|
توقف لبرهة، أرهف
سمعه، حفز مشاعره للصوت الآتي من بعيد، هل حقاً يسمعه؟ أم مجرد
هلوسة، نهض من فراشه، وقف بجوار النافذة، ألصق أذنه بزجاجها
أكثر، بدأتْ ملامح وجهه تتقلص أحياناً، ثم تتمدد، يبدو عليه
مزيج من خوف وقلق...
شعر بنفسه
سخيفاً، وهو يقف أمام النافذة، يجب أن يقنع نفسه بأنه رجل،
قادر على تدبير أموره..
عاد الصوت يرتفع،
وبدأتْ زخاتْ المطر، تتساقط، وتضرب النافذة، كانت أذنه تتفاعل
مع الأصوات، لقد ألغى كل حواسه، وترك سمعه يلتقط كل شيء،
وانفتحت النافذة فجأة، هواء وريح قوية، دفعت كل شيء، وارتطم
جسده بالجدار..
ورأى وجه رجل.مخيف...
نفس ما أخبرته
جدته..
في الليالي
الممطرة، يخرج رجل، يصرخ في عنف، يبكي في ألم، يستنجد حتى
ينقذه أحد من أوجاعه، يطلق أصوات امرأة في حالة الطلق والمخاض،
وكأنها على وشك الولادة..
الصوت يزداد،
يثقب أذنه، يحاول أن يسدها بيديه، يجتاز الصوت الشقوق والفتحات
والملابس، وحتى عقله..
ثم ينفذ عبر مسام جلده، ويخترق
قلبه ووجهه وعينيه وصوته..
يصرخ،
ولكن الصوت يبقى أسيرا في حلقه، وذاك الرجل يقترب، وأنفاسه تفح
في وجهه، رأى في عينيه حزن وألم، رأى آلام الكون كله، وقرية
تحترق، وامرأة متلفعة بالسواد تبكي، وهي تحمل في حضنها لفافة،
اقترب لينظر داخل اللفافة، وإذا بطفل يخرج، بدأ يكبر ويكبر، ثم
أخذ يتلوى، امتلأت ملابس الرجل بالدماء، حاول أن يهرب وهو ينظر
إلى الرجال المتدثرين، ذوي اللحى الطويلة، وهم يلتفتون حوله،
يطفئون في جسده بكل قسوة نار أسياخ معدنية، فأخذ يتلوى بكل
عذابات الدنيا، ويمد يديه حتى ينقذه، تقدم منهم، حاول أن
ينقذه، صرخوا في وجهه، يقطعون لحم جسده بكلابات مسننة.
استيقظ فجأة، وأشعة الشمس الحارة
تغمر الغرفة، غطى وجهه بكفه، تحسس رأسه، لا شيء، ولكن هناك
ألم؟ حرك رأسه، شعر بوجع، أدار بصره لينظر إلى المكان، ووجد كل
شيء مرتب ونظيف، نظر إلى جسده، كيف انتقل إلى سريره؟ من الذي
حمله؟
ارحل من هنا؟
التفت إلى مصدر
الصوت، فظهر له خاله الكبير، نظر إليه بعصبية، كلا لن أرحل،
جئت لآخذ حق أمي، ولن أرحل من هنا، قبل أن توقع يا خالي
الأوراق، وتترك لي حصة والدتي، هذا ظلم..
صرخ فيه خاله
بعنف:
أي ظلم يا صغير؟
لقد تنازلت عنه بإرادتها، لم أجبرها على ذلك، ثم إنني أعطيتها
حقها، أخرج من قريتنا، حتى لا تتأذى يا بني..
-
لن أخرج، قالها بعناد..
أنت تخفي عني
سرا، وأنا أعرفه، من هذا الرجل الذي أحرقتموه ليلة البارحة في
ساحة منزلي، لقد رأيت كل شيء..،
بدا التوتر على الخال، ولكنه أجاب بعصبية بالغة
"يبدو
أنك تهذي، من الأفضل أن تذهب لوالدك سالما، فأنا ليس لدي قوة
لأحميك، وأنت تعتبر غريب عن القرية، حتى ولو كانت والدتك منها،
ابتعد أرجوك "
ولكنه صمت،
وتابعت عيناه بمزيج من الاستغراب رحيل الخال عن المكان..،
أيام قلائل مرت عليه وهو في القرية، وأدرك أمورا كثيرة، كثيرون
من أهل القرية على شاكلة خاله، لقد رأى الطمع والجشع في عيونهم..
إنها لعنة..
أخبرته جدته..
أن الله يعاقبهم على أفعالهم
وأقوالهم
وها هي ذي امرأة
عجوز تتحرك في القرية، تصرخ فيهم بأعلى صوتها..
إنها لعنة
أصابتكم يا معشر الرجال ..
إن الله لا يضرب
بالعصا، إنه يعاقبكم في أرحامكم على ما تفعلونه بالفقراء
والمساكين، توبوا، تصدقوا، وارحموا الضعفاء..
وفي الليل تسلل
ليرى جماعة من أهل القرية متحلقة حول النار، وهم يسحبون شخصا،
واقترب، كان الرجل ثيابه مملوءة بالدماء، والمرأة العجوز تصرخ:
إنها لعنة وأصابت قريتكم، يا
للفضيحة، سينتشر الخبر بين باقي القرى، وستكون فضيحتنا على كل
لسان"
كان الرجل يتلوى
من الألم، ويصرخ ويضرب كل من حوله بقسوة، وأدرك كل شيء..
أن الرجال في هذه
القرية، يصبحون كالنسوة تماما، تأتيهم العادة، بآلامها، فيبكون
وتكاد أحشاؤهم تغلي، لم يحتمل ما يراه، كل يوم يحرقون واحدا
منهم، على أمل إن تنتهي اللعنة.
|