|
أن تنام وأنت موقن
انك ستصحو على كارثة جديدة، وان تسلم تماما بهذه الحتمية
اليومية كطفل وديع طيع، يتأمل كونا صار جحيما من المتغيرات
الفانتازية المرعبة والغارقة في الرعب حد التسلية،
فهذا يعني انك
استسلمت تماما، وانك ما عدت ذلك المقاوم المقدام، أو أن
الكاريزما قد خدعتك على حين غرة او انك ركبتها كحصان كنت تظنه
جامحا فإذا به يكبو عند كل قفزة صباحية..
ومنذ النكسة
الأولى لنا في هذا الوطن الكبير، وطن القومية، وطن الشعر، ووطن
التاريخ منذ ما قبل الجاهلية وحتى كنتوناته الحديثة، الوطن
الذي لا يمدنا من حليبه الطبيعي، بل اعتاد وعودنا على المستورد
منه حينما ماتت وذوت أثداء صحرائه وهضابه وأنهاره ومدنه
وحواريه، وهذا الإنسان الذي تحول إلى طفل عنوة وبالقسر اليومي،
طفل مشوه مشدوه،
فقد تلك الصباحات
الاعتيادية. وبهذا الارتجاج تنمو مخيلة جيل من المثقفين اليوم،
وبهذه الصباحات غير المطمئنة ينهش بعضهم ساعاته الاولى
والاخيرة، لا لشيء، ولا من فراغ، فقط لإن إنسان هذا الوطن
العجوز الكبير فقد طرق قوافله في النهارات الجديدة، الشارع
العربي، ليس عربيا لا صرفا ولا نسبيا، والغناء العربي ليس
عربيا لا صرفا ولا نسبيا، والكتابة الإبداعية العربية لا عربية
صرفة ولا نسبية، وهكذا هذا الفضاء الإبداعي الكامل الذي يتمطى
فيه كل من هب ودب، وكل من يغني على ليلاه الخاصة، والخاصة
جدا..
وليست النكسة
السياسية الأولى وحدها المسئولة عن هذه الحصيلة من النتائج
التي تعيشها أحوال الثقافة العربية اليوم، بل بالعكس، الأولى
استطاعت أن تفرخ جملة من القيادات السياسية الصارمة والجالدة،
وهذه الصرامة استطاعت أن تفرخ قيادات ثقافية صارمة وجالدة
للذات الانهزامية،
فخرت صرخات قوية
تحت السياط وبقربها، وخرجت في ذلك الوقت إبداعات القهر والظلم
والاحتجاج والصراخ.. كانت النكسة مسببا مرا لذلك النجاح
الإبداعي الثقافي التنويري.. لهذا لا نستطيع أن نتهمها بالذل
الحالي الذي تعيش فيه الثقافة في وطن لا يرضع أبنائه الحليب
الطبيعي..
إنما يمكن اتهام
النكسات التالية للنكسة الأولى، لسبب وحيد وهو على الأقل، أن
الفكر والإبداع والانفتاح الشعبي على ضرورات الوعي بعد النكسة
الأولى فرخت أشياء مهمة يفترض أنها لم تمت، بل يفترض أنها فرخت
أجيالها ومريديها، لكن لأسباب عديدة وأكيدة، تبخرت فجأة مخرجات
النكسة الأولى، مع رغبة شديدة في محو آثارها من الوجود، ومع
تيارات جلبت إلى الساحة الثقافية العربية سموما من نوع خاص،
كانت اقرب إلى الأوحال.
الآن كل من ينظر
إلى التراكمات الإبداعية التي جاءت بها الفترة منذ أواخر
السبعينيات وحتى اليوم يرى أن مؤشر فعاليتها وقوتها وتأثيراتها
بدأ ينخفض ويهبط هبوطا قاتلا في مراحله الأخيرة، وليس ذلك على
مستوى الإنتاج فقط، بل إن حياة أصحاب الثقافة هي التي طالها
هذا التغيير إلى درجات قاتلة أحيانا..
اليوم تنهض
المطالبات من جديد بالعودة للحاجة الماسة إلى خطاب ثقافي قومي
وطني محارب، يصطف أصحابه في مواجهة حملات الطرف الآخر على
الثقافة العربية.. لكن الذين لم يشربوا الحليب الطبيعي للتاريخ
والوطنية والقومية، وكل ما جرت معها من فتات لا يستطيعون اليوم
أن يكونوا محاربين أصحاء.. ضيع «غرابنا مشيته» فضاعت أموره
كلها..
لهذا لا تأتي
الصباحات كما نتنبأ بها دائما ولا حتى نسب ضئيلة بما نحلم،
فهناك دائما «غربان» ضالة تدفع الوحش لإسقاط المزيد من الجثث،
حتى تصح لها وليمة شهية من الجيف.
وهنا همس لي إحدى
الأصدقاء قائلاً :
- في السنوات
التي تدافع فيها الحداثيون للقفز على المراحل الطبيعية في
ثقافة وفكر الإنسان العربي، والتعامل معه بفوقية كبيرة، خرجت
مع هذه النخبة التي أثارت الحالات والساحات تلك الغربان، غربان
الأدب، غربان النقد، غربان الشعر، غربان الرواية، غربان
التجمعات العامة للمثقفين، خرجت هذه المسوخ الى الساحات، وما
حدث هو أن الانتكاسات التي توالت بعد النكسة الأولى دفعت في
النهاية رواد الحداثة الحقيقيين إلى الانزواء لتظل تلك الغربان
تلوك بقاياها في تلك الساحات.. ولان الإعلام العربي برمته هو
في النهاية نفاية كبيرة وجدت تلك المسوخ ضالتها.. فعلاً يا
صديقي العزيز
لا تأتي الصباحات
دائما كما نتوقع. |