|
البيت
…………………..
ينظف
الجبل نفسه مع كل وابل من المطر. فحينما تتكدس الغيوم السوداء
والداكنة في رأسه، وتنفتح صنابير السماء الضخمة، ترى حتى من
بعيد شرايينه وعروقه تظهر وتتميز وتتورم بلون بني يحفه بياض
الرغوة. وسرعان ما تتجمع تلك الأوردة والشرايين لتصب في جذع
واحد في الأسفل، وكأنها أغصان شجرة ضخمة، شجرة ضخمة من ماء
ترسم على جسد ذلك الجبل. وكأنها
مخيال عطشه واكفهراره في اغلب شهور السنة غير الممطرة.
الوادي اثر ذلك يستجمع خطوته
الاولى، ويحشد قوته كي يهب مهرولا باتجاه البحر حافرا في
المجرى الذي سبق وان ركض فيه أسلافه من الوديان، حاملا كل ما
يصادف هرولته المهيبة تلك من أشجار أو حيوانات أو منازل، أو
حتى بشر إذا ما لزم الأمر.
لهذا، كان على كل من ينوي
الشروع في إنشاء بيت جديد أن يتجنب تلك الوديان والمسايل
والمجاري التي يفضل الجبل أن يسلكها وهو يركض بماء المطر كي
يسقي البحر.
كذلك ينبغي اختيار بئر، وفيما
عدا ذلك فالأرض مفتوحة ومشاعة. فقط ضع وتدا، فيكون ما حولك
مكانك وبيتك وحرمك.
هكذا بظني ارتحل أبي وأمي ذات
يوم من عقد الستينات إلى حي كان يبدأ بالتكون في خورفكان، هو
حي المديفي. والذي جمع أشتات بشر جاءوا من قبائل وأماكن
مختلفة، وكان عليهم السكن في طرف ما من القرية، فاختاروا هذا
الطرف.
من الشمال تفصلهم عن بقية
خورفكان مسيلة وحزام من الأشجار والنخيل، ومن الجنوب كان
يتهادى خلاء فسيح تحده أذرعة جبال الحوامي العالية والمتلاحقة
والضخمة والمستريحة بعد سبخة وسيح في الغرب.
وحده البحر مستمتع بالشرق،
تقطع الشمس من الشروق وحتى الظهيرة (حيث بإمكانك أن تجمع
حطامها من على الأمواج) مرآته المتموجة. مبديا بذلك شاطئا
طويلا ومفتوحا يزيد انفراجه عن النصف للدائرة التي تشكل عرجون
الشاطئ، بينما عرجون الجبال يكمل ذلك الجسد الهلالي لخورفكان.
وكان بإمكان الفنان عبدالله
السعدي أن يكتب في إحدى قصصه التي لم يعد يكتبها، عن ذلك
الهلال المتحجر، والذي تفتحه أو تلقيه الأرض في سماء أو على
سماء البحر، وكيف انه لا يكتمل وكيف انه لا يغيب.
2
على الأرجح كانت بيوت ذلك الحي
في البداية من سعف النخل، ثم لاحقا تطور الأمر إلى الطين، الذي
كان يعجن مع نباتات برية وتطلى به الأحجار. وكان مثل هذا
البناء لا يعمر طويلا، إذ كلما جاءت دفقة قوية من المطر برزت
أحشاء تلك الجدران. هذا إذا ظلت واقفة، إذ أخرى تتحول إلى
أكداس من الحجارة حتى انك بعد مدة وجيزة ترى زهوراً برية صفراء
وبيضاء قد ظهرت من ذلك الركام الذي كان جداراً للحوش، أو
للغرفة.
السقوف كذلك لم يكن حالها
أفضل. فهي عندما تصنع من الكندل وقد وضعت عليه حصائر أو أنسجة
من السعف. يدعك بالطين ونبتة برية تدعى الصخبر، فإذا ما هبت
عاصفة ممطرة وقوية أسالت ذلك العجين الخفيف من الطين، فإذا
بالسقوف تتطاير وتجد قطعها بعد مرور العاصفة في الحوش، أو عند
الجيران.
