ما إن تتوفر الإمكانية لكتابة السيناريو. فضلاً عن ذلك فأنا منذ الثمانينات لم أتوقف عن كتابة الدراما التلفزيونية.

 
 

 

 
 

الصفحة الرئيسية