فراديس .. ثقافة حرّة

 

 

 

01.07.2005

fradees1@hotmail.com

باب الجنة

 

الأرشيف

 

سجل الشرف

 

المغربي يتمرد على الموت .. بالدخول إليه

قراءة الشاعر العراقي: سعد الياسري

 

 

 

 

ما قبل التقديم /


 

لم تكن نزهة .. أبداً .. أن تدخل نصّاً طويلاً مليئاً بالشِعر يضجّ بالأحداث والصور والتراكيب والموسيقى .. يتجاوز الخاص إلى العام هكذا في مجمله عابراً ومعبراً ببراعة عن همّ أعمّ وأشمل وإن كانت لكنة النص خاصة في بعض المواقع .. والأصعب من كل هذا أن تدخل هذا النص / الديوان وتخرج منه دون أن تتكون لديكَ بعض الرؤى حوله .. لذا كانت لي هذه الوقفة / القراءة .. !

* * *

مدخل /

اجتاحني التساؤل منذ أن اطلعت على عنوان النص / الديوان :

" خارج من سيرة الموت "


 

وكما نعلم جميعاً فإن للعنوان دلالات ومعان يتوجب على الناص توفيرها في النص لمواكبة العنوان وتركيبه .. ولا دلالة دون بلاغة كي لا يكون الأمر ضرباً من العَبَث .. وكما يقول " إيزر ": (ما دام النص الأدبي لا يستطيع أن يعمل قبل أن يقرأ فمن المستحيل وصف أثره دون تحليله لفهم الدلائل ) وهو رأي سبقه إليه " الجرجاني " حين تحدث عن الشِعر ودلالته ووظيفة الكلمات والمفردات في كتابه " دلائل الإعجاز": (لا نظم في الكلم ولا ترتيب حتى يعلق بعضهم ببعض ويبني بعضهم على بعض، وتجعل هذه بسبب من تلك حيث لا بلاغة إلا في المُركّب ) .. لذا كان العنوان بهذا التركيب البليغ والدال قطعاً إلى ما بعده من محتوى .. فالخروج هنا بحسب ما لمستُ هو " التمرد " أكثر مما هو عكس الدخول .. لذا خروجه لم يتم ولن يتم إلا بالدخول إلى الموت مجدداً متمرداً رغم الفزع الذي سنلمسه لاحقاً !!..
ومن ثم توقفت مطولاً أمام الإهداء الذي يترجم نفسية الشاعر والأجواء المحيطة به .. هو يخاطب الغائب .. الذي لم يحضر بعد .. ( الابن ) المرتقب و يطالبه بأمور استعصت عليه – ربما - كأن يجد لنفسه مُتكأً على حافة الليل الحالك / الصريم وأن يقرأ تلك الليالي ببصيرة العارف وأن يتلمس جذوره بحكمة البحث عنها والتشبث بها .. وأن يعمل على إنصاف نفسه والشاعر ( الأب ) في مقبل الأيام .. إذ أنه يشعر – أي شاعرنا - بعدم الإنصاف وربما قلة حيلته إزاء ما يواجه من صروف .. فقد ورد في الإهداء:

إليك أيها القادم
هشام
تعرف آباءك وأجدادك ،
وتستقرئ جفن الليل الصريم .
إليك
عَلَّ القادم ينصفنا !!

" أبوك "



بين العنوان والإهداء .. كانت ذائقتي تترقب الشِعر .. وقد وجدته فيما بعد !

* * *

في النص – الديوان /

 

* يقول " الجاحظ " حول مسائل البيان: ( إن البيان يحتاج إلى تمييز وسياسة وإلى تركيب ورياضة وإلى تمام الآلة وإحكام الصنعة ... ) لذا قام الشاعر هنا بصنعة تامة أو لنقل اجتهد ليفعل حين عَمدَ إلى تقسيم الديوان أو هذا النص الطويل إلى أبواب أطلق على كل باب مسمى " اللوح " .. وقد اختارها قاصداً ولا شك إذ أن تلك التسمية لا تطلق عادة إلا على مستودع الفكرة .. وحافظ المشيئات .. ولها تأويل وتفسير في التنزيل العزيز حيث وردت لأكثر من مرة و في التوارة والإنجيل والتلمود أيضاً .. لذا لم يكن إطلاق تلك التسمية عبثاً بل قُصدَ منه أن ما بين دفتي الديوان مستودع لمشيئات الشاعر .. وخلاصة قلقه ... وترجمة لخروجه / تمرده من / على الموت .

