|
من ابواب ذلك البيت، باب جانبي
يطل على سكة ضيقة. وعلى هذه السكة يطل بالمقابل، باب لجيراننا
ايضا. وكنا كصبيان ندخل من باب الجيران ذاك، ونخرج من بابهم
الآخر. وهكذا نقطع اكثر من ثلاثة بيوت وسكك. هذا اذا ما أردنا
دخول البيوت من ابوابها. فالصغار “الشياطين” منا مهرة في
امتطاء الجدران. وهي طريقة ركوب بإمكانك ان تجوب فيها الحي
كله، وتصبِّح وتمسِّي على قاطنيه جميعاً.
ان تلك الأزقة طويلها وقصيرها،
متعرجة ومتداخلة من مآثر الاحياء القديمة. وتكوينها ذاك كمن
يسلك الامعاء في داخل جسم الانسان، وبعد ذلك بسنوات رأيت ذلك
بشكل موسع في سوق فاس المبهر. والذي شبهته احدى الباحثات
الفرنسيات باللاشعور. ولعله يصح القول إن سكيك احياء طفولتنا
شكل من اشكال اللاشعور.
في تلك الأزقة كنا نتعلم ما لا
نستطيع تعلمه في البيت، ولكن قبل هذا وذاك كان جنة للعب. ولك
ان تستنزف مخيلتك كلها في ابتكار العاب لنهار الزقاق وليله.
سواء كنت وحدك، أو مع اقرانك من الصبيان والبنات.
وليست تلك هي الأزقة الوحيدة
في عالم الطفولة، فقد كانت هناك دروب اخرى ذات طبيعة خاصة.
ورثت امي عن ابيها بضع نخيل في تلك البقعة الخضراء من خورفكان،
والتي يحفها السوق من جهة البحر. وكان علينا، في الاسبوع مرة
أو مرتين، قطع مسافة طويلة من حينا حتى هناك كي نزور ذاك
النخل، ونسقيه. ان تلك الرحلة مع امي، على الاقدام، من أبهج
أوقات الصبا، واكثرها مسرة.
بعد ان نخرج من البيت، ونعبر
“الغليلة” (وهي بقعة سأكيل لها المديح في موقع آخر) نمر بجوار
أول مدرسة انشئت في خورفكان. كانت للاولاد، وحينها كان مديرها،
أو “ناظرها” مصريا يدعى ابو المعاطي، اظن الناس مايزالون إلى
اليوم يرددون مثلا حوله يقول: “... أبو المعاطي، يأخذ ويعطي”.
أبو المعاطي الذي نستشف من
المثل انه كان اكثر من ناظر مدرسة، هو من الشخصيات النادرة
التي كانت بطل احد الامثال الشعبية. وفي الوقت نفسه له صور
فوتوغرافية وهو يعلم تلاميذه الحركات الرياضية، أو هو
“يُنظفهم”. كما أوحت مادة التحقيق الذي اجرته مجلة العربي في
تلك الفترة.
ان هذا الجيل الذي سبقنا بما
يقرب العشر سنوات كان يجر بوساطة “الشرطة”، أو من كان يقوم
بمهامهم، إلى المدرسة من تحت شباك الصيد، أو من فوق حمار. وكان
اولئك المدرسون مجاهدين حقا، وهم يتحملون مشقة عظيمة في تحويل
ابناء هذه المناطق السادرة في الشفاهة، أول حروف “النور” كما
كانوا يحبذون وصف التعليم وقتذاك.
المدرسة هذه تحولت بعد ذلك إلى
مدرسة للبنات، تقيم في المناسبات احتفالات صاخبة وكان جميع من
في الحي كبارهم وصغارهم، نساء ورجالا يقفون على جدار المدرسة
أو البراميل يشاهدون الفتيات وهن يؤدين عروضا راقصة أو
تمثيلية. وكان الصبيان على الاخص تنتابهم وهم يشاهدون اجمل
الفتيات يتمايلن أو يمثلن، مشاعر متدفقة ومتضاربة يعبرون عنها
بصراخ هستيري، وصفير على اشده.
بعض من ذلك الصراخ، وبقايا
صفير لربما كان يدرب اجنحته في قفص قلبي كلما مررنا أنا وأمي
بجوار سور تلك المدرسة، كي تبدأ النخيل بالظهور عن يميننا،
بينما البحر يفترش سعادته على الشمال.
