|
انتفضتُ هذا الصباح. كانت
الشمس تخترق النافذة. وفي قلبي كانت أغنيه. لم اعد أذكر
كلماتها. كان كابوس.. مرهق. مثل كل ليله. والشمس في هذا
النهار..ترسل أشعة..قويه..مشعة. قال أبي حين كان حيا أن الشموس
القوية تنبئ عن حدث عظيم سيحل بالأرض. وكنت ساعتها أضحك..في
سري؛ فكل الشموس التي شهدتها كانت قويه. وكنت أتذمر. فأعظم ما
تحمله الشموس القوية الحر وضيق في الصدور، وأرواح تتزاحم عند
الأنوف. لا احد يحتمل أحد. كم يبدو العالم كريها..حين يكون
حارا..
لاحقا أدركت..كم يبدو العالم
حزينا..حين يكون باردا.
شمس اليوم تبدو..كأنها مولودة
جديدة. لم تشرق من قبل على أرض. مثل يومي الأول في العمل.
أنجزت مشروع الثلاثة أشهر..في اليوم الأول. بعدها صار كل شئ
يحترق.
وأحترق.
كانت إشارة المرور حمراء..وآه
من الحمراء في الصباحات الملتهبة.
حتما سأصل متأخرة. أذهلَت
المدير فكرة التواقيع الالكترونية.. قال بزهو متطلعا إلي" حتى
ينضبط الحضور ولا يتلاعب أحد بالتوقيت". أحمق. لا يتأخر
غيري..ويعلم جيدا أنني لا أتلاعب بشئ.. أبدا. عليه ضبط ساعة
الشمس..وضبط كوابيسي.. وضبط الأشياء التي تحترق..وضبط الرماد
المتطاير بعيدا..بعيدا.. مع الهواءات الساخنة..ربما
حينها..يبدو الحضور مع صياح الديكه..منطقيا أكثر.
أي الأشياء العظيمة أود لو
تجلبها شمس نهاري الحارقة؟..طبول وطبول وطبول...و..وتبا لكل ما
عداها،،،،،،،،،
فقط إشارة خضراء ..أعظم ما
يجب أن يحصل.لو نقف مطولا في المكان ذاته بلا حراك. نموت.
ونموت.
أُلقي التحية عليها. فلا ترد.
حسنا. فاديه تظنني أترفع..حين أتأخر. فتترفع عن أن ترد. لا
بأس.
فنجان الشاي يغسله عامل
النظافة البنغالي بيديه ..بلا صابون..ولا ماء..و "يااااااااالهي
إلى متى يجب أن اشرح طقوس النظافة!".
"عنصريه" يقول أحدهم من فتحة
أنفه اليمنى. ولا أعرف لم لا يتحدث من فتحة أنفه اليسرى
أبدا!.
الموظف الهندي يتربع خلف
مكتبه..ويشرح بإسهاب..عن تخلف الدول المجاورة للهند.
" هو فقط الفقر..والتوزيع
المجحف للثروات..." يقول صاحب الفتحة الأنفية الوحيدة..ملتفتا
إليّ.
" لا تنظر إليّ..لستُ من يوزع
الثروات على الأرض.. ".وأشير إلى السماء. يتضخم الجزء السفلي
لذقنه فجأة. تصير رقبته أعرض. أتذكر مشهد الضفدعة..المتربعة
على ورقة خضراء عريضة..في بركة آسنة..تنتفخ كلما أرادت ابتلاع
ذبابه.
"الرأسمالية المادية سبب شقاء
العالم..." تحدث أنور. أنور مستريح فالرأسمالية لديه هي
الإجابة دوما. ولا أدري كيف ينتهي في كل مره إلى الحديث عن دور
والده في الثورة التي قلبت نظام الحكم في بلاده..يؤكد
بإسهاب..أن الثورة قامت على ظهره..ظهر والده..وفي كل مره يدخن
بكثافة عند هذه النقطة. يتطلع إليّ..ينفثها في وجهي ويقول
بحكمه " مكانكِ ليس هنا...هو في الإدارة"..أنهض لأفتح النافذة
وأجيبه " ومكانكَ ليس هنا..هو في كتب التاريخ". ويقهقه. كأنها
المرة الأولى.
بعضهم يعيش في كل يوم. كأنه
يولد للمرة الأولى. يعيد نفس الحكايات. ويضحك على النكات
ذاتها. هذه صورة تعسة..لمفهوم "الولادة من جديد" يُستخدم هذا
المصطلح عادة للإشارة للبعث.. لعودة الحياة الضالة. ولكن
هنا.. "الولادة من جديد"..هي فقط إستراتيجية دفاعية ضد الموت؛
حيث تعيش كل يوم..كأنه اليوم الأول. بهذا تخدعه. أو..أو..
ياللهول!! ..يخدعك!. حين
تموت..ولم تعش سوى يومك الأول فقط!!