والنص الذي سنتناوله يتأرجح بين عدة أفكار _ رغم أني لا أميل عادةً لإخضاع النصوص الأدبية للفلسفة والفكر ومناهجه _ تتحد في هاجس واحد يسكن الشاعر وهو " الموت والتمرد عليه ومحاسبته ربما " كما أسلفنا .. التمرد على تلك الطبيعة أو الظاهرة التي يجسدها تارة بطريقة مرهفة ومقبولة نوعاً ما وهو ما يسميه "إلرود إبش" بــ " الجَمالية الميتافيزيقية " وأن يخاطبها أخرى بلسان  "التصوّف والعرفان" .. ولن أقول بأنه تناقض بل هي القدرة على تصنيف / توظيف المشاعر بالممكن والمستطاع والمعقول .. وهو ما يؤيده "السكاكي" في كتابه " مفتاح العلوم ": (.... إيراد المعنى الواحد في طرق مختلفة بالزيادة في وضوح الدلالة عليه وبالنقصان وبالأمر ونقيضه ، ليحترز بالوقوف على ذلك عن الخطأ في مطابقة الكلام لتمام المراد منه . ) ، والأمر ذاته ينطبق في تناوله للشعوري الذي نحسه خلال النص وفي العقلاني الذي ندركه بعد أن أدركه الشاعر وسطّره لنا وفي الرمزي أو الترميز الذي تقصّد الشاعر توظيفه أيضاً بينهما وهو ما سنتلمسه في هذا الديوان / النص !....

* في اللوح الأول " مفتتح " يقول الشاعر :

وحدي
بهذا الدغل ،
أحفر في الظلام ،
وأنتهي
في هُوةٍ
لا تنتهي ...
سأموت مشنوقاً كما أختي !!..

أن يلج الشاعر إلى النص بهذه السوادوية / التشاؤمية وأن يرى موته مستذكراً ومستحضراً وفاة الأقرب إلى نفسه " أخته " التي لها حصة الأسد في هذا النص / الديوان .. بل ويقرن واقعه المعاش بلفظة شديدة التأثير " الهوة " .. فهو يرى بأنه في حفرة بعيدة القعر مسرفة في العمق .. وهو يرى أيضاً بأن تلك الحفرة بداية لتكرار مشهد الموت الذي أرقه ولا يزال ... سيموت .. كما ماتت أخته .. بعد أن يرهقه الحفر وغرس الأظافر في جسد الظلمة .. سيستسلم .. للموت !..

* في اللوح الثاني "تلاوة الرُّهبى" نقف عند فزع الشاعر من هذا الموت .. والرهبى من الرهب والرهبة والخشية والفزع وهي نادرة الاستعمال في هكذا مواقع وعلى هكذا شكل وهذا دليل على أن شاعرنا يهتم بلغته حد ارتكاب الأبلغ .. والأعمق .. والأكثر تفسيراً لحالته .. والرهب والفزع هنا من الموت الذي يخاطبه في مطلع اللوح قائلاً :

مريبٌ ..
أيهذا الموت !

وكأنه يعاتبه .. رغم فزعه منه .. لا أدري لماذا تذكرت (ميمية القاضي شهاب الدين) حين يقول :

يا أيها الموت مهلاً في تفـرقـنـا
شتت شمل المعالي وهو منتـظـم

تجد فينا وتسعى في تـطـلـبـنـا
اصبر سنأتيك لا تسعى بـنـا قـدم

عموماً .. هكذا يبدأ شاعرنا .. ليمعن في وصف الموت بعد ذلك بأنه في كل الوجوه والأمكنة وفي ثلج الجباه وخمرة الشفتين وفي العيون ولهفتها للقادمين وذهولها مما ترى .. وهو – أي الموت – غيبيّ ونديّ وخاطف لأنه خطف منه الأحبّ إليه .. وهو وجل جبان لأنه يتستر عنه .. شاعرنا يريد رؤيته من أجل القِصاص ولا ريب .. إلخ من القلق المجيّر للموت الضاحك على مآسي شاعرنا ..ورؤيته له من خلال تجربته في الفقد ... حيث يقول :