عند تلك الناحية يكشف البحر
عند الجزر عن جانب صخري من جسده، هذا الجانب تجثو عليه النسوة
واطفالهن في وقت ما من الشهر والسنة كي يقلبوا احجاره بحثا عن
محار تؤكل احشاؤه. ولطالما كان منظرهن بالثياب القروية الفاقعة
والمتضاربة الالوان وهن يتنقلن جالسات بين تلك الصخور الداكنة
عند الغروب يثير للعين مشهدا خصبا.
ويزداد البصر غنى لو كنت احد
اطفال أولئك النسوة وقلبت الصخور معهن. هنالك تجد من مخلوقات
البحر ما لا يعد وما لا يوصف. باسماء وبلا اسماء. نجوماً
وقنافذ. بحريات ممتلئة كقضيب ثمل، واخرى شفافة كأنفاس في مرآة.
قواقع وحلازين ومرجاناً يعبر عن مشاعر البحر.
ان الكثير من صيادي السمك بلا
شك يتذكرون أن اول تدربهم على الصيد كان بوضع طحين في صفيحة
صغيرة وتغطيتها جزئيا كي تغرر باسماك صغيرة وعذبة كمقل الاطفال.
انني في طريقي، وأمي، إلى
نخلنا، لا استطيع الاشاحة بذاكرتي عن ذلك الغنى المتناثر على
جانبي ذلك الطريق.
وكنا عادة ما ندخل إلى تلك
البقعة الصغيرة من النخل عبر سكة سكينة، رغم ان التسمية خادعة.
فسكينة مطوعة ربما مازالت على
قيد الحياة، اما تلك السكة، فهي احد واديين كبيرين ينهبان كل
ما لدى الارض من قوة نحو البحر. إلا ان ما يقلل على الدوام من
اندفاعها، ايام كانت هنالك امطار شديدة بالفعل، هو اتساع
مجراها. وكانت مساحة النخيل الكثيفة تقع على جانبي الواديين.
نخل جدي والاقارب كان على
جانبي سكة سكينة، وما ان تدخل إلى النخيل حتى تتناهبك دروبها
الضيقة والملتوية. وبدلا من الجدران في الحي كانت حدود مزارع
الاهالي من جريد النخل ومن ثم تحولت إلى اسلاك، والاسلاك بعد
ذلك كانت فاتحة هجران المزارع وهلاك النخيل.
الطفل الداخل تلك البساتين
يلهو في غابة. ولم تكن اشجار النخيل باسقة وحدها، وانما تطول
بعض الحمضيات وتتعالى جذوع المانجو في الافق، وتتحرك في التحت
شجيرات الجوافة، وغيرها.
وككل غابة، فإن طبقات الظلال،
واندساسات اشعة الشمس بين اوراق الاشجار تعطي لتلك اللحظات
الدافئة اشد متعها ذروة وعمقاً. من هنا فإن الدروب بين تلك
البساتين هي المتاهة. وقد لا تسمع من رطوبتها الا وقع الداخل،
وانطلاقات الطيور بين الاغصان، واصوات الماء والاته.
ان من عاش تلك الاجواء لا
يتذكر كيف يلعب الماء بالظلال، وكيف تلعب الظلال على الماء
بالعيون فحسب، وانما الاحواض ايضا حينما تغتسل شقاوة الصبا
بالمياه.
تحت الاشجار كانت الاحواض
ملعبا للبنات مع الاولاد. شعورهن تسبح كي تهب الظلال المتمايلة
على ماء الحوض كنوزا من الاحلام مع الأجساد الصغيرة الغضة
المتشابكة فوق الماء وتحته، وقد يسهم الغراب بهذا الحفل
الصابئي بثمرة مانجو يسقطها في الحوض، وقد ازداد تشهيها بعد ان
نقرها، وفتح احشاء نضجها كي يلحسها النظر.
يضاف إلى كل هذا: البساتين
واحواضها ودروبها، قرب منطقة النخيل هذه من السوق. اذ ان
بإمكاني ان اترك أمي مشغولة بما تبقى لها من امجاد، واتدحرج
كأغنية بين دروب النخيل تلك حتى اظهر بين الدكاكين.
ولصبي جاء من حي لا يباع به
الا بعض الحلويات على ما يشبه الطاولة يضعها احد الاهالي امام
باب بيته، فإن تلك الاشياء المتنوعة التي كان يحتويها ذلك
السوق رغم انه كان في بداية انفتاحه على العالم كانت تثير في
امواج الفضول، وبهجة الوقوف في الاختلاف عن أزقة الحي التي
حفظتها عن بطن قدم.