كم من الفظائع نرتكب بحق
أنفسنا حين نظن أننا نتقن أصول اللعبة..فيما الحقيقة أننا خارج
كل لعبة..كل زمن..وخارج إطار الكرة الأرضية!..
الأرضية!..وقع كوب الماء
الزجاجي من يد فاديه على الأرضية..أقف لأساعدها..لأضمد جرحا قد
أصابها..تنهرني " اتركيني..ماذا يهمكم..فيما يصير لنا..لأمي
وأبي وأخوتي..تتنعمون هنا..تهنئون بين أهلكم..في دوركم..في
أوطانكم..وتعاملوننا كالكلاب الضالة..ترمون عليها فتات
موائدكم..فتات تعاطفكم.." ، وتبكي ..كأنها المرة الأولى.
جفلت مكاني..ووقفنا بعيدا،
خشية أن تصيبنا بشظايا زجاجها المتكسر.
يسرع إليها مازن..رفيق
اللاوطن. يهدئها..يهدهدها..يتلو عليها آيات الصبر والسلوان..
ويتمتم لنا معتذرا.."اعذروها..أهلها هناك مصابون
بجلل..ومحاصرون..تعرفون الوضع..ستكون بخير..".
بعضنا يعيش على ركام
مصائبه..كأنها بساط أخضر. يبني عليه قصوره..حدائقه..أحلامه.
ليستيقظ منتفضا في كل مرة يتعثر بشوكة نَسِيَ ردمها بحلم.
" هم هكذا دائما"..تحللّ شمّا
هامسة لي " ناكرون للمعروف..جاحدون..مهما فعلنا لأجلهم..سيظلون
حاقدين..أبدا.."
"متعجرفة " ترد عليها أشجان
..هامسة..لي ..أيضا.
ها قد بدأتا مجددا عزفهما
اليومي على طبلة أذني. وأنسحب.
بعضنا يزدهر..فقط..في المياه
الآسنة.
"..الأيادي الخفية هي سبب
أزلية القضية.." يعلّق أنور وهو يدفن سيجارة قديمه ويعيد إحياء
أخرى جديدة..
وبعضنا يصنع من دخان
سجائره..أقواس نصر.
"التقرير الأسبوعي أريده على
مكتبي قبل نهاية اليوم"..كنت أرسم ورده..أصبغ وريقاتها بلون
أسود. وحين أرسم وردة أصبغ وريقاتها بلون أسود تصبح الأصوات
مبهمة. أرفع رأسي لأرى محدثي. بالطبع من غيره.
" هو على مكتبك منذ الأسبوع
الماضي"..أجيبه وأعاود صبغ وريقات وردتي السوداء.
" ذاك تقرير الأسبوع
الماضي..أتحدث عن تقرير هذا الأسبوع"....
"هذا الأسبوع لم يبتدئ بعد" ..
أصبحتُ أمهر مؤخرا في رسم حواف وريقات الورود.
" سيبتدئ حالما تبدئين في
كتابة تقرير عن انجازاتك المتوقعة لهذا الأسبوع".. الحبر
الأسود يكاد ينفذ..لكنه لازال يقوم بعمله..
"ما رأيك لو أقتلك هذا
الأسبوع"..
"ماذا تقولين؟"..
"أقول هل تعيرني قلما
اسود؟"......
يا إلهي.. لِمَ تبدو بعض
الأيام أطول من بعضها الآخر!..
فاديه تمر أمامي حاملة ملف
أوراقها..أناديها.. ترمقني بنظرة غريبة ..كتلك التي تظهر في
فيلم " أنا أعرف ماذا فعلتَ الصيف الماضي"!..وتمضي.
" أوتظنني مسؤولة عن احتلال
أرضها!"..أتساءل بصوت مسموع..سئمتُ الشعور بالذنب دون إدراك
جُرمي.
" تظنك لا تبالين.." يجيب
أنور..وهو يدعك حذاءه بكم قميصه!
"ولماذا تظن ذلك؟!"..
"ربما سيارتك الجديدة الفارهة
تستفزها"..
"ماذا تتوقع من عقليات
استهلاكية..مسكونة بحب المظاهر.." يتدخل صاحب الفتحة الانفيه
الوحيدة..
"قلت لكِ ألا تأتي بسيارتك
هنا.." تضيف شما مؤنبة..!
أشياؤنا الكثيرة..لو
يدركون..كم نحتاجها. نحتاجها أكثر. أكثر جدا. ففي القلب
..فراغات كثيرة..وهواء.
طريق العودة إشاراته أيضا
حمر..وأشجاره أيضا جامدة..طريق العودة مثل طريق الذهاب..فقط
بالاتجاه المعاكس.
من زجاج السيارة الأمامي
أراها..رفيقتي الملتهبة. شمس لا تلين في كبد السماء..تتربع
على عرش الظهيرة.. تمارس سطوة مبهره..تحتل أركان
السماء..وزوايا الأرض..ذرات التراب..ومسامات الجلد..تشتعل
بتفان مطلق.. فهناك أشياء كثيرة لا بد أن تحترق......فينا.
|