|
فيلمه "فودكا ليمون" اختتم
"أيام بيروت السينمائية" فكان "درس السينما"
هونر سليم:
لا يربطني بالأرض سوى حذائي
وذاكرتي الكردية بيضاء باستثناء لباس والدتي الأسود
في ختام الدورة الثالثة لـ"ايام بيروت السينمائية" مساء الاحد
الفائت، عُرض فيلم "فودكا ليمون" للمخرج هينر سليم. لعل السبب
الاول وراء اختياره لاختتام المهرجان جودته وتميزه كعمل ينتمي
الى السينما في زمن أصبح هذا المقياس فيه نادراً او سمة
الاعمال التي لا تصل المتفرج. الا ان تفصيلاً آخر جعل من عرضه
في الختام مهرباً ما من قواعد التصنيف، الجائرة في أحيانٍ
كثيرة. فالمهرجان معني بالانتاجات العربية وبرغم ذلك، عرض في
دورته المنصرمة افلاماً غير عربية لتناولها موضوعات عربية. الا
انه امام "فودكا ليمون"، وقف حائراً. كيف يصنفه؟ فالاخير أُنجز
بإنتاج فرنسي وصُوِّر في قريتين كرديتين في ارمينيا وكتبه
وأخرجه مخرج كردي، عاش بين كردستان العراق وايطاليا وفرنسا.
لعل "فودكا ليمون" تذكير ضروري بين فترة واخرى بمعنى السينما.
انه "درس السينما" اذا جاز التعبير، ليس من موقعه الفني بقدر
ما هو من موقع اكتنازه لمعنى حرية السينما وتفلتها من اي تصنيف
مسبق. لعل هذه المقدمة لم تكن لتصبح ذات أهمية لولا طبيعة
العمل نفسه، إذ يحار المتفرج ايهما استعارة للآخر: الحياة
الانسانية ام السينما. في معنى آخر، هل السينما اختزال للحالة
الانسانية وتعميم كوني لها اينما وُجدت؟ أم ان تلك الحياة تمنح
من جوهرها معنىً للسينما؟ في ذلك المكان الذي يضع سليم فيه
شخصياته وأحداثه، تنتفي الجنسيات واللغات والحدود، فلا يعود اي
منها هو الهوية او التعريف عن المحيط. فقط تلك التجربة
الانسانية التي تحياها الشخصيات تصبح هي الخيط الذي يربطها
بالحياة ويربطنا بالسينما. والمخرج لا يفعل شيئاً سوى تحسس
الحياة من حول اولئك حتى عندما تبدو الاخيرة معدومة. تلاحم
عجيب بين إصرار الشخصيات على الحياة وقدرة السينما على الخروج
من شرايين تلك الحياة. تفاصيل صغرى تربط شخصيات الفيلم بالحياة
كلها بعيدة غير ملموسة: ذكرى حبيب رحل عن الدنيا، مراسلات عزيز
بعيد، ذكريات من زمن مضى... إنه الأمل. الأمل بالحياة رغم كل
شيء. الامل البعيد غير المحسوس والغامض والمجهول الذي يقوم
عليه كنه الوجود الانساني. وكاميرا سليم المتابعة بدون تدخل او
كلمة او تعليق تلك الحيوات المعلقة على آمال ورغبات صغرى تقول
في نهاية المطاف ان الحياة ليست سوى الشغف بها. فهي، الكاميرا،
تطرح باستمرار أسئلة تصب في نهاية المطاف حول العيش والحياة.
فهي إذ تتابع الرجل المسن في زيارته اليومية قبر زوجته والمرأة
المتوسطة في قطعها المسافة عينها في الصقيع والثلوج من مكان
عملها في كشك لبيع الفودكا وحتى المقبرة ذهاباً وإياباً كل يوم
والرجل في قطعه مسافة طويلة لاستلام رسالة من ولده.. فهي انما
تؤكد ان الرابط بالحياة شيء مجهول غير مدرك ولكنه هناك في
داخلنا. من هنا ربما تتلاحم تجربة المخرج بتجربة شخصياته. فهو
إذ يحاول استعادة بداية تشكل علاقته بالسينما يتذكر مرحلة
قضاها في الكهوف وبين الجبال، يرويها في حديث الى "المستقبل"
قائلاً:
"أعتقد علاقتي بالسينما وُلِدت في الطفولة من دون ان اكون
واعياً لذلك. عندما هربنا، عائلتي وأنا، من الجيش العراقي من
مدينتنا عقرة، استقرينا في الجبال وعشنا لبعض الوقت في الكهوف.