ولعل ضياعي بين تلك الدكاكين
وقتئذ، يشبه الحرية ونيلها. وللاشياء التي تشتريها لو امكن،
نكهة الاعياد.
كان في ذلك السوق مسجد قديم،
ومكتبة صغيرة لعلي اشتريت منها اول الكتب، كان قد فتحها رجل
مغامر اسمه مبارك يعمل على ما اظن في الشرطة الآن. كما كانت في
السوق، مطلة على البحر، قهوة القاضي التي رأيت فيها رجالا
جالسين بوجوم، وآخرين يتحدثون في مكان مخصص لذلك. ان ممارسة
الجلوس في المقهى وحيدا أمر ليس بمستطاع الطفولة فهمه أبدا.
كذلك كان آخر ذلك السوق بنك لا
استطيع ان اتذكر إلى اليوم انه يحوي نقودا. ان كل ما اتذكره
عنه، جريمة قتل حدثت بداخله، في يوم من الايام.
بجوار البنك كان مركز الشرطة
وقد ازيل رغم ما اتذكره من جمالية ما في معماره. وكان ذلك
المركز اعلى مبنى في خورفكان حتى وقت قريب من نهاية صباي. امام
ذلك المركز كانت تعرض افلام، الا انني لا اذكر انني شاهدت منها
غير الظلال لكثرة ما يحتشد الناس امام قماش العرض المنخفض.
الفيلم الذي اتذكر حضوره
ومشاهدته بوضوح هو “عنترة”. فلقد امسك أبي بيدي في يوم من
الايام بعد صلاة المغرب واخذنا نقطع الدروب، اقدامنا تتعثر
بالحصى وعيوننا بأوهام الظلام حتى وصلنا بعد مسير لاهث إلى
السينما التي فتحت حينها، في منطقة سميت باسمها.
من الافضل ألا اعي الذي شاهدته
في تلك الامسية. لكنه بالتأكيد فيلم مختلف عن فيلم “عنترة”
الذي رأيته مع الأسف بعد ذلك عندما كبرت.
على ما يبدو كان ابي معجبا جدا
بدور شيبوب الذي مثله اذا ما ساندتني الذاكرة توفيق الدقن.
لكني خيل لي انني أنا شيبوب وامامي ابي “عنترة” نقطع الفيافي
في آخر الليل نحو البيت.
اما عن مركز الشرطة، ففي احد
الايام كنت في السوق وسمعت طفلين لا اعرفهما يتحدثان عن طوفان
سيأتي على خورفكان بعد ايام، وان موجته ستكون اعلى من المركز.
لم اكن اعرف ما هو الطوفان،
لكن تلك الصورة عن الموجة الفخمة لم تفارق ذهني من لحظتها.
وطوال ليال وايام كان يتربى في داخلي خوف من صخور، احمله وحدي،
بينما أرى بقية من هم حولي يمارسون حياتهم، بتفاهة، كالمعتاد.
ولا ادري لماذا اعتبرت ما
سمعته من الطفلين نبوءة وسرا يخصني وحدي. وككل معرفة عن هذا
النوع كان علي تحمل عذابها الوجودي.
كيف سأهرب من تحت تلك الموجة،
كمن يزيل لحافه، وانجو؟
وبعد اوهام تجتاحني مُرَّة
طوال الليل اركض بمجرد استيقاظي كي اطمئن على البحر. فالقاه
كالعادة مستريحا في جلسته يداعب اطرافه بالأمواج.
في لحظات الخوف تلك كان قلبي
ينتفخ من الألم، والحيرة تمزقني كصخرة في حنجرة واد مزبد.
من قبل رأيت، وفي جو عاصف غضب
البحر. كانت امواجه كبيرة لكنها لم تتخطّ كثبان الشاطئ تلك
التي تحفر "الشناييب" بيوتها تحت اعطافها، واشد مظاهر ذلك
الغضب ان نرى سفنا خشبية عديدة قد حاذت الشاطئ، أو ان يزور
البحر الحي عبر المجرى الذي تسلكه مياه الامطار القادمة من
الجبل، حتى يصل إلى منتصف “الغليلة”.
حينها نجهز العابا من مراكب،
أو نسبح في تلك المياه الضحلة مفتشين عن اسماك تائهة. وأحيانا
نمسك بطيور ضخمة غريبة لا تبدي أية مقاومة.
لكن عن موجة كتلك التي قال
عنها الطفلان في السوق لم اسمع.