راجفون على مراكب خوفنا الأزلي
ننتحبُ !...
العَويلُ يغورُ في حجر النفوس ،
وأنتَ تضحكُ !

ثم يصل إلى درجة من الشجاعة بأن يعترف أنه ضعيف جداً .. وتلك الحقيقة – أي الموت – تخيفه .. تخنق جهاته .. ولا حول له ولا رد فعل يرتقي لهول الفزع الذي يشعر به .. حين يقول :

يزحف لي
ببطءٍ مرعبٍ .
جَمُدت يدايَ
تسمّرت رجلايَ ،
مطعوناً على بوابة التأويل والرؤيا .

حتى يصل في آخر المطاف " اللوح " إلى حالة من اليأس وكأنه يتماهى مع رؤية المتنبي حين يقول :

لمن تطلب الدنيا إذا لم تـرد بـهـا
سرور محبٍ أو مساءة مـجـرم؟

فيطلقها كرصاصة التنبيه لعقله الذي أرهقته الرؤى وتأويل الآخر والأول والوجود والعِلّة والخلود والفناء .. فيقول :

والرأس دائرةٌ
و " هلْ " ..
تفضي
إلى لا شيءَ
في المنسوخ من كوني !
أنا ..
لا شيءْ !


* في اللوح الثالث "صحيفة السرد" المؤثر للغاية و حافل بذكر تفاصيل علاقته بـ "سعاد " أخته التي رحلت وتركته لمّا يقتنع بعد برحيلها إذ أنه يقول في المطلع :

سعادُ
أصيحُ ملء الشوقِ ..
كيف مَضيتِ ؟
إني الآن أجلس وسط غرفتكِ الأخيرة !


ثم يسرف في التذكر راصداً كل الموجودات من حوله في ( غرفتها الأخيرة ) .. وهو مشهد تصويري حافل بالتفاصيل الزمانية منها وهي فيما يخص سطوة التخيّل على لحظة القرار / الموت .. و المكانية التي دأب على توضيحها رهط من سدنة القصة .. فنجد بأن في الغرفة باب / دولاب / جدران / سكون يعمّ المكان ..إلخ .. وأن تلك التفاصيل محفورة في قلبه وجمجمته معاً .. وحين نعلم بأن " سعاد " لم تكن مجرد أخت بل كانت الوطن كله .. والحضن الذي ترعرع فيه سنعلم أي ألم تجشمه قلب الشاعر وهو يقول :

سعادُ
بُعيدَ شهرٍ سوف أصبح عائلاً .
أ تصدقينَ !
صغير حِضنكِ سوف يغدو عائلاً
ماذا سأخبرك ِ ؟


وهنا يبدأ بأداء دور الصغير الذي كبر .. الذي أحبّ بجنون وأتى منتشياً ليحدث أمه / أخته عن حبيبته .. فيأتي على ذكر تفاصيل الحبيبة / زوجته ( مي ) بشيء من الرمز .. فيقول :

التفاصيل اصطخاب في دماغي .
شعلةٌ فوق اسمها " ميم ٌ "
وتحضنها بذات النارِ ..
" ياءٌ " ..
ما أقولُ ؟
أعمرها ؟
أم لون بشرتها ؟
أم العينانِ ؟
والوجهُ ؟
اليدانِ ؟
وما أقولُ ؟
غفا بباب العين إرهاقٌ ..
لذيذٌ ،
شاقني !

حتى يصل إلى سرد أجمل ما يمكن سرده عن العشق وطراوته .. فيخبر " سعاد " بأنهما _ المغربي / مي _ كانا وكانا وكانا حتى يصل في نهاية اللوح إلى :

بعد كل قطيعةٍ كنا نعودُ ..
مُسالمينِ ..
وعاشقين لبعضنا .. أكثرْ !


