|
كانت زخات المطر تتساقط بقوة على زجاج
النافذة، فيسمع صوتها بوضوح من داخل
المنزل الريفي الصغير، أما صفير الرياح
الباردة فكان يعبر من بين شقوق الباب
الخشبي فتشعر الجدة بقشعريرة تسري في داخل
جسدها، وبغريزة الأمومة سحبت اللحاف جيدا
لكي تغطي أجساد أحفادها خوفا عليهم من شدة
البرد...، إلا أن الأطفال لم يعيروا بالا
إلى هدف الجدة، إذ كانوا مشدودين إلى
أصوات الكلاب، التي ولدّت مع الظلام، رهبة
في نفوسهم.
وككل ليلية كان الأطفال يتمردون على النوم
ويلحون على جدتهم لكي تروي لهم أحدى
الحكايات التي تجعلهم ينسون واقعهم
ويحلمون...ثم ينامون.
جدتي..، جدتي،"بالله عليك أحكي لنا قصة"،
صرخ اكثر طفل من داخل الفراش.
لم يعد عندي جديد لأرويه لكم، نفذت كل
الحكايات، قالت الجدة في محاولة مستميتة
لإبعادهم عنها.
لا يهم، أعيدي علينا واحدة منها، أي واحدة
أجاب احدهم.
لقد أعدت روايتها للمرة الخامسة، و أصبحت
مملة لكثرة تكرارها.
شعر
الأطفال باليأس فكفوا عن الإلحاح، فران
صمت ثقيل على المنزل، ولم يعد يسمع سوى
صوت الكلاب الذي يختلط مع وقع حبات المطر
وصفي الرياح...ولكن على حين فجأة صاح
أحدهم:
جدتي، اخبرينا لماذا تعوي الكلاب في
قريتنا ولا تنبح؟!
جفلت الحاجة، كما يسمونها من هذا السؤال
الذي لم تكن تتوقعه من أحفادها الصغار،
ولكي تكسب مزيدا من الوقت، ريثما تفكر
بحيلة تخلص بها نفسها من الإجابة.
قالت: آيه...ماذا قلتم؟
رد الأطفال الثلاثة بصوت واحد:
نريد أن نعرف لماذا تعوي الكلاب في قريتنا
ولا تنبح.
اوه...، أن لذلك قصة مروعة يجب أن لا
تعرفوها...، كما انه عليكم أن تناموا
فالوقت اصبح متأخرا، نهرتهم الجدة بحزم.
وثب الأطفال من فراشهم، وقالوا جميعا: لن
ننام قبل أن تخبرينا بالقصة.
لكنها
مؤلمة، وانتم صغار لا تقدرون على سماعها
لهول أحداثها.
أنني في الصف الثالث، و أصبحت اعرف كل
شيء...حتى كيف ومن أين يأتي الأولاد،
أجابت بفخر طفلة في التاسعة من عمرها، أما
شقيقها الذي يكبرها بنحو عامين، فقال
بلهجة الواثق من نفسه:
وأنا أعرف لماذا اشترى والدي بندقية، ولا
يخرج إلى العمل ألا وهي معلقة على كتفه،
أما الصغيرة التي دخلت هذا العام المدرسة
فقالت: وأنا اعرف حقا لماذا هزم العرب عام
1967و1948، ولا يوجد أكثر إزعاجا و ألما
من أسبابها.
مادام
الأمر هكذا فسأروي لكم لماذا لا تنبح
الكلاب في قريتنا قالت الجدة باستسلام.
عاد الصمت ليخيم على المنزل، ولم يعد يسمع
سوى الأصوات الخارجية، وقالت:
كان يا ما كان في قديم الزمان قرية صغيرة
الحال تدعى...
قاطعها الابن البكر قائلا: يجب أن لا
تبدأي بهذه الكلمات، فهذا الأسلوب لا
يستعمل سوى "للخراريف" الخيالية، في حين
أن روايتنا لهذه الليلة حقيقة، ووقعت
أحداثها في قريتنا بالذات...