بعد ايام انتشر الخبر في كل
الحي. انا انتصرت على رعبي، ولم اعد خائفا حتى من الطوفان. لقد
كنت اعرف، وعيوني الآن يملؤها الضحك.
الكثيرون جمعوا كل ما هو ثمين
من بيوتهم، وقرروا التحصن في الجبال.
أمي البطلة قالت: ما دام ابوك
غير موجود فإنني لن اترك البيت أبدا. فنمنا، عندما استيقظت
ذهبت راكضا إلى البحر، ومسحت على احدى امواجه بيدي هاتين.
واختفت الشائعة. أمي التي بعد ان تنتهي من سقاية نخلها ذاك،
تأخذني من يدي لزيارة اهلها، وكان اغلبهم يسكنون في احياء
بالقرب من النخل. في الاصياف أو في بعضها، كان الاقارب يعملون
غرفا من جريد النخل ويقيضون بين النخيل. بالقرب من الجبل الذي
يطل من عليه حصن بناه عم أمي: علي بن عبود. وكان يطيب لها
الفخر بأمجاد اهلها الغابرة حتى ولو لم تنظر ناحية الجبل.
لم يكن ذلك مقيضنا الوحيد، ففي
اغلب السنوات كنا نقيض مع جيراننا في “المديفي” حيث كانت تبنى
غرف جريد النخل خلف البيوت مباشرة من جهة الغرب، ورغم الامتار
القليلة التي يبتعد فيها ذلك المقيض عن بيوتنا، فإن كل ممارسات
المقيضيين تدل على انهم قد ارتحلوا إلى مكان قصي. كانوا اكثر
تحررا من عاداتهم اليومية، ولا يزورون بيوتهم الا عند الحاجة
القصوى.
يطبخون ويعدون كل ما يحتاجون
له معا. وكانوا افذاذا في تحريك أياديهم، فالأيادي التي لا
تتحرك تقتل.
بدءا ينظفون عمتهم، وأحيانا
يسمونها امهم النخلة، وعندها يحصلون على كربها وجريدها وخوصها.
يجتمع الرجال كي ينسجوا من الجريد صفحات غرف، اذ ليس بامكانك
ان تسميها جدرانا، فتكون “الدعون”. وبالمهارة نفسها تنسج
النساء ما يفرش للنوم أو للاكل، أو أواني حافظة. اما الكرب
فيطفو. ولذلك فهو للبحر. يوضع كعلامات للشباك.
ثم جاء من الباطنة خطيب مسجد
وامام نصف مبصر. كان بجسده النحيل وقسماته التي تدل على ذكاء
يوحي بمعرفة سرية. وسرعان ما تفتقت هذه المعرفة عن حياكته جسد
سفينة من جريد النخل ملأ بطنها بالكرب، وانطلق بمخلوقته:
“الشاشه” إلى البحر يصطاد بين الصلوات.
وكما يشغلون اياديهم يسنون
السنتهم ايضا. انهم يتحدثون عن كل شيء من الجنس حتى القيامة.
ان واحدهم هو الجميع وجميعهم واحد، وأكاد اجزم انه لا توجد
“أنا” في القرية، فالأنا هي شيطان يعاذ منه. ان عليك ان تقول
وتفعل ما يقوله ويفعله الجميع في القرية والمهارة ان تقول
وتفعل ذلك بشكل يفوق الآخرين. الشاذون من الرجال أو النساء، من
الأسوياء أو المجانين، من العاديين أو السحرة مستوعبون كليا من
ذلك المجتمع، الا الغريب الذي لا يعرف كيف يقول ما تقول وكيف
يفعل ما تفعل. وكالأنا، لا يوجد في القرية غريب الا الشيطان.
ان النظرة إلى اهالي القرى
كسكنة جنة مفقودة نظرة حمقى. فهم مكرة، ولا يطيقهم فيلسوف،
ويهرب من وجوههم البحر، وجذور النخل. لكنهم يطبخون حياتهم على
نار هادئة، وعلى ثلاث اثاف تعد بحنكة: اليد واللسان والموت.
واذا ما كان بإمكاني الآن
العودة إلى المقيض غرب المديفي، فإنه باختصار طقس صرف.
