فراديس .. ثقافة حرّة

 

 

 

02.05.2005

fradees1@hotmail.com

باب الجنة

 

الأرشيف

 

سجل الشرف

 

لا تصلبوا المشهد كما كانوا يصلبوننا  

السينمائي والشاعر العراقي: حسن بلاسم   

saidwaeli@sbcglobal.net

 
 
 

 

 

 

 

المشهد/ 2005
حين يحاول السينمائي الشاب ( مراد عطشان) اليوم، تصوير فيلمه عن الفرقة السمفونية العراقية. وحين يحاول ان يصور الفرقة وهي تعزف في دائرة السينما والمسرح. يخرج له موظف في الدائرة ويطالبه بملغ من المال ( رشوة) مقابل السماح له بتصوير فيلمه. في الوقت الذي يقوم به مراسلوا القنوات الفضائية بالتصوير بحرية تامة دون ان يجرأ هذا( الموظف عن طلب الرشوة من الفضائيات هذه) بينما يمتلك القدرة على تسميم حلم شاب سينمائي.. نحتاجه كلنا للتنفس .. مثلما نحتاج للعراق المكبل بالارهاب والعنف .. ان
يعود لنا . كرئة للحب والسلام


ـ قطع ـ


المشهد/ سنوات التسعينيات
مازلت اذكر سنوات التسعينيات وتلك المحاولات الموجعة التي كنا نحاول فيها من اجل الفيلم. ومازلت اذكر كيف كنا نصلب لساعات طويلة في دائرة السينما والمسرح من اجل الحصول على جهاز اضاءة او سلك كهربائي موصل او عاكسة ضوء مشروخة. في ذلك العام مثلا حين كان الشاعر فاروق سلوم يرئس الدائرة الميتة وكان الممثل رياض شهيد يرئس قسم السينما المسكين. وكان لدينا فيلم السينمائي عدي رشيد ( قرب نصب الحرية) وكان من المفترض ان يكون الانتاج مشتركا. بين المخرج وبين دائرة السينما والمسرح. والاتفاق كان يعني ان يتكفل المخرج هو وفريقه الذي كان اغلبه من طلبة كلية ومعهد الفنون بجميع المصاريف النقدية، بينما تتكفل دائرة السينما بتقديم بعض اجهزة الاضاءة وبعض الاجهزة الكهربائية الضرورية. لكن البلاد كانت في ذروة الخراب وانعدام الضمير، وهذه الكلمة الاخيرة شطبت تماما من قاموس الاحاسيس العراقية حينها
يتطلب الحصول على جهاز اضاءة واحد، المرور على عشرة موظفين. وهؤلاء، وعلى الرغم من اننا كنا نقدم لهم الورقة المذيلة بتوقيع( الشهيد والسلوم) والتي تنص على تسهيل مهمتنا. كانوا يتعاملون معنا وكأنهم يأجرون لنا هذه الاجهزة من دكاكينهم الخاصة. موجز الحديث اننا لم نكن نحصل على جهاز الى بعد دفع ( الرشوة) للجميع. ويحدد المبلغ كل حسب درجته الوظيفية. ( نفقات الفيلم طبعا من جيب المخرج نفسه والذي هو عاطل عن العمل، ويلم المبالغ من هذا الصديق ومن ذاك القريب). ربع الميزانية الشحيحة كان قد انفق في الرشاوي المخصصة للموظفين في الدائرة. ثم يعقبها الربع الثاني من المبلغ والذي كان يقدم في اماكن التصوير التي كانت تابعة للدائرة. على سبيل المثال( بناية منتدى المسرح التي اجري فيها تصوير معظم المشاهد) من جيب حارس المنتدى الى المسوؤل عنه. وفريق التصوير طلاب لايملكون ثمن سيارات الاجرة للوصول الى موقع التصوير. لهذا كنا نصور على مدار ساعات اليوم لضغط الميزانية.( انا مثلا نقلت في اسعاف الى مدينة الطب ذات ليلة من فرط الاعياء). وكنا نغتسل صباحا في ضفاف دجلة ونأكل فوق بلاط منتدى المسرح المغبر. وعن ( الرشوة والرعب مرة اخرى). ذات يوم كنا نصور المشاهد الخارجية ليلا في ساحة باب الشرقي. ويكاد الفجر ان يصل، حين توقفت سيارة الشرطة قرب موقع التصوير. قالوا انهم هنا من اجل حمايتنا من سكارى الليل او اي عابر شرير. وكلكم تعلمون في ذلك الزمن ان السكارى ارحم ويبعثون على الطمأنينة اكثر من رؤية الشرطة تراقبك او تقف قربك.العراق هو البلد الوحيد في العالم الذي كان المواطن يغير اتجاه سيره حين يرى سيارة الشرطة تقف في احدى زوايا الشارع. على كل حال تقاسموا معنا الشاي والسندويشات. وقبل ان ننتهي بقليل. توقفت سيارة شرطة ثانية. طلبت من اصدقائي ان يسارعوا في جمع الاحهزة ومعدات العمل بهدوء. فلقد بدأت اشم رائحة قذرة. يبدو ان المصيبة قادمة مادامت سيارات الشرطة بدأت تتناسل. رجال سيارة الشرطة الثانية توقفوا في مكان اخر بعيد عن سيارة الشرطة الاولى ولم يتحدثوا مع بعضهم وكأنهم اعداء او منافسين. وحينا اوشكنا على المغادرة اقترب احد افراد السيارة الاولى واخبرنا بطريقة غير مباشرة لكنها مفهومة جدا عن ان ( نحرك جيوبنا) وهذه الجملة تعني ان نمنحهم مبلغ من المال. وحين تجرأنا على السؤال : لكن لماذا!! ، اخبرونا لأنهم قاموا بحراستنا طوال الليل( بالنسبة للقارئ العراقي ستبدو هذه التفاصيل اكثر من معتادة لكن بالنسبة للقارئ من غير بلد/ ربما لن يفهم .. لماذا هذه). مع اننا لم نطلب منهم لا حراستنا ولا هم يحزنون. استسلمنا كالمعتاد ودسسنا في جيب الشرطي مبلغ من المال. وسرعان ما فروا بسيارتهم مبتعدين. لكن ماذا تريد سيارة الشرطة الثانية واللذين لم يتكلموا لحد الآن، لا معنا ولا مع السيارة الاولى. الا ان اقترب احد شرطة الدورية الثانية، وبعد ان تبادل معنا بعض( النكت الساذجة) كرر نفس طريقة الشرطي السابق في طلب الرشوة ( والتي لا سبب ولا مبرر منطقي لها) وكان جوابه حين كررنا، لماذا المسكينة خاصتنا. هي نفس اجابة الاول، انهم اتوا من اجل حراستنا. اخبرناهم لككنا اعطينا السيارة التي غادرت الان المبلغ للسبب نفسه. فقالوا انهم من شرطة الكرادة والباب الشرقي من واجباتهم. اما السيارة الاولى فهي من شرطة باب المعظم ولا علاقة لهم بالمكان
واثناء الحديث ومحاولة التوسل لهم باننا لا نملك اي مبلغ اخر من المال( وهذا كان فعلا، كنا قد افلسنا تماما) لا اذكر من ابتكر من المجموعة تلك الحجة الرائعة. حين اقسم لهم بأنه اعطى للسيارة الاولى حصتهم ايضا، حين كذب بجرأة ومجازفة بان الشرطي في السيارة الاولى اخبره ان يعطي المبلغ اكمله له، فهم من نفس الدورية وسيتقاسمون المبلغ فيما بينهم. عندها بدأ الشرطي يسب ويلعن الممجموعة الاولى وسرعان ما ركبوا سيارتهم وانطلقوا خلف سيارة الشرطة الاولى مسرعيين