مطر خفيف قد يثقب ذلك السطح
الضعيف في هذا المكان أو ذاك فيخر البيت. هكذا كان يقال، ولكن
المقصود أن المياه تكون في أحضان القاطنين، أو على أسرتهم.
وفي كل الأحوال، فإن تلك
البيوت كانت هشة جدا، وهشاشتها تلك لا تجعلها حصينة نفسيا كما
هو الأمر مع البيوت في أيامنا هذه. وهي أيضا اقرب إلى الطبيعة
كالأشجار والأغوار منها إلى العمارة. إنها مصنوعة من اقرب
الأشياء إلى عمال البناء في ذلك الوقت. ينزعون حجرة أو نبتة أو
عجينة طين من هنا أو هناك، ويبنون. حتى انه لم يبدأ الاستاد
(بالدال)، أو عامل البناء إلا مع الاسمنت. إذ قبل ذلك مع
الطين، وبالتأكيد مع السعف، تبنيه العائلة بمساعدة الجيران.
يجهزون دلال الشاي مع القهوة
(المشروبات الروحية لتلك الأزمان) ويتصايحون، وتظهر البيوت من
بين أيديهم وتعلو بمقاسات بسيطة في همة رؤوسهم، فالبيت هنا
اقرب إلى أن يكون لعبتك، أو أنشودتك، سمها ما شئت. وهو لذلك لم
يكن مفتوحا على الجيران (بجدرانه المنخفضة والهشة وأبوابه
المفتوحة على كل سكة)، وإنما على الطبيعة أيضا.
ففي الحوش، وحتى في الغرف، تجد
الماعز طبعا والأبقار والحمير، إضافة إلى القطط والكلاب
والدواجن. ومن الزوار العصافير واليمام والغربان. ومن الحشرات
أنواع وأصناف لا تعد. وفي الليل تزور البيت وباستمرار الثعالب
والقطط البرية، وفي السنة قد ترزق البلدة بذئب زائر، فيسيل
لعاب الحكايات.
يُزرع في البيت النخل والليمون
والمانجو والتين وأنواع من الخضروات. شجيرات الطماطم تتناثر
قرب أحواض غسيل ونباتات برية لا حصر لها. والنباتات التي تزور
البيت تجلب من الجبال أو المزارع كأعلاف أو كأدوية. كان كل شيء
من حول البيت. في البيت. تسمع صرخات آخر جار، كما تسمع أخباره
وأنت في البيت. وإذا لم يزرك جارك، زارك أطفاله أو أغنامه.
والشمس تزورك كي يلتقط الدجاج الحب من سطوعها، ويزورك القمر كي
تُختم به القصص.
3
بيت
من هذا النوع يمكن تسميته، لهذا سمى أبي بيتنا ب “المعترض”.
كان بيتاً بحوش واسع تتوسطه شريشة. عريش كمخزن، وما يمكن
تسميته حماما، والمطبخ في البداية، كان من السعف أو الألواح أو
ما شابه. تكوينات مرقعة.
ثمة
غرفة مستطيلة هي وحدها التي بنيت من الطين وبعد أن سافر أبي في
رحلات بحرية متكررة إلى الكويت وغيرها عاد وبناها من الاسمنت.
وأظنها كانت تنقسم إلى قسمين، الأول غرفة بالشكل المستطيلي
المعتاد وأخرى تسمى “كرين”، وهي نوع من الغرف بجدران أربعة،
بينما الجزء العلوي على هيئة مثلث. أظن أنه في القديم كان يبنى
من السعف ثم طور لاحقا ليبنى من الطين ويسقف بالكندل وغيره..
وكانت الغرفتان مفتوحتين على بعضهما بشكل غريب.. ولعلني ولدت
في غرفة “الكرين” تلك.