في تلك الايام كان الصيف
مناسبة لعودة المغتربين. اذ استيقظت من قماطي على غياب
العديدين في الخارج، بمن فيهم أبي. وبينما الأيادي والألسنة
منهمكة في حرية المقيظ يصل أحدهم، ومن الكويت على الأغلب،
ممتلئة حقائبه بالرسائل والهدايا. الرسائل للامهات وكبار السن،
يذهبون بها الى من يفك الخط كي تستغرق قراءة اي رسالة ليلة
بأكملها،
وبحضور جميع من في المقيظ،
أما الهدايا فأفضلها بالطبع تلك التي تخصنا نحن الصغار. وفي ما
عدا تصرفات الطبيعة، والقوى الكامنة في الهواء، فإن الجديد من
الأحداث في القرية يأتي من أولئك المغتربين. انهم إما يأتون
بالنقود فيبنون بيوتاً من الاسمنت والطابوق بدلاً من الطين، أو
يُرسلون الرسائل، بما فيها الملغمة بالهدايا، أولا يأتون.
تمرّست طفولتي على كل هذه
الحالات: فأبي كان يعمل “سكونيا” على احدى السفن المملوكة
لتاجر من خورفكان. وكان خطهم الرئيسي ينطلق من ميناء الأحمدي
في الكويت، لذلك كان كثيراً ما يُرسل النقود والهدايا مع
العائدين.
النقود تختفي في مخبأ أمي
ليظهر بعد ذلك في البيت جدار من اسمنت. أما عن الهدايا، فقد
فتح أحد العائدين في اثناء المقيظ كيساً كبيراً، فكانت دراجة
لي.
ميزة كانت بين تلك الدروب.
وبعد ان كبرت بعت الدراجة لفتاة سوداء كان ركوبها للدراجة مثار
أحاديث الحي كله. خاصة انني لم أنس الدراجة.
بعدها حدث حريق للمركب الذي
يعمل عليه أبي، فانقطعت الرسائل. هُنا أبرزت أمي شجاعة لا نظير
لها. وبينما كان ابي راقداً في المستشفى، كان اختفاء المعاش هو
ما يردد في الحي كله.
لكن في القيظ التالي تحسن أبي،
وأوشك على العودة، إلا ان الرجل الذي فتح كيساً قبل اكثر من
سنة، وأخرج منه الدراجة قد مات، بل لم يمت استشهد.
كان هو وبعض الاطفال من
أقربائه يمشون على أحد الشواطئ في الكويت. شيء ما لفت انتباه
أحد الاطفال فرماه على الآخر، الآخر رد بالمثل، فانقلبت الحياة
الى موت، وامتلأ ذلك الشاطئ بالدماء والأشلاء الممزقة.
إن ما ظنه الاطفال كرة، كان
قنبلة. ولم ينج من ذلك الحادث الذي عصر قلب الحي إلا طفلان
معاقان.
عندما يضرب القدر ضربة دامية
بهذا المستوى، تتفتق أشد العقول ضيقا وأكثر النفوس كتماناً عن
مخيلة خصبة. فحكاية القنبلة تلوكها الألسن في كل المقيظ، ولعل
مثل هكذا استطراد يخفف مع مضي الوقت من بشاعة الحياة. كما ان
مثل هكذا استطراد يغسل الموتى من عيوبهم ونواقصهم، ويحولهم الى
شهداء فعليين. هذا اذا كانوا كباراً، أما الاطفال فموتهم
يحولهم فوراً الى طيور يستقبلون أمهاتهم وآباءهم لاحقاً، بفرح،
عند مدخل الجنة.
أعرف هذه الميتولوجيا عن قرب.
فلقد مات لي أخوان أحدهما قبلي، والثاني بعدي. وكلاهما مدفونان
في مقبرة صغيرة غرب المقيظ من الطرف الجنوبي. ورغم ان ما أكتبه
هُنا ليس سيرة عن شخصي، فإنني ما زلت أظن أن أبوي حمّلاني
موتهما، كما انني عانيت من العيش يتيما بلا أخوين.
أخي الثاني شهدت كل تفاصيل
موته. ومراراً حاولت تذكر تلك التفاصيل من دون جدوى. فالثقوب
السوداء في حيواتنا لديها مقدرة فذة على التلاعب بالذاكرة،
فنحن مهددون على الدوام بفحيحها الصادر من أعماقنا، متمنعة على
اي محاولة عبثية لإخراجها من ذلك القعر.
أتذكر فقط انه كان مريضاً
جداً، وان امي لم تستطع ان تفعل شيئا حيال مرضه. وعندما احست
بدنو أجله في غرفتنا الطينية الوحيدة حينئذ صرخت بي لكي أحضر
احدى الجارات. ما زلت أذكر قفزتي من على صخور الجدار الطيني
المتهدم بفعل المطر الاخير وسلوكي السكة التي تفصلنا عن
جيراننا.
