فراديس .. ثقافة حرّة

 

 

 

09.05.2005

fradees1@hotmail.com

باب الجنة

 

الأرشيف

 

سجل الشرف

 

عراة في قيامة الحياة

عن أعمال التشكيلي العراقي سعدي الكعبي

كتبته محررة فراديس : ضياء يوسف

http://www.saadialkaabi.com/

 
 
 

 

 

 

أنا لا أحتاج لتنويه يذكركم بأن العراق مهد المبدعين والأولى في عالمنا العربي روعة في مسيرة التشكيل والنحت .. أنا هنا و للعرب خارج العراق تحديدا سأعلق اسم النجفي الأجمل سعيد الكعبي  كتميمة جمال كي يتذكروه جيدا .. أجزم أن القادم سيحمله بعطاء أسحر .وسيكون حينها لزاما على الجميع أن يعرف وفوق هذا .. يتذكر. 

هذه مقدمة طويلة لأقول أن مغامرة الدخول في محاولة لفك طلسم لوحاته تجربة قد احتاج الكثير من الشجاعة للمرور بها دون ارتباك يحق لي ارتكابه .  خصوصا وهو الذي يقول عن أعماله ( اللوحة لا تعطي سرها للمشاهد للوهلة الأولى، وإنما تعطيه سرها بعد التعايش مع المشاهدة حتى يتآلف الاثنان ويقرأ بعضهما البعض).

يطيب لي أن أسمي أعماله ملحمات  إذ يحشد لها رموزا غنية كثيفة يحصرها في هيبة مسرحية ضخمة, شعور بامتلاء المعنى لآخره في ذات اللحظة التي يسكن في شعور المشاهد أن أولئك البشر ميتون, أشباح فنت أجسادها في ألوان تلاشت وبقيت أروحها مصطفة تنتظر شيئا ما وتردد الحكاية في نحت الريح للجدر القديمة .. في صوتها المغبر .

الحضارة البابلية بخطوط الكعبي تلوذ, بطلاسمها ببساطتها العميقة بقدمها الغائر في بعده.. تنسخ القديم الذي بملوكته يقيم الحاضر ويصنعه . كلما اوغل الكعبي في تبيان فخامة قديمة جاء حاضره فخما كثيفا كـ عراقه العظيم .

 

من مايميز أعمال الكعبي /  أسرى في لوحاته ونساء بجدائل طويلة مفتوحة لسر الأنوثة والخصب . صمت يلف قاماته التي تبدو لرفرفة الموت حولها و اكتنزها منتفخة صدورها بالصراخ والحركة . حروف عربية في مربعاته تتمايل كرقصة في معبد قديم تتلوى كخيوط الدخان مضيفة بهذا بعدا موسيقيا وشاعريا للأجساد المتشنجه. أيضا له رمزية عميقة في النوافذ . يطل منها أكثر المربعات حضورا لونيا ..كأنه السيطرة التي تقود بقية الألوان الذاوية .

 

على ذكر اللون يجدر أن أذكر أن لا لون عند الكعبي يخل بتراث الحكاية . لا لون يقول يقين التاريخ ..كل شيء مغبر متحلل الحضور غير خطوطه الخارجية / الصفة العامة للشكل لا تمس العيون أي وضوح صارخ  .

انسانه حاضر حضور ظله مائل بسطوة ميل الظل المستقيم .

 

كأنه يختصر نهاية ما آلت إليه القصة يقول بمعالجاته قيامة صغرى الكل فيها عراة غير أنها صغرى/ الكل فيها ليس مأخوذا بالخوف بقدر ما يربكه حزنه ...إن كنتم لا ترون ما أقول تأملوا أكتاف كائناته كيف بثقل خيباتها تتضخم حتى تهدد الوقوف الآمن بالسقوط .كأن اليدين معلقة فيه لوهم التوازن الذي على وشك الإنهيار . كل شخص يشد على ذاته يمسك بها  ولا يمد كفا للآخر .