كان والدي مفتوناً بالشعر، فكان يقرأ لنا كل ليلة من الشعر
الكردي الكلاسيكي. لم أكن آبه كثيراً بذلك حينها الى ان فتح
امامي ذات يوم كتاب شعر يتضمن لوحات فنية وكانت تلك المرة
الاولى التي ارى الرسم فيها. وشرح لي والدي ان الشعر ألهم تلك
الرسوم التي مازلت أذكر انها لنساء جميلات بلباسهن الملون.
بدأت أسمع الشعر بينما انظر الى الصور وأحفظ. وثم بعد عودتنا
الى المدينة، تعرّفت الى التلفزيون للمرة الاولى ايضاً الذي
كان خالي قد اشتراه في اوائل السبعينات على ما أذكر. كانت كل
الصور المبثوثة تمجيداً لصدام حسين وأحمد حسن البكر وأغاني
القومية العربية. عندما انتهت صدمة الصورة الاولى، صرت أسأل
نفسي: لماذا هذا الجهاز يتكلم العربية فقط بينما انا في
كردستان؟ والواقع ان الفكرة الاولى التي خطرت لي هي اختراع
صندوق، اي جهاز، يتكلم الكردية ويتحدث الى اهلي. ربما فكرت ان
علي ان ادرس الكهرباء او ان أصير مغنياً ينشد أغانيه بالكردية
على التلفزيون... اي ان فكرة السينما لم تكن واضحة ولكن كل تلك
الافكار والأسئلة، اكتشفت لاحقاً، تصب فيها."
برغم ذلك، لم يدخل سليم السينما الا آواخر التسعينات بعد ان
كتب السيناريو الاول له عام 1997. "في الفترة الاولى، مارست
الرسم" يقول ويكمل "بعض الجامعات في العراق لم يكن يقبل
بالاكراد بسهولة لذلك هربت مطلع الثمانينات الى ايطاليا حيث
درست هناك ولكن ليس السينما ومن ثم انتقلت الى فرنسا."
اذا كان "فودكا ليمون" بما يحمله من تجربة انسانية عميقة هو
تعبير عن الحياة في اشكالها كافة، فإن المخرج يؤكد "لا املك
أية فلسفة اريد تمريرها من خلال السينما. افلامي تبدأ بجملة او
بصورة وليس من شيء ذهني او رأي فكري. وأقولها لك بصراحة، أبدأ
الكتابة ولا أعرف الى أين سأصل او عن ماذا اكتب وذلك لا يتغير
حتى بعد اكتمال السيناريو. فأنا الى الآن لا اعرف عن ماذا يحكي
فودكا ليمون!" أقول له انه يحكي عن الحياة وتواصل التجربة
الانسانية بصرف النظر عن المكان والجنسية. يطرق مفكراً ثم يقول
"لست موضوعياً ابداً. اي ان اختيار ارمينيا لتصوير الفيلم ليس
محاولة واعية تماماً لمحاولة نفي الحدود والهويات. أحياناً
أنسى من هي شخصياتي ومن اين تأتي. وفي أحيانٍ اخرى اكون واعياً
تماماً الى انها كردية."
في تقديمه الفيلم ليلة الختام، قال سليم جملة واحدة: "في كل
مرة أبدأ بكتابة سيناريو، اقول لنفسي سأصوره في كردستان وفي كل
مرة اكتشف من جديد استحالة ذلك." لماذا تكرر ذلك وانت تدرك في
العمق انه غير ممكن؟ أسأله. "أحتاج الى خداع نفسي" يجيب.