تنقطع ذاكرتي هنا حتى النحيب
الذي يملأ بيتنا. ثم أتذكر بوضوح أقل، الرجال في دائرة شبه
مغلقة يغسلونه. وأمي بين مجموعة من النساء تبكي زاحفة نحو تلك
الدائرة. ثم يأخذ اولئك الرجال لفافة بيضاء ممددة على أيديهم،
ويرحلون.
كان هنالك تكتم ما تجاه الموت.
وفي مرات عديدة كان أبي يعود منهكا في الصباح الباكر أو قبل
غروب الشمس، وجسمه مليء بالتراب. أعرف لاحقاً انه عائد من دفن
ميت. ولا يقول شيئا لا عن الميت ولا عن الدفن.
بعد ذلك يعود ذلك الميت في
“السوالف”، أو الحكايات فيقال: “.. حياة فلان” ويروون عنه ما
يجعله حيا بينهم. رغم انني تساءلت كثيراً في صباي عن السبب في
وصفهم “فلان” ب “الحياة” رغم انه ميت.
بالتأكيد لم يكن الموت نهائياً
في نظر أولئك الاهالي. فإضافة الى الآخرة، هنالك السحرة الذين
يجوبون الهواء، والذين سأتحدث عنهم حينما سأتطرق الى دكة مسجد
الحي.
لكن الامر الذي لا بد من
الاشارة اليه هُنا هو مهادنة الموت. وتجد ذلك في المقابر
المنتشرة بين الأحياء والمزارع.
انك في ذلك الصبا تمر بالقبور
كما تمر بشارات المرور في المدن الحديثة. إن القبور لا تزار
ولا تكرم كما يحدث في بعض المجتمعات المجاورة. انها مجرد
انتفاخ في الارض تحده طولياً حجرتان ناشزتان، وسرعان ما يهدأ
ذلك المغص الذي تعانيه الارض، ويختفي الألم.
أظن انه كان يُقال لنا كلما
مررنا على مقبرة ان نسلم. إلا ان ما كان يثير استغرابي قولهم،
خاصة حين كنت أمر على المقبرة المدفون فيها أخواي، إن الاغنام
هناك تترك أكل العشب، وتنصت لما يقوله الموتى.
ولمرات عدة حاولت ان أرصد ذلك،
وكنت أرى فعلاً الاغنام ساهمة مفكرة. من دون ان احسم فعلاً هل
هي في تلك اللحظة تسمع ثرثرة أخوي في القبر، أم تفكر في معطيات
شديدة الدقة جعلتها ترعى في ارض قاحلة كهذه.
ومما يدل على مهادنة الموت ان
مقبرة اخوي تلك كانت بالقرب من مقيظ المديفي كما لو انها جزء
منه. وفي ما عدا حادثة القنبلة، فإن العائدين من الخارج يأتون
على الدوام بأشياء غريبة وعجيبة على الحي. حتى هُم يعودون
مختلفين عن البقية: في اللهجة، وفيما يلبسون ويأكلون. وبينما
فتيانهم يمارسون علينا نحن الصبيان الراسخين في الغبار صنوف
التبجح، نتمتع باللعب مع فتياتهم اللواتي تعلمن، وفي المدارس
هناك، كل شيء. أو كما يحبذن القول امام جموع نظراتنا المصدقة،
والطافحة بخجل كاذب يلقيهن ارضا من الضحك، ويعيدنا الى جحورنا
في انتظار فرصة اخرى لا تأتي غالباً.
العائدون من الخارج، أو من
أسفار البحر، أو الحج يستقبلون برفع الرايات على البيوت. وكانت
تلك الرايات عبارة عن “خلقان” من كل نوع، توضع كيفما اتفق على
الاسقف.
هل كانوا يرفعون رايات سود عند
الموت؟ لا أتذكر. ولكن تلك “الخلقان” الفرحة، والتي كانت تكتب
عليها الريح كلمات الاستقبال، تملأ الاسقف، وتكنس شيئاً من
الرتابة التي كانت تعيشها تلك الأحياء.
لم يكن الذاهبون الى الحج من
حيث القيمة كبقية المسافرين. وان كان الذاهبون الى العمل في
الخارج قد أحرزوا انتصاراً ماديا دامغا في العقود الاخيرة.