* في اللوح الرابع "ثلاث رسائل منها" هذا اللوح آلمني جداً وأقسم بأنني كنتُ سأجتازه لما بعده ولن أتحدث عنه لشدة تأثري .. ولكن كان لزاماً المرور على النص كله .
لم يكن جَمال هذا المقطع لأنه حديث الغائب للحاضر .. ولا حديث من رحل لمن بقيّ من بعده ذارعاً دروب الحيرة والقلق .. ولكن لأنه يغرق في المشاهد واللمحات الإنسانية الحقيقية .. عموماً فأن الرسائل كانت من " سعاد " إلى الشاعر .. وكأنه رد على ما سبق ذكره في " صحيفة السرد " .. فكانت الرسائل إجابة شافية وكافية .. وبليغة .

تبدأ الرسالة الأولى :

سعاد تقوم من أجداث موتاهم لتحضنني ..
تقبلني ..
وتصنع بُردةً من قلبها ..
بيضاء في عرسي .. !

هذا المدخل للرسالة كان كافياً بأن نعلم مدى غربة شاعرنا في ليلة زفافه وهو ينتظر أن تكون " سعاد " بين الحاضرين بل وفي مقدمتهم .. من هي " سعاد " ؟ وهو سؤال منطقي .. تعالوا لنتعرف إلى " سعاد " وعلاقتها بشاعرنا .. حينها لن نستغرب أبداً هذه الغُصة ... ففي الرسالة الأولى تخاطبه قائلة:
حبيب عيني ،
ساحري ،
حملتكَ هذي راحتاي َ ،
وطوفتْ بكَ في الشوارع والمدينة ..
نمتَ عندي جُلَّ عمركَ ،
واحتضنتَ الدفء عندي ..
كنتَ تمسكني وتغفو ..
أطعمتكَ يدايَ ،
واندلق الحساءُ كثير مراتٍ على ثوبي ،
وكنت فوق حضني , في السرير , تطيرُ
كنت تطيرُ ،
كم هدهدتكَ !

 

..ويستمر هذا الزج بالمشاعر المؤثرة حتى يصل إلى :

هل سأراك تكبر ملء عيني ؟
هل سألبسكَ الحقيبة في صباحٍ مدرسيٍّ ؟
هل ستخبرني بأول قبلةٍ ؟
هل سوف أحضن حزنكَ المنهالَ
لو يوماً أتيت بدمعتين ومسحةٍ من يأس عمري ؟

ويصل الأمر إلى تبرير الغياب / الموت / القرار .. فتبرر " سعاد " غيابها لحبيبها وشقيقها وابنها قائلة :

لماءِ يديكَ كنتُ نذرتُ ما سأعيشُ ..
لكن هُمْ ..
بلا قلبٍ أضاعوني ..
" أضاعوني وأي هوىً أضاعوا !! "

نلمس أن الشاعر يتفق معها بأنهم أضاعوها .. من هم ؟ هم القدر / الحياة / الأهل / السلوكيات اللامحسوبة / قسوة المجتمع / فجيعة القلب بمن أحب / الحب / النهايات المفزعة / البدايات الخاطئة.. كل هذا .. كل هذا وأكثر أوصلها للقرار الذي أتى عليه شاعرنا بشكل خاطف .. و اتفاقهما على تلك الأمور واضح وجليّ.. إذ أنه لو لم يتفق مع تلك الرؤية وسبب الضياع / الغياب لما أوردها أصلاً .. فمجرد وجود تلك اللمحات في النص تعني مواقفته عليها .

ثم تصل الرسالة الأولى إلى النهاية بعبارة واثقة .. بعد أن تعبر " سعاد " بحذر المتلهف بين ألغام الذاكرة وكيف كان لعبهم / أكلهم / شربهم / ضحكهم / حزنهم .. كل هذا تسرده وتباغته بالقول:

لا أظنكَ قد نَسيتَ ..
_ نسوا ! _ ..
ولا تنسى سُعادكَ ما حَييتْ !