"أحياناً تكون هذه الفكرة الوهمية هي التي تحركني لأكتب. هناك
دائماً طاقة إيجابية، تدفعني تثيرني فأبدأ من الملموس، كردستان
ربما، وأبحر بعد ذلك لا أعرف الى اين."
برغم تحرر الفيلم من الانتماء الى مكان محدد او افكار معينة،
لا يسع قارئه سوى البحث عن ملامح دالة على رموز ذات صلة بمكان
او بثقافة او بجنسية والسؤال: الى اي حد يشبه اولئك شخصيات
عرفها المخرج في طفولته؟ ما هي الصور التي يحملها من كردستان
ويكررها في افلامه؟ "ذكرياتي عن كردستان كلها بيضاء باستثناء
لباس والدتي الاسود." هل يقصد بـ"بيضاء" الفرح؟ ام الضبابية؟
لا يجيب يكتفي بالقول "الاسود هو كل ما اورثنا إياه نظام
العراق." لعل من هذا الكلام، ينطلق الفيلم بمزيج من الفكاهة
الساخرة والدراما. الاولى تنبع من الموقف او من طبيعة بعض
الشخصيات اللاذعة والثانية من مصير الشابة التي تمتهن البغاء
وتشكل صدمة الفيلم غير المتوقعة: "أحتاج الى قليل من الفكاهة
الساخرة لأنها من آداب اليأس. كما انها تعكس نظرتي الى الحياة
والسينما. اما عن الصدمة الدرامية كما اسميتها، فهي جزء من
طريقة كتابتي السيناريو بحيث لا أكشف كل العناصر المتعلقة
بالشخصيات او بالأحداث. أضيفي الى ذلك ان سيناريو فودكا ليمون
ليس كلاسيكي التركيبة. فهناك شخصيات تظهر ونلاحقها لبعض الوقت
ثم تختفي لنعود اليها لاحقاً. أعتبر ذلك ممارسة حريتي في كتابة
موضوعي بالطريقة التي اريد وليس بالاسلوب الذي يفرضه شباك
التذاكر او الصناعة." لا يستغرب المخرج ان يجد دائماً الطريق
الى انتاج افلامه كما يريدها هو "فلنقل انني محظوظ. استطيع عمل
افلامي بالطريقة التي اريد وان اعمل في البلد الذي ارغب."
ويشير الى ذلك التنوع في جنسيته وجنسية افلامه بانه "فخر
لأوروبا ان تنفتح على الفن والثقافة بما هو نقص كبير
لبلداننا." على ان ذلك الكلام على الجنسية والهوية يقلق سليم
بعض الشيء لجهة تبسيطه الامور: "الاعلام ينظر الى موضوع جنسيتي
وجنسية افلامي من منظار تبسيطي يحد من افق السينما. انا كردي
مثلما هذا ماء وذلك هواء. اي ان ليس في الموضوع إيجابية او
سلبية. استطيع ان اعمل فيلماً عن الرياضة او الموسيقى او عن
قصة في اليابان. لم أقل لنفسي يوماً ان كرديتي تحتم عليّ
معالجة القضايا الكردية. الآخرون يذكرونني بأنني كردي بنظرة
ربما او بموقف كأن أُمنع من دخول تركيا مثلاً. لا أحمل أية
رسالة حول هذا الموضوع ولا أهرب من كرديتي كما انني لا أركض
نحوها."
يؤكد المخرج انتماء سينماه الى الحالة الانسانية "التي تهمني
بصرف النظر عن الحالة الكردية. في أرمينيا، رأيت اشياء هزت
مشاعري وهذا ليس نتاج حالة فكرية او ذهنية. احياناً يمكن فتاة
ترقص في الملهى ان تهزني وتدفعني الى الكتابة. أقصد ان السينما
عندي هي تعبير عن كل اتجاهات الانسان ليس الفكرية فقط."