بإسقاط النظر على إرث ديني يضع الأكتاف موضع إنتباه ملائكة تجلس عليها . أو يضع القيامة موضع الأنانية المحضة في انتشال الذات العارية ...أظن  أناسه حضاريين بما يكفي أن يرزح ثقل التاريخ على أكتافهم كمسؤولية جسيمة . فيكون هذا الإرث أضخم ما يحملون أضخم من الحاضر( الباهت ) . بأنانية يضم كل إنسان- أو كل وطن إن أردنا التوسع –  ماضيه إليه فلا يمد للآخر يده وان تحاذى الوجود اجسدا / بلادا  ...وان احتكت ببعضها في خطر واحد.

تكاد لا تخلو لوحة من حبال شديدة وحادة  تعتصر الأجساد القوية  كأنها السجون التي اختصرت وطن الفنان أيام القهر والحصار تلتف كالموت حول الوطن الحي . وهذا يحسب لسعدي كقيمة إنسانية عظيمة إذ لا يعد الفنان فنانا إن انقطع عن حياته وعالمه منشئا عالما جديدا من العلاقات الهندسية دون مساس بشعور القهر الذي عند سعدي تحديدا طفح وزاد عن حده بمسافة مقابر جماعية ... وشهداء لا يذكر أحد أسمائهم .

 

سعدي يكشط أشكاله من على السطح يعطيها ملمسها الداخلي الحي يحفر في جسد الفراغ عن سره يبني نوافذ في وسط الصدور.. يغلقها على ماتخفي  . يفضح طلاسم على صدور النساء لا تُفك ولا يُدرك تعقيدها .. صدور النساء تجتمع في قطيع تقوده جمهرة رجال ..جمهرة الرجال قطيع أيضا . هكذا يفعل الكعبي بفضاء اللوحة  يحوله  لقصيدة مرئية حقيقية ولا يخطؤها قلب .

 

 

في لوحة جميلة يستقيم رجل استقامة الحياة وعلوها عن موت الأرض ..نساء أربع أخف لونا يستلقين يتبادر للرائي أنهن من رجليه يبدأن كـ الظل .. أو ربما من وجودهن تبدأ استقامته وتشنج رجولته . هنا لا داعي للتبحر في رمز النساء الأربع ولا في كونهن ظلا لا يقف أو حتى في لوحاته الأخرى حيث يضع المرأة غالبا خلف الرجل  أو مقيدة بين يديه مادام  صار واضحا جدا أن الكعبي يقتنص من الحياة ما يجب علينا النظر إليه والتفكير به مليا .

إيقاع التوزيع الهندسي في لوحاته مريح للعين. يعينه أيضا على ذلك اختياره للطبقات اللونية الخفيفة جدا كما أسلفت . فضاء الفراغات في لوحاته كبير أكبر من مساحة الزخرفة والأشكال المتقاربة وهذه أجدها سمة واضحة ومميزة له كـ تميز أجساده التي لها طابع واحد ومنشأ واحد , كأنها البشر إذا جمعنا اختلافاتهم تحت مسمى واحد ( إنسان) أو ( إبن آدم وحواء) فصاروا متشابهين جدا  . فلولا المستطيلات الكتابية التي يضعها الكعبي في كل لوحة لكان صعبا أن نتخيل هذا الشحوب كقضية عربية خاصة .

 

شخوصه من ترابية لوحاته .  طين على طين . هذا ليس جديدا كمعنى ..الجديد أن يرهن فنان تجربته كاملة لهذا الإيمان العميق بأن هذا الإنسان من الأرض وفيها . قيمته من وجودها ..قيمتها من وجوده فيها .

أظن التبحر في معالجة الطين بلغة روحية شفيفة جدا وملهمه كطريقة الكعبي خلق يشبه مزاوجة الجسد والروح لخلق الحياة . هكذا أرى تجربته حياة ببساطة إيجاد الإنسان من روح الإله و مادة الأرض .

بمثل هذا الايمان أيضا لا اظن الإبحار في تذوق تجربة كتجربة الكعبي  تنتهي ...

لذلك ليس لي أن أقول إلا/

 

مزيدا يا عراق ..

 

هنيئا يا عرب .

 

 


 

 

 

 
 

 

 
 

الصفحة الرئيسية