في الرسالة الثانية .. تتكلم " سعاد " عن ذاكرتها الممتلئة بلحظة ولادة شاعرنا .. كيف ولِد ؟ كيف كان الأمر خطيراً والموت على مقربة منه .. هل سينجو ؟ هل سيمنحه الله ديمومة ؟ هل سيكبر ؟ كل تلك التساؤلات وأكثر .. ونستطيع أن نلمس ذلك في هذا المقطع :

وحيدي ..
جئتَ ..
والتصقتْ بذيل العيشِ مأملةٌ ..
وقيل لنا : " احتمالٌ , فاصبروا "
وانصاع داخلنا عويلاً ..
" يا إلهُ
حياته رهنٌ بنصف السنتمتر !!
حياتنا رهنٌ "

ولا يخرج الأمر عن سابقه فيما يخص الرسالة الثالثة والأخيرة في هذا " اللوح " .. ولكنها أكثر وضوحاً لحالة " سعاد " حينها .. والأهل عموماً .. وأيضاً دخول صوت إضافي هو صوت الأب الذي يناجي الله طالباً منه سلامة صغيره ... حيث تقول " سعاد " :

وضاع صوتي في ضجيج نفوسهم ..
( لا تقنطوا من رحمة اللهِ .. )
( اصبِروا )
ويخبُّ في أُذني دعاءُ أبيكَ :
" يا رب العبادِ ،
منحتنا طفلاً،
وأسميناه باسم نبيكَ ،
ارحمنا ..
وسَلِّم طفلنا ... "
وغزتْ أمانينا السماءَ بلا هُدىً !


* في اللوح الخامس "القَصْلُ " و أظن المقصود بها القطع أو المقطوع من محيط أو من كل .. فالمدخل يبرهن على هذا المعنى إذ أنه يرمز إلى أعوامه / الفترة / الزمن الذي قطعه واقتطعه بدوره ... حيث يقول :

اليومَ تكملُ دورة العشرين ؟؟
تفتتحُ الطريقَ إلى اصطباغِ اليأسِ فوقَ يديكَ ..
مؤتزراً بسورة آدم الكبرى .. !

ويبرز في هذا اللوح حديث الروح مع الأم إذ يأتي على ذكرها لأول مرة بشكل صريح قائلاً :

ما أن تقرع الأجراس حتى ترتمي في حضن أمك باكياً ..
أمّاهُ ..
لا أحدٌ يحسكَ غيرها ..
إذ لا تُحسُّ .. بعمقها والضحلِ ..
لا فصلٌ يبرزخ خافقيكمْ ..
لا مَساسٌ ..
لا افتراق .. !


طبعاً كما سبق فهذا الفصل / اللوح يغرق بالتذكر أيضاً .. الطفولة .. وعلاقته بأمه .. المدرسة .. المراهقة .. الأصدقاء .. الغرباء .. لهو الصغار .. المثلجات والمشروبات التي يعشقها الصغار .. الأدراج .. الدروس .. الطوابير .. المناهج الدراسية .. وقت الفسحة التي ينتظرها الطالب المشاغب غير آبه بالدرس .. شجار الفتية ..طعام صديقه المدرسي المكون من مربى التوت والخبز الشهي .. حتى يصل إلى لمحة من طفولته .. وتربيته وعلاقته بوالده .. وطريقة التأنيب / التأديب .. حيث يسرد لنا كيف أقلّه غريب إلى البيت بعد معركة بين الفتية في المدرسة وكان أبوه عند البيت .. فيقول :

أ تذكرُ السيارة السوداءَ ؟
قائدها أقلّكَ – إذ تأخر والداكَ – بُعيدَ معركةٍ مع الطلابِ .
عند البيت كان أبوكَ .
فاجأكَ السؤال ؛
فقلتَ :
" لا أدري ..
غريبٌ مرَّ بي .
الأولادُ كادوا ... "
هاجَ عين أبيكَ تحذيرٌ ..
فلم تصحبْ غريباً بعدها ...
أبداً !!!

