|
تتميز الرؤى الأبداعية للمخرج
السينمائي ( طارق هاشم ) باقترابها الشديد من رؤى الشاعر, لحظة
تمركزه على حافة العالم في خلواته التأملية له, لبناء عوالم
مستجدة لاحداث منقرضة بين فكي الزمن.
وستستفز رؤى كهذه ذائقةالمتلقي من دون إنقطاع, وتدعوه الى طرد
الجتهز من البنى الفنية, ونبذ المألوف من الطروحات الأبداعية,
وهكذا تتميز لمسات طارق هاشم بالحرية المطلقة في تعامله مع
مفرداته, وبأعطاء القيمة الفنية, والمكانة الواسعة لكل البنى
الزمكانية في أعماله السينمائية, باستثناء تهميشه الجلي للغة
الصوتية لشخصياته, وذلك لأيمانه بأن الكلمة على الرغم من
أهميتها وضرورتها لأحيانا, إلا انها ليست قادرة دوما على
الأفصاح عما يختلج في بواطن الشخصيات, فضلا عن تعثرها احيانا
في اسكناه أسرار الحدث المخبوءة فيه.
وأفلامه الوثاقئية الثلاثة التي كان فيها كالعادة ( مخرجا,
ومونتيرا, ومصورا, ومنفذا موسيقيا ) أنجزها مؤخرا لمجموعة من
الفنانين التشكيليين العراقيين: عماد منصورـ فرنسا, صادق كويش
ـ هولندا, جلال علوان ـ هولندا, تنحو هذا المنحى الجمالي
المميز, وسيضيف المخرج لمسته المستجدة لمثل هذا النوع من
الأفلام, والمتمثلة في خلق الاحساس لدى المتلقي بأنه يرى فيلما
واحدا, مكونا من سلسلة أفلام مترابطة بلغتها الأفصاحية.
ثم أن المخرج عمد بعد الأنتهاء من عرض الأفلام الوثائقية,
تباعا الى عرضها سوية في آن واحد, وفي شاشة واحدة, محاولا في
ذلك ابراز العلائق المتشابكة بين رؤاه المختلفة لهذه الأفلام
تارة, وتارة أخرى ابراز الترابط بين مفردات الفنانين الثلاثة.
وكذلك مبتغيا خلق فضاءات شعرية مغايرة على هيئة ( الصورة
والصوت ) السينمائية.
وفي فلمه عن التشكيلي عماد منصور لجأ طارق هاشم الى إستحداث
احتمالات مكانية قريبة من الجذر الأول للأنسان, إلا وهو الأرض,
وذلك من خلال سحب منصور من مكانه المعلب الحاوي لأدواته
الأنجازية, والمسمى ( الورشة ) الى العراء , حيث الغابة
بتفاصيلها الثرية ( التراب, الأشجار, السماء, والمناخ السحري
المحيط بها ).
وسيصنع المخرج من أعمال الفنان النحتية واللوحاتية, مساحة عرض
مسرحي مفتوح الفضاء, يجسد فيه منصور عدة ايماءات تمثيلية
مختلفة تتناغم مع موسقى تصويرية تثير اللذة في الأعماق كما
تستفز الدهشة لدى المتلقي, لأن البنية الموسيقية لأفلام هذا
المخرج هي من إعداده وتوليفه, بحيث يشعر السامع لها بوجود لمسة
طارق هاشم عليها.
ومع بداية التشكيل الصوري الأول لهذا الفيلم تتدفق
الموسيقىبايقاع هادئ يناسب حركة الكاميرا البطيئة, السلئرة صوب
الشخصية ( عماد منصور ) الذي يظهر مستلقيا على الأرض بين
أعماله الفنية, وملطخا بالطين من قمة رأسه حتى أخمص قدميه.
ومن هذا المزج بين البنية الموسيقية, والشكل الصوري , سيشعر
المتلقي بأنه يقوم بقراءة قصيدة حداثوية غير ملتزمة بالقيود
الآنية أو المحددات القابلة للزوال ولكن مع الأحتفاظ بالقوانين
الأساسية لآصول الأخراج السينمائي.
ومن أجل تجسيد الروابط الأساسية بين المادة الخام للفنان (
الخشب ) وبين مكان العمل ( الغابة ) , ظهر الفنان في إحدى
التشكيلات الصورية يتلمس احدى جذوع الشجر الملقاة على الأرض
بعد قطعها, ببواطن كفيه, وكأنه يتلمس جسدا مبهما يستلهم منه
الطاقة الخلاقة لأعماله. وفي نهاية الفيلم يطفو على سطح الشاشة
التولفق الهارموني بين مواد الفنان التشكيلي وبين رؤية المخرج,
من خلال قيام الأول بالهرولة وسط الغابة, محتضنا بكفيه حفنة
تراب مصبوغ باللون الأحمر, بعد احد مفرداته الأنجازية لأعماله
التشكيلية, ثم يتسمر في مكان ما ليتأمل الفضاء وتفاصيل المكان
للحظات, بعد ذلك يقوم برمي حفنة التراب الى الفراغ لتسقط
ذراتها على وجهه, معلنة عن حالة إشارية متعددة الدلالات.
وفي فلمه عن التشكيلي صادق كويش تتجلى براعة المخرج طارق هاشم
في مزج الوثائقي بالروائي, وما تمتاز به الموسيقى التصويرية في
هذا الفيلم, انها تشي باختلاجات صادق كويش المبهمة, غير واضحة
الملامح, انها تسحب المتلقي الى أجواءغرائبية وتدفعه للتفاعل
معها.
وكما هي عادة رؤى طارق هاشم الموسومة بالحرية المطلقة في عمله
الأبداعي, يظهر لنا صادق كويش كمن يحاول غسل أوراق اللحظات
المارة عليه, وكمن يأهل بنفض همومه الأغترابية المستبدة به.
وبالرغم من طلوع صوت الطرقات على الباب, المرافقة لصوت المنادي
على صادق مرة أخرى قبل نهاية الفيلم, إلا انه يبقى غاطا في
بحار نومه المستطالة حتى إنتهاء الفيلم, الذي تعود كاميرته الى
هيئة صادق المستلقي في فراشه, كأنه يدل على استمرار الطقوس
الحلمية لهذا الفنان.
وفي فيلمه عن التشكيلي جلال علوان ينحو طارق هاشم منحى غرائبيا
بعض الشئ, يتمثل في الأرتطام المعاكس بين حركة الشخصية الرئيسة
والأيقاع الموسيقي للفيلم , الذي تكون فيه حركة النحات الى
الخلف, حتى في لحظة قيادته لسيلرته في إحدى الشوارع الرئيسية
فان الأشياء كلها تظهر سائرة الى الوراء سيرا مرتطما بجسد
لامرئي, لكنه مسموع من خلال الموسيقى التصويرية التي تتسابق
الى الفضاء مع الأشياء المتحركة.
إن هذا السير الخارج عن اعتياد الحال لهذا النحات, محاولة
للبوح بعوالم الشخصية غير البائنة للمتلقي. والمدهش في الفيلم,
ذلك التوافق الكبير بين المنحوتات وإيقاع الفيلم, لتأتي حركة
الكاميرا والفنان, والأيقاع الموسيقي ثوبا مناسبا يقوم بابراز
جماليات المنجز النحتي لجلال علوان.
|