"معاك كل الحق يا بني" لقد نسيت، وأصبحت
لكبر سني أخلط بين الخيال والحقيقة، أجابت
الجدة، التي اعتدلت في جلستها لتتهيأ
للحديث وروت:
قبل الكثير من السنوات والتي لا أقدر على
عدها، ولكنني أتذكر أنني كنت وقتها صغيرة
السن مثلكم، تقريبا...كانت قريتنا صغيرة
جدا، وأهلها يعيشون بنوع من الوئام،
والجميع مشغول أما بالعمل في الأرض أو في
رعي قطعان الماشية والبقر،... وكان
أجدادكم يعتمدون كليا على الكلاب التي
كانت تحمي في غيابهم القرية من الضباع
والوحوش الكاسرة، فلا تجعل أي ذئب يقترب
منها،...وكثيرا ما جرت في البرية وتحت سمع
وبصر الرعاة معارك حامية ودموية تطول لعدة
لساعات، ويشترك فيها اكثر من عشر كلاب
ومثل نصفهم من الذئاب، وفي أغلب المرات
كانت تنتهي هذه المعارك بانتصار الكلاب،
ولكن بعد أن تفقد اثنين أو ثلاثة منها،
ويصاب الباقي بجراح،...ومع مرور الأيام
والأعوام، قلة غزوات الذئاب خوفا من
الكلاب التي استبسلت بالدفاع عن هذه
القرية ومواشيها، واقتصر هجوم الوحوش على
الأغنام التي كانت تبتعد عن القطيع، ولكن
حتى هذه الحالات اختفت بعد زمن قليل، حيث
فطنت الكلاب لاستراتيجية الذئاب فوزعت
نفسها مجموعات صغيرة، تنتشر على قمم
الجبال، وعندما تشاهد عجلا او راس اغنام
ترده للمرعى، وحينما ترى ذئبا تهرع أليه
تلاحقه، فأما أن تقضي عليه أو أن تطرده
خارج حدود القرية.
يا لإخلاص هذه الكلاب..!
أنها تستحق كل خير، قالت الطفلة ذات
الأعوام الستة.
وبعد
ذلك ماذا حدث؟ وكيف كانوا يكافئون الكلاب؟
قالت بتلهف الابنة الوسطى ذات الأعوام
التسعة.
كان الرعاة وأهالي القرية_أردفت الجدة_ لا
يعملون أي شيء فوق العادة للكلاب، فقط
يلقون لها من فضلات طعامهم، أو يتصدقون
عليها بالعظام...، أما عندما يستخدمونها
للصيد، فكانوا يتركون لها قوائم الفريسة
كمكافئة لها، وكانت الكلاب تشعر بالسعادة
فتهتز أذنابها فرحا وتتمسح بأرجلهم وكأنها
تريد شكرهم على هذا الكرم.
وماذا حدث بعد ذلك؟ تساءلت بفارغ الصبر
الطفلة الأصغر سنا في محاولة منها لدفع
الحاجة للإسراع في رواية القصة.
استتب
الأمر والأمان للقرية-أجابت الحاجة- ولم
يعد يرى للذئاب أي أثر، حتى أن الرجال
كانوا يخرجون من منازلهم وهم لا يخشون على
أطفالهم من أي هجوم، أما الرعاة فكانوا
يتركون قطعان ماشيتهم ترعى الكلأ
باطمئنان، فينامون أو يلعبون بدون أن يعكر
صفوفهم احد،...وعند المساء يعودون
لمنازلهم وقد أمتلأت أثداء البقر والغنم
بالحليب وأخذ يتضاعف عدد العجول والحملان.
وماذا حدث للكلاب الضحية؟
عادت الطفلة الصغرى لمقاطعة جدتها...
"صبرا ...صبرا يا حبيبتي" فسأروى لكم كل
شيء،...أما الكلاب فلم يعد لها أي قيمة
بعد أن قطعت دابر الذئاب والوحوش، بل
وأصبح الأهالي يضيقون بها ذرعا، حتى انهم
بدلوا أسماءها، فأصبحوا ينادون كلابهم
"الأجرب" و" الكسول" و" الخامل"
و"العجوز"...الخ.
بعدما
كانوا يلقبونها في السابق بـ"المغوار" و
"المهيب" و"الجنرال" ...الخ.
والأسوأ من ذلك أنهم ضنوا عليها بفضلات
طعامهم وعاملوها بقسوة وتركوها تنام خارج
البيوت...
يا لهم من لئام!...أهكذا يرد الجميل، قال
الابن الأكبر.
جردت الجدة صوتها واستمرت:
جاعت الكلاب، وهزلت ونحلت أجسادها، فلم
تعد الجراء قادرة على الصمود والتغلب على
الجوع، فكان تموت على قاعة الطريق أمام
أنظار أمهاتها، أما الأهالي فكانوا دوما
يظهرون تبرم من رائحة هيكلها المتعفنة،
فيقولون للكلاب، "أما تجدون مكانا أفضل
لتموت فيه جراوكم؟"...وكان هذا الشيء يسبب
ألما كبيرا للكلاب.