في تلك السيرة وتحديداً هذا المقطع نجد بأن الشاعر مشغول بتأثيث تجربته بأمانة النقل .. هو ينقل لنا تفاصيل مُعاشة .. ينقلها بمنتهى النزاهة .. لذا أجدها قريبة إلى نفسي .. بعيدة عن التكلّف .. غير مسرفة بالرمز على عكس تفاصيل أخرى ... حتى لو كان على حسابه فيقول واصفاً نفسه بالفاشل الذي يخفق في الحب والدراسة والحياة .. ولا شك أنها رؤية ظالمة له ولكنه شعر بها تحاصره ... فقال :

في الدراسةِ
_ مثلما في الحبِّ _
تخفقُ
رغم جهدكَ
مرةً في إثر أخرى ..
كرةً في إثر أخرى ..
موهناً أبداً !


 

* في اللوح السادس "من سيرة محمد بن محمد" والذي هو جَدُّ شاعرنا .. حيث يقول:

ولا أدري .
أماتَ الجَدُّ ..
_ أنتَ سميُّهُ _
من ذبحةٍ في الصًّدرِ ..
أم نَصلِ الكرامة !؟

ثم تعطى القيادة للجَد هذه المرة للتحدث عن حزنه والعمر المباغت ولفافات الدخان والجمر الذي يعتمر في الصدر ولا يتأخر في الـ " تف " على هذا الواقع المرير بسبب دخان لفافة التبغ أو الدنيا وصروفها وتصريفها .. كلاهما واحد لرجل مثله حمل على كاهله ما طاق ولم يطق .. المهم ؛ يمضي النص على لسان الجَد إذ يقدم النصائح والوصايا واستقراء القادم أيضاً .. للأبناء والأحفاد .. فيقول :

بَنيَّ
النارُ فوقَ مِسلةِ الظهرِ الكسيرِ
تمضُني !
لمّا أبح بالسرِّ ..
" هل للسر مفتاحٌ وبابٌ " ؟
إنما للنهرِ ..
في الأمطار .. أُسطورٌ .
ستكتشفونَ ..
سوف يضجُّ عِرقكمُ العَصيُّ ..
وكافراً
سيطيحُ عن شرف الوجوه القُنْعَ منسملاً !!


ويستمر في رصده لتلك الهواجس .. وما أنجز ؟ وما عليه الآن ؟ وكيف سيكون القادم .. هل يرحل ؟ هل يكون لاجئاً في بلاد لا يعرفها ولا تعرفه .. وكيف سيعيش هناك بلا لكنته الحزينة التي تشرّبها منذ الحزن الذي يعرف ؟ وكيف أنه على مضض وكراهة ينصح أبنه بأن يرحل .. أما هو فسيبقى .. هكذا كطود .. سيبقى ثابتاً في زمن التحولات .. هكذا أراد لنفسه .. وهكذا كان .. حين قال :

بُنيَّ ارحلْ ..
وقلبي فوق قلبكَ ،
رُحْ !
ومن عمري لعمركَ ..
_ ويب عمرينا _
وراحَ " هشام "
ثم تلاه " هاشم "
ثم " جاسمُ "
والبنات رحلنَ !
ملعونٌ أبو الأولادِ !
بتُّ و " شاهتي " رأسينِ ..
لا حسٌ ولا خبرٌ ،
ولا عرفٌ .. ولا إلفٌ !
لنرحلْ ..
فالمنايا خَبط عشواء
_ الفراق عصيبُ _
لكن ..
فلأمُت في حِضن أولادي .. !!



* في اللوح السابع وهو الأخير " مختتم " ينتهي الشاعر من فعل التمرد / الخروج .. ليقدم رؤيته وخلاصة النص والذي كان بالفعل أجمل ما في الديوان الجميل كليةً .. يبدأ " المختتم " بعبارة تترجم انتهاء التجربة وكأنه الملل الذي سيدركه بعد أن كان في خضم كل تلك التفاصيل فيقول :

تعود مشاغباً ..
نزقاً ..
وحيداً !

