فراديس .. ثقافة حرّة

 

 

 

02.05.2005

fradees1@hotmail.com

باب الجنة

 

الأرشيف

 

سجل الشرف

 

فلم ( عطش) لغة سينمائية مرهفة

 وهاجس فني يتجاوز الزعيق السياسي

القاص والناقد : عدنان حسين أحمد   

a.h.ahmed@chello.nl

 
 
 

 

 

 

 أثار " عطش " الفيلم الروائي الطويل الأول للمخرج الفلسطيني الأصل/ إسرائيلي الجنسية توفيق أبو وائل، أثار جدلاً واسعاً بعد أن عُرض في مهرجان " كان " هذا العام ضمن برنامج " أسبوع النقاد " وحاز على جائزة النقد الدولي، كما حاز على جائزة التحكيم في مهرجان السينما العربية في الدورة السابعة في باريس هذا العام أيضاً. وقد سبق لتوفيق أبو وائل أن أخرج أفلاماً روائية وتسجيلية قصيرة منها " يوميات عاهر " و " بإنتظار صلاح الدين " و " الرابع عشر ". وبالرغم من حداثة تجربة أبو وائل الإخراجية إلا أنه تناول موضوعات حساسة وجريئة، فهو لم يتورع عن القول في فيلم " يوميات عاهر " بأن الجندي الذي إغتصب الأم- الأرض قد بدأ ينظر إلينا كـ " أبناء زانية "، ويتكرر فعل الإغتصاب في فيلم " عطش " فينزوي أبو شكري إلى وادٍ منعزل هو وعائلته المكوّنة من ابنه شكري البالغ من العمر 15 عامًا، وابنته البكر جميلة، والبنت الصغرى حليمة، وأم شكري. ونستشف أن سبب عملية النفي التي إختارها الأب هو إغتصاب جميلة، وإنتهاك شرفها من قبل شخص لم نرَ منه إلا صورته الشخصية التي إحتفظت بها " جميلة " في صندوق أسرارها. في ذلك الوادي الموحش تنقطع صلة الأم والبنتين بالعالم الخارجي، وتكاد بعض الروايات العربية مثل " الشطار " لمحمد شكري أن تكون هي النافذة الوحيدة التي تُطل منها جميلة على العالم، وثمة مذياع عاطل يحاول شكري تصليحه من دون جدوى. الأب يتصل بالقرى المجاورة عن طريق بيع الفحم الذي تصنعه العائلة من خشب الغابات خلسة خلافاً للقوانين الإسرائيلية، والإبن يتصل بالآخرين من خلال المدرسة، لكنه يعكف عنها عندما يخطون على جنب حماره بصبغ أحمر " أخو الشرموطة " تذكيراً بالعار الذي إرتكبته. فالعودة إلى قريتهم مستحيلة بالرغم من إلحاح سائق سيارة الفحم على هذه العودة، والبدء بحياة جديدة، الأمر الذي يدفع بأبي شكري إلى مد أنابيب المياه من النبع الذي لايبعد كثيراً عن القرية المعزولة، فتتفجر عندها المشاكل حيث تعترض الأم والبنتان، ويحاول شكري تعطيل الأنابيب، لكن وصول الماء وتدفقه من الصنبور يفجر لدى الولد والبنتين تحديداً الإحساس بالحرية والإنطلاق، كما يفجّر في الوقت ذاته الخلافات العائلية الثاوية. فكل جهودهم المضنية، وشقائهم المستديم كان يذهب لشراء الأنابيب، وترميمها، وإدامتها، بينما كانت " الملوخية " تنهش في أحشاش العائلة الجائعة على الدوام. فثمة عطش إلى الماء، والحرية، والحب، والجنس، والحياة الإجتماعية، والإختلاط بالآخرين، والخلاص من العزلة القاتلة، ولكن سلطة الأب وقسوته " الممزوجة ببعض الحب أحياناً " كانت تمنع تحقيق مثل هذه الرغبات الإنسانية الطبيعية. في الفيلم ثمة صراع مرير بين جيلين، والغريب أن دكتاتورية الأب تنتقل إلى الإبن الذي كان يعارضه في اشياء كثيرة. لم يعتمد أبو وائل على فنانين معروفين، بل إختار شخصيات غير محترفة، الأمر الذي منح الفيلم مصداقية أكثر بحيث كنا، كمتلقين، ننسجم مع الحدث، ونتفاعل مع الصرخات الإنسانية التي يطلقها كل فرد من العائلة من دون زيف أو تصنّع. لا يميل أبو وائل إلى لغة الشعارات الصارخة، أو إنتاج الأفلام الثورية، فهو بإختصار يميل إلى اللغة السينمائية المعبرة، وفي أثناء إستلامه جائزة التحكيم في حفل الإختتام في مهرجان السينما العربية في باريس قال " أنا لا أعرف ما أقول، لأنني لا أجيد لغة الكلام، وكل الذي أعرفه هو أن أقف خلف الكاميرا ". يطمح أبو وائل لأن يكون مخرجاً يتوافر على مواصفات فنية عالية، ويحلم بأن يكون مثل تاركوفسكي، وبيرغمن وغيرهم من المخرجين العالميين، وهذا طموح مشروع، ولكنه يحتاج إلى جهد جهيد لتحقيقه، وهذا لا يعني أن أفلامه لا تحتوي على مضامين سياسية، فالسياسة تهيمن على كل شيء تقريباً في عالمنا المعاصر، ولكنه يعوّل على الشكل الفني أكثر من تعويله على الشعارات السياسية. في فيلم " عطش " ثمة صراع أسري مرير بين الأب من جهة وبقية الأسرة من جهة أخرى، فعندما يكتشف الأب صورة الشاب الذي أغتصب إبنته يحبسها في غرفة مهجورة بحيث أنها أوشكت أن تفقد صوابها، وحينما يحاول الإبن تحطيم القفل الحديد بمطرقة ثقيلة يضربه والده بغصن شجرة غليظ أوشك أن يودي بحياته. والغريب أن أبا وائل يتساءل بقسوة في نص الحوار الذي أجرته ريما المسمار لصحيفة المستقبل اللبنانية قائلاً " لماذا الرجل العربي ينحني أمام الاضطهاد ويتحول بطلاً لمجرد ان إبنته أحبت أو مارست الجنس؟" متناسياً أن موضوع الإحتلال هو أكبر من الأقدار أو المصائر الفردية. الفيلم يتوافر أبعاد نفسية كثيرة، فهذا الأب المُستبد الذي يتعرض إلى إضطهاد المُحتل يتصرف بطريقة مرَضية وكأنه لا يجد متنفساً له إلا عن طريق إضطهاد أفراد أسرته، بل أنه يحفز الإبن والبنت تحديداً على قتله. فثمة مواقف كثيرة، وسلوكيات مُستفِزة كانت تصدر من الأب تجعل العائلة برمتها تتميز غيظاً مثل تحطيم خزان الماء، أو حبس الفتاة الكبرى في غرفة موحشة، أو التعاطي مع الأم بطريقة فظة جداً، أو ضرب الإبن بعصىً غليظة، وربما يكون عمل الأسرة المحموم في إخماد نار الفحم المشتعلة بالتراب أو الماء، هو تعويض نفسي عن إطفاء نار الغيظ الملتهبة في صدور الأسرة برمتها تجاه هذا الأب الظالم الذي يمثل السلطة الذكورية المستبدة.

الحوار المتمدن
 

 

 
 

 

 
 

الصفحة الرئيسية