كان الفجر قد اكتمل
وكانت سيارة الشرطة الاولى تطارد سيارة
الشرطة الاخرى في شوارع بغداد للحصول على/ الغنيمة

وكنا نفر بسيارتنا المهلكة باقصى سرعة
تجاه الحلم والعذاب


كادر

كان الليل في بغداد في تلك السنوات من نصيب الشرطة والأمن وجهاز الامن الخاص وكل قوى الديكتاتور الوحشية
لهذا كنا بمثابة الحمقى حين كنا نصور ليلا... وقد انتهت جميع المحاولات بالاعتقال
ففي فيلم مشروع تخرج طالب تونسي كان يدرس معنا في الاكاديمية .. وحين صورنا في احدى الحدائق العامة في بغداد ذات ليلة، توقفت قوى مرعبة ترتدي زي ( المغاوير) مع اسلحتهم، جمعوا اجهزتنا ووضعونا في سيارة وقالوا انهم سيأخذوننا الى مديرية الامن العامة
وهناك بدأ التحقيق والترهيب .. كانوا يرددون علينا السؤال التالي وبطريقة التهديد ( الا تعرفون مالذي خلف الحديقة !!؟) وكنا نقسم بهلع باننا نجهل مالذي يقع خلف الحديقة ولا ندري بالتحديد ماذا يقصدون. وظلوا يكررون هذا السؤال. الا ان اخبرنا احدهم بانه توجد مجموعة صواريخ للدفاع الارضي ولا ندري ان كان يكذب ام انه كانت هناك/ صواريخهم. لكننا لم نرى اي شيئ. وقد ارعبوا التونسي الطالب حين اخبروه بانه جاسوس لبلده. وهكذا للصباح حتى امتلأنا بالرعب والتعب. حين نقلونا في سيارة الى وسط بغداد وتركونا هناك.
واثناء تصويري لفيلمي الوثائقي الاول ( كاردينيا) في ازقة الحيدر خانة. انتهى التصوير في مركز الشرطة
والكثير الكثير من المشاهد المصلوبة
ورعب وبلاد
واحلام
واله تأخر كثيرا برحمته على بلاد الماء واللطم والكتابة
وما زال يتأخر
كعادته المميتة
........................................................

الفيل

 

 
 

 

 
 

الصفحة الرئيسية