| ساعة أن أنجبتني أمي، لا أتوقع أن والدي كان موجوداً، لأنه أراد أن لا يكون موجوداً، حملقتُ في الغرفة البيضاء والملابس البيضاء، وبالدماء التي على وجهي، والتي لوثت الفراش، لم يكن هناك أي أثر له... كم من مرات شتمني، وقذف بي إلى الجدار، قبل أن آتي إلى هذا الكون؛ ولكنهم الاثنان (وأقصد أبي وأمي) أرغموني على هذا، تخيل أن يرغمك أحد على العيش دون أن يكون لك رغبة في الحياة، ويجعلونك في منزل له سقف وأربعة أضلاع، تتشارك معهم في صحن واحد، تمد يديك الصغيرتين، فتشعر بأن الأيدي الكبيرة تأخذ أضعاف ما تأكله أنت، وتكتفي بالتحديق في الأرض، خجلاُ أن يكتشفوا ضعفك، تتوارى في كل لحظة خلف جبنك وطفولتك، تبحث عن أمك، تتمنى أن تقابل عيناها عينيك، حتى تتوسل إليها أن ترحمك، وتأخذك بين أحضانها، وتخبرها بأن التفاحة التي تسرقها كل ليلة من الثلاجة، وتخفيها تحت الفانيله الزرقاء، لا تكفيك، لأنك تظل الليل ساهراً، وأنت تتضور جوعاً، تتأمل أعدادهم الغفيرة وهم يشاركونك في كل شيء، في خزانتك، وملابسك وألعابك وفي نومك، وهم يحشرون جسدك الضئيل بينهم، تسمع شخيرهم ليلا، وتتحمل تقلباتهم والضربات المؤذية لظهرك وبطنك، ولا تتحمل أن تتفوه بكلمة، لأنك اعتدت على الصمت، واعتادوا أن يروا الصمت والخنوع في عينيك، وأحيانا ً تتحمل صفاقاتهم، ومناداتهم لك بالغبي، حتى حجم رأسك، وكأنك كتلة لحم متشكلة تتحرك في بطء، تدور في أرجاء المنزل، وفي تذمر تمارس حياتك، فتتشكل تارة كتابا أو قلما، أو مقعدا، أو قانونا قاسيا على أوراق بيضاء، ترى البياض يحاط بك من كل مكان، يرمونك في الغسيل، مع الصابون فتدور في دوامة الحياة.. تتشكل بكل شيء أنت تراه في الكون وتريد أن تكون عليه، بدءا بالفقاعة إلى التحولات الإنسانية، فتجرب حياة الحيوانات ثم الجمادات، وفي كل مرة كنت تلقى كما هائلا من نفايات تذمرك، ثم في آخر الأمر استسلمت لهم وهم يأخذون جسدك إلى التراب، لتدفن ساعتها بجوار من أحبوك ومن لم يحبوك.. |