لم
تكن في هذه الغرفة نوافذ، ولا مرايا. فقط بضعة مستطيلات محفورة
في الجدار توضع فيها الأواني، أو العطور إن وجدت، وحتى
الأطفال.. أما أرض الغرفة فليست مبلطة، على الأقل قبل الاسمنت،
وتفرش بحصير من سعف على ما اذكر.. لهذا أنت في مثل هكذا غرفة
على تراب الأرض، وتعيش معك فيها حشرات وزواحف، وقد تظهر بعض
النباتات أيضا.
ولعل
الطفل أو البالغ في مثل هذه الغرف ليس بإمكانه أن يعيش أي نوع
من الخصوصية، فأنت لا تسمع وترى ماذا يقول أو يفعل اهلك فحسب،
وإنما يصل إلى مسامعك ما الذي يحدث عند الجيران، سواء سمعت ذلك
من بيتك، أو وأنت مار في السكة أو الزقاق.
وعلى
العموم فإن تلك الأيام لا تعترف بالخصوصية، فالجميع يعرف كل
شيء عنك، وأنت تعرف عنهم كل شيء وهذه المعرفة بكل شيء هي ما
تتناوله الأحاديث في الصباح عند “الفوالة”، أو في العصر. في
المساء عندما يتسامرون، أو عند الولائم.
لهذا
من الممكن القول أن مثل تلك الحياة لا تعرف الصمت والتأمل
بالقدر الذي لا تعرف فيه الخصوصية. فمن يصمت ويسرح يقال له: هل
غرقت مراكبك أيها النوخذا، أما من يجلس وحيدا ليحسب الغيوم في
السماء، أو يعد أمواج البحر فإنه بلا شك قد جن، أو أوشك على
الجنون.
4
أول الجدران كان “الحضار”:
مجموعة من الأغصان الجافة، خصيصا ذات الأشواك، تقام حول ارض
ما. عند الطين أضحى “الحضار” زريبة للمواشي وبنى الإنسان
الداجن جدرانه. وعلى الأغلب عند البعض القادر كان يبلط الجدار
الطيني بالجص.
بعد أن جاء الاسمنت كانت تدهن
الجدران ب “النوره” (مادة لونية بيضاء تشبه الطحين)، وفي
الأسفل كان يوضع مستطيل بمقدار ربع الجدار ملون إمّا بالأزرق
الفاتح، أو الأخضر الفاتح. ولا أدري لِمَ لم يطور هذا التلوين
في البيوت الحديثة. خاصة تلك التي في الموانئ؟ إذ كانت تبدو لي
الجدران بهذه الألوان مخففة لنظرة الشمس الحادة والغاضبة،
وتبعث على الدفء في الشتاءات العابرة، كان الأهالي يكتفون
بغرفهم الطينية (أو الإسمنتية)، ومجمرة، وبعض الألبسة الشتوية
البسيطة: كندورة غليظة، و”غترة” ملونة. أما الأشياء المحفوظة
فتخزن بما يسمى ب “البخّار” وبالتالي لم تكن هناك اقبية، ومن
هذه النظرة يبدو البيت بلا أعماق، هذا إذا استثنينا حجره
الأسود: البئر.
أما عن السطوح فحدث ولا حرج،
فهي مكان المبيت في الصيف حيث تتتالى “السوالف” والحكايات
قريبا من السماء. وكان يجفف عليها كل شيء: الأعشاب التي تستخدم
كأدوية، والتمور، والأسماك الصغيرة.
وغير سطح الغرف، أو الغرفة
الرئيسية بالذات، فإن هناك “المنامة” وهي مرتفع عن الأرض من
الدعون “ونسيج السعف” وخشب الكندل، أو البراميل أحيانا. وكانت
ليالي الصيف الطويلة تنفق برضا على ذلك السقف العائم في الحوش.
-يتبع-
|