فالحج كان فعلا حجاً. ولم تكن
رحلة العمر فحسب، وانما ايضا تذوق المغامرة من اجل وجهه تعالى
بكل ما تعني المغامرة. فالحاج يودع الجميع، ويترك كل شيء خلفه،
لأنه قد لا يعود فعلاً. إن الحج في تلك الأزمان أقرب ما يكون
الى البطولة الروحية. ويبقى لدى العائد منها مخزون حكائي عجيب
يكفيه لبقية حياته. وعندما دخلت الباصات بعد ذلك لبعض مراحل
رحلة الحج (اضافة للابل والسفن) لم تقلل من الحوادث المفجعة.
ومن أحزان تلك الطفولة موت خالتي مريم في إحدى تلك الحوادث.
لسبب ما لا أعرفه كانت على
خلاف مع امي. وعندما كنا نزور خالتي الاخرى في حي بالقرب من
نخل جدي، كانت تقف في الدرب بانتظار خروجي للعب في السكة.
وكانت تأخذني في أحضانها بحنان يبدو غريباً على تلك النفوس
الشقية، مالئة جيوبي بكل ما لذ وطاب.
تمكّن موت خالتي من ان يؤسس في
داخلي عشاً للفقدان. ألمس أجنحته كل مرة في تلك الشحنة
العاطفية التي تعبرني كبرق كلما سمعت اسم: مريم. يقاربه في ذلك
موت طفلة من جيراننا، كان اسمها: امل. وكنا غالبا ما نلهو معا
تحت شريشة بيتنا بما يوفره الظل لنا من طيبات.
حرق موت أمل حشائش جوفي. كذلك
قادني الى ملاحظة ان الناس في تلك الايام يموتون اما لأسباب
وجيهة جداً كالشيخوخة المتأخرة للغاية، أو مرض فاتك، أو حادث
مهلك. وإما لأسباب في غاية التفاهة كأن يرفس احدهم حمار، أو
كتلك الفتاة التي ماتت لأن زنبوراً لسعها في النهد، أو كأمل
التي قيل إن سبب موتها جرح في الاصبع.
على الأرجح دفنت أمل مع أخوي
في تلك المقبرة غرب المقيظ، واذا ما كانت “الضباحة” (لا أدري
الى اليوم ما هي على وجه التحديد: أنثى الثعلب أم قط بري أم
شيء آخر) حين تطلق أصواتها المريعة في الليل، ويفسر السكان ذلك
بموت وشيك، فإن أصوات الثعالب تدل على تباشير النخل، ونضوج
الرطب.
الرطب: ذلك الاسم البسيط
والبديهي الذي يطلقه هؤلاء على احدى المتع القليلة التي تهبهم
اياها الطبيعة.
حينها كانت تعد قففاً صغيرة
ملونة ومختلفة الاشكال توضع فيها الانواع المبكرة في النضج،
ويتم تبادلها كهدايا. كما كان بالقرب من مقيظ المديفي بستان
صغير مازلت اتذكر أمي تؤجر منه بداية كل صيف نخلة. وفي كل مساء
كنا نمر على النخلة كي نطمئن على أحوالها، عائدين منها بقفير
من الذهب، وغالبا ما كانت ترافقنا في رحلة العودة جيوش من
مختلف قبائل الزنابير.
وعلى الارجح فإن ذلك البستان
كان بجوار البئر التي يستقي منها الحي كله، وتشرب الانعام. لكن
لاحقا، وعندما جرت النقود في يد الناس، حفر كل منهم بئراً في
بيته، ورغم قرب الحي من البحر، كانت مياه تلك الآبار عذبة.
كان حفر بئر في بيت حفلة
وطقس. ان اغلب اعمال تلك الفترة، ومشاغل الحياة، كانت اعمالا
ومشاغل جماعية، وهي في جانبها الآخر، كانت طقوسا واحتفالات.
وبقدر ما ينطبق هذا على الاعراس والولادات والختان وغيرها،
فإنه ايضا يشمل الاعمال الجماعية العادية: بعض انماط صيد
السمك، او نسج الخوص والجريد، او حفر بئر.
تختلط هنا الجهود اليدوية
الفائقة، مع الضحكات والأهازيج. ويبدو النظر الى فنون كالعيالة
او المالد او الويلية من خارج هذا السياق، وبشكل مستقل كمن
يفضل اختصار السحلية بذيلها المقصوص.