وغيرت الجدة من نبرة صوتها وأضافت:
إلى أن كان ذات يوم تداعت فيه كلاب القرية
لتتدارس الوضع المزري الذي تعيش فيه،
فاجتمعت خارج البلدة، وبعد مداولات
ومناقشات طويلة انقسمت فيما بينها، فمنها
من راى أن الإنسان لا يزال في أعماقه
حيوانا طيبا، فقد يجب لفت انتباهه للجوع
وللبؤس الذي تمر فيه الكلاب، لكي يتصدق
عليها ويطعمها، قسم أخر رأى عكس ذلك وقال
إن الإنسان شرير في طبعه، فهو الحيوان
الوحيد الذي يفترس دائما، كلما ملك شيئا
أراد أن يضاعفه إلى ما لا نهاية، أما
البقية فتراوحت أفكارها بين هذين
القطبين...
إلا أن الفريق الأول استطاع أن يقنع
الأغلبية، وهكذا شكلوا لجنة كلفت بمخاطبة
السكان لكي يرافقوا بهم.
وفي المساء- استطردت الجدة- عندما عاد
الأهالي من أعماقهم قال لهم أطفالهم
ونساؤهم أن الكلاب عقدت اجتماعا سريا
وتريد أن تتحدث معهم حول حقوقهم المغتصبة
والمشروعة، فغضب الرجال واعتبروا ذلك
الاجتماع غير قانوني، بل ومنهم من وصفه
بأنه خيانة عظمى، ووقف شيخ القرية صائحا،
لم يبق علينا سوى الكلاب الكسولة لتقاسمنا
لقمة العيش، يكفى أننا ندعها تعيش في
القرية، أما المختار فقال محتدا "أن
معظمها مريض وأصبح تعدي أطفالنا
بالميكروبات والأمراض، أما صاحب قطعان
الماشية فقال باهتياج لقد قبضت زوجتي على
كلب وهو يهم بافتراس دجاجة...، وازداد عدد
الأصوات الغاضبة التي تنادي بالثأر، فقرر
أهل القرية الانتقال، والتسلح كل منهما
بعصا غليظة، ونقضوا على الكلاب ضربا...
فمات
منها من مات والباقي جر نفسه وجراحه إلى
قمم الجبال حفاظا على حياتهم، وتوقفت
الجدة قليلا ريثما تلتقط أنفاسها، ثم
أكملت:
انقطعت إخبار الكلاب طيلة وقت طويل ولم
يعد يسمع لها نباح وظن الناس انهم تخلصوا
منها نهائيا، ولكن بعد فترة تبين انه غير
ذلك...، فأخذ بعض الرعاة الذين يسقون
ماشيتهم بعيدا عن القرية يروون بعضها...،
وهي تعلم أولادها على القنص وصيد الغزلان
والأرانب...، ويروي كبار وعجائز وأهالي
القرية أن الفريق الثاني من الكلاب الذي
قال أن الإنسان حيوان شرير قد انتصر وفرض
رأيه، وتسلم قيادة الكلاب، فأخذ يدرب
الجراء الكبيرة على فنون القنص والهجوم..،
وحكموا جميعا على الإنسان بأنه غادر وناكر
للجميل.
وهكذا انضموا صفوفهم، وعلموا أطفالهم على
الكر والفر وعلى كره الإنسان وضرورة
معاداته.
فأخذت
تهاجم الرعاة ومواشيهم، وتغير بين الحين
والأخر على القرية فتلتهم الدجاج والأرانب
وتلوي مسرعة إلى قمم الجبال، ومع مرور
الأيام واشتداد بأسها..، نزلت من قمم
الجبال واقتربت من القرية، حتى أخذت
تحاصرها في الليل...
ولهذا يا أطفالي لا يخرج والدكم من منزله
إلا والبندقية على كتفه خوفا من بطش
الكلاب التي توقفت عن هز أذنابها فرحا
وسرور...، عند مشاهدتنا، وامتنعت عن
التمسح بأرجلنا لتعبر عن حسن استقبالها
لنا، وبدلا من كل ذلك بدأت تكشف عن أنياب
طويلة...، و أصبحت تعوي وكفت عن النباح.
وكفت الجدة عن الكلام المباح...، وارتعش
الأطفال خوفا وهم ينظرون عبر النافذة، نحو
الظلام في الخارج حيث أصوات الكلاب
الغاضبة..
شدوا
الأغطية جدا وأخفوا رؤوسهم وكأنهم يريدون
الانفصال عن هذا العالم. |