يوافق سليم على علاقة السينما بالمكان وعلى ضرورة ان تحمل
خاصيته. "فودكا ليمون" هو في احدى حالاته التحام مع ذلك المكان
الخارج منه، سواء أهو ارمينيا ام القرية الكردية فيها ام الناس
المزيج من اكراد وارمن وروس. على ان ذلك الالتحام يأتي من دون
ادعاء. فهو أقرب الى نقل رائحة المكان اي كنهه الذي يصعب وصفه
بكلمات ولكنه يضرب عميقاً في الاحساس. يبدو غريباً ذلك الاحساس
في ظل جهل المتفرج بالمكان وغربة المخرج عنه كذلك. كيف نشعر
بتلك الخاصية بينما نحن لا نعرف القرية ولا أهلها؟ وما ادرانا
انها بالفعل خاصية المكان؟ كيف يشيد المخرج احساسه ذلك بالمحيط
من دون ان تبدو نظرته خارجية او مقحمة؟ وفي المقابل من دون ان
يدعي المعرفة؟ هل هو الاحساس الاولي الذي يقوده؟
"لا أسأل نفسي اي سؤال" يقول مجيباً "من شأنه ان يحدد رؤيتي او
احساسي بحسب مقاييس جاهزة. لا أنظر بعين الغريب الى اي مكان
ولكنني أدرك في اعماقي انني غريب في كل مكان حتى في بيتي. في
داخلي منبّه. أحياناً يصح الشعور الاول وأحياناً لا. اباشر
العمل عندما أشعر انني فهمت شيئاً، التقطته وأستطيع قوله
بعيداً من اي تحليل سوسيولوجي او سيكولوجي. أحكي عن الانسان في
كل مكان." من هنا ربما، وُصِف الفيلم في صحف عدة بأنه افضل
تعبير عن ارمينيا بعد الشيوعية. وكتب أحدهم في البرازيل، انه
كان ليظن أحداث الفيلم وشخصياته برازيلية لولا الثلوج التي
تغطي المكان. "الفقر عامل مشترك بين مناطق كثيرة في العالم
والظرف الانساني في ظله يبدو موضوعاً كونياً. ولكن هذا لا يمنع
إضافة خصائص المكان حيث تجري الأحداث."
بالعودة الى السؤال الاساسي الذي يمكن استشفافه من الفيلم حول
درة السينما على التحول استعارة لحياة بكاملها، يبرز سؤالاً
آخرآً جوهرياً: أيهما كان دافع المخرج الى سينما من هذا النوع؟
هل هو ترحاله الدائم ام هي نظرته الى السينما كفنٍ يحتوي
العالم؟
"أعتقد ان هذه السينما نابعة من إحساسي بأن ما يربطني بالارض
هو فقط حذائي. عدم الاستقرار والمنفى وبمحاذاتهما السينما هي
مكونات حياتي والسينما التي أصنعها."
توقف الحديث مع هينر سليم هنا. كان على اهبة الاستعداد للحاق
بطائرته الى فرنسا. ولولا ذلك، كان يمكن ان يطول لساعات حول
آرائه الطازجة غير المسبقة والصريحة. فهو إذ يهم مغادراً، يكتب
لي عنوانه الالكتروني راجياً ان ارسل اليه المقالة. ثم يعترف
بهروبه في مرات كثيرة من المقابلات والأسئلة "لأن الإجابة
تتطلب أحياناً ساعات او لأنني أخاف ان افتح نفسي وأقول
الحقيقة. لا أعرف كيف أقول الحقيقة ولا أريد قولها. ليست عندي
اية مقولة او رسالة او حتى نموذج لعالم افضل أقدمه الى غيري.
أعيش في الفوضى التي يعيش الانسان فيها منذ ملايين السنين...."
ولعل من جماليات "فودكا ليمون" انه غارق في تلك الفوضى الجميلة
التي برغم عبثيتها أحياناً تبدو حقيقية ومفهومة وقريبة من
الاحساس بعيداً من اي ادعاء.
.............
المستقبل
بعد "فودكا ليمون"،
للمخرج الكردي العراقي هينر سليم
يحق لنا نعلن بفرح..
أن
سينمائياً
واعداً
قد ظهر من بيننا!