وعلى ذكر الاحتفالات فإن الارض
التي كانت مقيظا تتحول الى مصلى للعيدين، وبعد ان تفرش الحصر
ويصل الناس يقف الامام ببساطة على حصيرة ويخطب، متكئا على عصا،
وبيده الكتاب، وهذان شرطان لا يتنازل عنهما أبداً أولئك
القرويون في تلك الجهات، ولطالما سمعت عن أئمة طردوا من
المساجد اما لانهم ارتجلوا خطبهم، او حتى لم يتكئوا على عصا.
كان العيد ولادة جديدة للوجود
وللناس، وأوضح مظهر لهذه الولادة تخطي معظم العداوات التي تسبق
العيد، والثياب التي لا تلبس الا في ذلك الصباح السعيد، ان
العوز لا يمكِّن الاهالي من شراء ثياب جديدة لهم ولعيالهم كل
مرة لكن بامكانهم وبطيب خاطر بيع تيس مرغوب او عنزة ولود لشراء
ثياب جديدة للعيد. كذلك فإن العمل لا يمكنهم من التأنق، لهذا
فإنك في المصلى فقط تجد الرجال يلبسون كندورة ويعتمرون غترة
وعقالا وينتعلون حذاء. فما يسمى في الخليج اليوم باللباس
الوطني هو لباس للاستهلاك، لا ما يمكن ان يرتديه الانسان
العامل والمنتج.
ولقد بقيت من أعياد ذلك الصبا،
ذكريات عديدة، لعل من أبرزها حالتين الأولى حين سألت أبي عن
السبب في تغييره الطريق في ذهابنا ومجيئنا من المصلى، فقال لي
إن الملائكة تقف على الطرقات تسلم على الذاهبين والعائدين من
المصلى، وبتغيير الطريق نسلم بالتالي على قدر اكبر من
الملائكة.
في أحد الأعياد تركت أبي يعانق
رجال الحي في المصلى، وعدت مسرعا الى البيت عل أحد الملائكة
يجدني وحدي عائداً من صلاة العيد، فيظهر لي من خلف الهواء،
تلكأت في كل الدروب التي تقود الى البيت ورفعت صوتي بالسلامات،
من دون ان تعيرني الملائكة اي اهتمام.
الحالة الثانية: عزيمة
السياسي، وهو عنوان غريب لحدث غريب كان يحدث في حي المديفي
البسيط، والملقى على بحر خورفكان.
لا أعرف من هو هذا السياسي على
وجه التحديد، هل هو وكيل الانتداب البريطاني، أم أحد مساعديه
الكبار. الذي شاهدته كان رجلا أحمر، يقال إنه انجليزي، يسكن
ومعه حرسه في بيت كبير خلف المسجد مباشرة، وبعد كل صلاة عيد
يدعو اهالي الحي الى مجلسه العامر بما لم تره عين أبداً من
المأكولات والمشروبات، مبديا ترحيبه بالراعي كما بالصياد،
زارعا الوجوم في تلك الصبيحة المبهجة بلغته العربية الفصحى،
والتي لا يجاريه فيها غير المطوع.
لقد كان وحرسه نبتا غريبا في
ذلك الحي. وكان خروجه الى الشاطئ مع حرسه خلفه، وهم يحملون
مظلة، مادة تندر مكتوم. وثم ما كان يوحي بأن بيت السياسي ذاك
كان مزرعة للدسائس.
ربما الأمر يعود الى السين
التى قد تخلط بين المفردتين في الذاكرة، أو لكون ذلك البيت يقع
امام بيت مهجور، يُقال لنا إن غرفه مليئة بالخفافيش والبوم.
وسواء كان في الحلم، او الحقيقة، فلقد حاولنا ونحن اطفال
اقتحام تلك الغرف، وفتح ابوابها امام الفضول، فلم تفارق
اعمارنا نظرات البوم ولا اندفاع اجنحة الخفافيش طائرة في ليل
الحياة.
لكن المؤكد أن ذلك السياسي او
حرسه هم الوحيدون الذين كانوا يمتطون احصنة يمرون فوقها احيانا
بدروب الحي فتثير ضجة الاطفال الغبار ولا تقعده. ثم بعد ذلك
كانت لديهم السيارة الوحيدة من نوع جيب المفتوح من الخلف.
وبالرغم من البنادق لم يكن بمستطاع اولئك الحرس إبعاد اجسادنا
المتداخلة بين قضبان السيارة كقرود تلهو على أغصان شجرة من
حديد.
يتبع
|