|
لا تتركهم يصيحون خلفك يا شاعر
كأنهم يبصقون في دمك
قل لهم
أنا جامع نفايات
راعي بقر
البقر الكلمات
قل لهم أنك تستدين من الشمس أنفاسك
حتى تسدد فواتير الليل والورق
وأن حياتك الآتية قروض
لا تتركهم يلبسونك قبعة الغموض
قل لهم
أنا أصلع
صياد سمك
قل لهم أنك تمزح
فليس من الشرف تضميد العالم بالقطن الكلمات
قل لهم أنك تحيض
وتزحف وتحلق
وأنك شجرة مسحورة وقد كانت تمساح
(
....... إلى آخره من نص / ميت في طبعات)
" يطبع النص في اللقطة الكبيرة
لملامح متورمة من شدة الأرق
ثم تهمس الملامح بخجل وتوسل :
أريد أن أنام ........."
هي اللقطة الأولى.
يباشر الكاتب والسينمائي العراقي حسن بلاسم المقيم في فنلندا
حاليا، في إنجاز فيلم وثائقي تلفزيوني بعنوان ( جثة في مقهى
الإيقاع). وهو فيلم وثائقي قصير ( 18دقيقة) قام المخرج بكتابة
سيناريو الفيلم لحساب التلفزيون الفنلندي.. والفيلم نص وثائقي
قصير عن الحلم والغرق.
يتحدث الفيلم عن يوميات المخرج نفسه في العاصمة (هيلسنكي).
وصراعه مع الأرق ومع أحلام السينما التي تتكسر وتتحول إلى
قصائد مرة عائمة في مخيلته المكتظة.. بين مطرقة البلاد المرعبة
ومطرقة الغربة تتحطم المشاهد السينمائية / الحلم.
نشاهد المخرج وهو يحاول أن يجد نافذة ما قبل أن يشنقه العجز
في: ما العمل ولماذا!!
من خلال رسائل شعرية يكتبها إلى شتى الجهات: رسالة إلى شاعر
السينما الراحل تاركوفسكي.. رسالة إلى كافكا.. رسالة إلى
أصدقائه الماضي في بغداد.. رسالة إلى الأرق.. إلى البحيرة
القريبة التي يسكن قربها.
النادل في المقهى الذي يتسمر فيه ( المخرج) طوال النهار يتحدث
عنه.. الطبيب الذي يحاول أن يعالجه من الأرق يشرح مما يعاني..
آخرون يعرفونه ويجهلونه في نفس الوقت ، يتحدثون.
يكتب المشاهد.. يجلس في المكتبة.. يحدق في الكتب التي لا
يمكن قراءة كلماتها باللغة الفنلندية.. لكنه يميز العناوين..
هذا كافكا وهذه روايته المسخ.. يوما ما داس هذا المسخ على
طمأنينتي.. الآن يبدو كافكا مثل مهرج مضحك.. أو أنني من أصبحت
مسخا إلى الحد الذي لم يعد واحد مثل كافكا يثير فزعي..
يفكر...... يقطع الشوارع الفارغة ليلا.. يكتب نصف قصيدة..
يشاهد البلاد تحترق في شاشة التلفزيون.. يختبأ خلف الأرق..
يتمزق.. يتوهم.. يفزع من حركة المارة.. يفزع من قدرته على أنه
ما زال يتنفس.. يفزع من..... ماذا لو عاد إلى البلاد الآن....
يقرر العودة.... يمزق القرار بعد ساعة.... يلم القرار ويلصقه
من جديد.. يبحث عن شيء ما في واجهات المحلات.. لاشيء.. هو
يتفحص ملامحه في زجاج الواجهات.. يعبر مع المارة.. يتراجع في
نصف الطريق إلى الجهة المعاكسة.. هم يذهبون إلى حياتهم..
يبتسم.. إلى أين أنت مسرع معهم.. هم يعرفون ببساطة اسم هذا
اليوم الصغير، يومك الذي بلا ملامح.. فكيف ستهتدي أنت إلى
أين..
يتناول حبوب النوم.. حبوب مهدئة.. أخرى لا يدري ما هي سوى أن
الطبيب نصحه بذلك.. يكتب عن الضلع الذي يطير محترقا فوق أرصفة
البلاد.. يشاهد دراجة هوائية.. تفزعه.. يحلم أنه ذلك الشاعر
العراقي الذي سقط ميتا في منفاه من على دراجته الهوائية.. يكتب
مشهدا يصف الله فيه وهو ينزل على حرائق البلاد ويأكل من اللحم
المتفحم بشراهة وسعادة..
يحاول أن يكتب المشهد الأخير قرب البحيرة.
نشاهده يكتب :
المشهد الأخير
نهار/ خارجي. البحيرة.
يغطس. فتغرق البحيرة فيه. الرجل الذي أتاح للماء موته الحزين.
: ـ أريد أن أناااااااااااام !!
لكنه إغواء الأنفاس.. بل ربما هي الخدعة اللذيذة في انتظار
حقنة الرب البطيئة.. وبدل أن يغطس إلى البحيرة وينهي كل شيء
كما كتب بنفسه في الورقة الأخيرة.. يصنع من الورقة زورقا صغيرا
ويتركه يسبح في البحيرة حاملا معه المشهد الأخير. ، هذا المشهد
الذي ينكمش الآن ويغرق ... بدل أن يلقي بنفسه كي تسيح حروف دمه
في حضن الماء.
: أريد أن أنام !!
( البحيرة التي ابتلعت الزورق/ المشهد ، صامتة لا تجيب)
ليخبرنا "تايتل" النهاية أخيرا ، حين نشاهد المخرج يكتب من
جديد:
المشهد الأول:
أريد أن أنااااااااااااااااام
.......................
ويبدو أن كل الرسائل التي يكتبها ترسل عبر البحيرة.
وزورق ورقي جديد يحمل حروف المشهد يطفو بانتظار الغرق .
( هو كل ما يتبقى في اللقطة الأخيرة من الفيلم)
ـــــــــــ
مقهى الإيقاع / هو مقهى وسط العاصمة هيلسنكي يحمل اسم
(الإيقاع) باللغة الفنلندية. وهو مقهى للموسيقيين الشباب.
يرتاده المخرج كل يوم لساعات طويلة.
|