هذه الوحدة التي يشعر بها شاعرنا ما هي إلا ترجمة لحالته بُعيدَ العزف مطولاً على أوتار الذاكرة .. حلّقَ ملياً مع " سعاد " و " الأب " و " الأم " و " الولادة " و " الأهل " و " الأصدقاء " و " المدرسة " و " الحبيبة – الزوجة / مي " و " الجَدّ " .. والآن لم يعد لديه سوى أن يختتم تلك التجربة فيقول :

ها هنا ..
ستكون مبتدئ النهاية ..
خاتمِ الأوتادِ في كلف الصحارى ،
كاسر النايّاتِ في شطح انطعان اللحنِ في الموّالِ ،
مطعوناً بظهركَ طعنة مخفيةً ؛
فرداً ستضرم في البلادِ ..
فكن كما ستكون ..
فالآتونَ لا تعنيهمُ الأحلام والأشعارُ ..
لا تغويهمُ الرؤيا ..
ولا ترويهمُ الذكرى من الأجسادِ !!

لا يحتاج الأمر لكثير من الفطنة كي نعلم في أي مدار يحلق شاعرنا هنا .. وإلى أية حقيقة يرمي .. ولأي الحلول يشير .. فهو ينصح نفسه بأن يكون كما هو .. (فرداً) لا شريك له في سبر أغوار الصحارى .. وحيداً يذرع الأمصار / البلدان .. لا يهم من يقرأ ومن لا يفعل لأنه على قناعة تامة – كما يبدو – بأن هذا العصر لم يخلق له .. وهذا الشِعر لن يجد من يتوسده ويغفو على أعطافه الوارفة .. وهذه الذاكرة لا تعني غيره .. هكذا هو .. وحيد .. حتى في مختتم الخروج من سيرة الموت .. وحيد .. كما كان في رحم الموت من قبل .. كل الشركاء كانوا هو .. والأقرب .. والنبض .. والأموات .. وأعتقد أن تلك الحلقة الضيقة تزعجه .. تزعجه كثيراً .. لذا نجد بأنه مرتاب فيما يخص مسألة الشراكة في الذاكرة / النص .. يختارهم بعناية .. وكأنهم هو!

ويمضي بعد ذلك في تقديم النصائح لشِعره وللغته الفصحى التي يحترمها كما يبدو من شدة الاعتناء في النص وجدية أخذه لأمر الكتابة .. و لذاته التي يصفها بالجمود / النصب الذي آلت إليه ملامح الآدمية .. و التي أرهقها التذكر وفعل الخروج / التمرد .. فيقول :

يا نصَباً برسمٍ آدميٍّ
يا شَروداً
غنِّ قبلَ الليلِ
وانتشلِ الطرائفَ
كن ضحوكاً
وانسَ ما سيكونُ من كلْمٍ وطينٍ
واذكر الفصحى
_ ستذكرُها غريباً _
فلْتحاولْ خَفضَ حبِّك ذا
وأوغلْ في سديمِ الهذْيِ
واقتنصِ السهامَ الضائعاتِ
احَفظْ فؤادَكَ للنهاية.

ثم يصل إلى ما لا أتفق معه .. بعد أن منحنا كل تلك الفيوضات من ذاكرته المتقدة .. ليقول في آخر عبارة بالنص/ الديوان :

لن تُفيدَ وصيتي ؛
فأبو " هشام " دون ذاكرةٍ يعيشْ !

سبعة ألواح مليئة بل ومكتظة بالتذكُّر .. وأنتَ بلا ذاكرة ؟ ليتَ شِعري كيف لو كنتَ بذاكرة إذن .. ؟.. لكنني ومن منطلق ذائقتي سأعتبر بأن العبارة الأخيرة هي بمثابة رد على ما قبلها من نصائح وردت.. كي يستقيم الأمر .. وإلا سنقع في إشكالية إن سحبنا هذا الرأي الوارد في العبارة على الكل وقمنا بتعميم تلك الرؤية على النص/ الديوان بشمولية ... !!

* * *

لمحات /

* فكرة النص تدور حول الموت حين يكون قسراً .. وحين يكون خياراً تتخذه الإرادة الواعية .. و حول الذاكرة ال