قيس قاسم
في عالم السينما، هناك قلة من المخرجين قادرين على
انجاز
أفلام ناجحة، بأدوات تقنية بسيطة ومصادر مالية شحيحة، المخرج
العراقي الكردي هينر سليم واحد منهم. بل قد يكون واحداً
من القلائل الذين حرصوا، على الرغم من كل الظروف المعقدة التي
تحيط بانتاجهم،
الحفاظ على التوازن القلق بين الموضوع والمستوى الفني العالي
لأفلامهم.
التراجيدية الكردية في "فودكا ليمون"
كما في فيلمي "تحيا ماريا، تحيا كردستان"،
و"أحلامنا الضائعة"،
مضى المخرج هينر خلال فيلمه الطويل الثالث "فودكا ليمون"،
في عرض مأساة شعبه الكردي، منطلقاً
هذة المرة من حكاية حب بين عجوزين أرملين، يعيشان في قرية
كردية نائية وبائسة في جمهورية أرمينيا، بعد سقوط الاتحاد
السوفيتي.
من هذة القرية المغطاة بالثلوج،
والمعزولة بمناخ قوقازي بارد وموحش، المسكونة بعدد قليل من
الناس الفقراء، أخذ سليم كامرته هناك،
ليقدم عالماً
مثيراً
لأبناء جلدته، يجمع فيه الواقع والخيال، الكوميديا والدراما، باقتصاد
أكبر من السابق في حركتها وحركة الممثلين الواقفين
أمامها،
معتمداً
كثيراً
هذة المرة على اللقطات الثابته، الأقرب للقطة الفوتغرافية،
ليجمد فيها المشهد، فينسجم مع الركود واللاحراك المحيط بحياة
الناس في القرية. فالحركة اليومية فيها تكاد تنحصر بحركة الباص
المحطم والعتيق،
الذي ينقل العجوزين
"هامو
ونينا"
إلى
مقبرة القرية التي تبعد عدة كيلومترات عن سكنهما. هامو (رومين
افينيان) يذهب
إلى
قبر زوجته التي غادرت الدنيا قبل سنتين، ينظفه من الثلج،
ويقضي دقائق هناك،
يشكي لها تعبه وصعوبة عيشه دونها، ويخبرها عن أحوال ابنها الذي
ترك القرية،
وذهب مهاجراً
إلى
باريس، يكتب لهم رسائل يعبر فيها عن حبه لها وللعائلة. في حين
تلوذ نينا (لالا ساركيسيان) بالصمت وهي تقابل شاهدة
زوجها، وتتطلع بفضول بين لحظة وأخرى
إلى
الرجل الذي يحادث زوجته في قبرها. تتكرر الزيارات،
ويعود كل
إلى
بيته دون
أن
يتحادثا، ولكن ثمة تصعيد درامي، رومانسي هادئ، بين الاثين،
يشتغل عليه الفيلم بطريقة غير مباشرة، يتمثل في عرض حياة
العجوزين فرادى.
فـ
هامو عسكري سابق في الجيش الأحمر، تقاعد قبل سنوات، راتبه
التقاعدي الحالي لا يكفيه، فيضطر لبيع حاجات بيته قطعة بعد
قطعة، في الوقت الذي تنتظر القرية كلها بفارغ الصبر وصول
مساعدة مالية من ابنه المهاجر
إلى
فرنسا. أما نينا فتعمل في كشك لبيع الفودكا على مفرق طريق
القرية المهجورة، أسمه فودكا ليمون، تعيل براتبها ابنتها،
عازفة البيانو التي تعمل في
إحدى
فنادق المدينة،
تتقاضى مقابله طعاماً
وليس راتباً!
وما يتبقى من راتب الأرملة
لا يكفي حتى لدفع تذكرة الباص، فتطلب من السائق في كل مرة تصعد
فيها
إلى
تأجيل الدفع للمرة القادمة، لحين نفاذ صبره، فيرفض طلبها في
المرة الأخيرة. في هذة اللحظة تأتي فرصة الأرمل هامو ليبادر
ويدفع لها ثمن التذكرة والمستحق عليها من ديون سابقة للسائق،
فيبدأ فصل جديد من العلاقة بين الإثنين،
ظن المشاهد
أنه
لن يأتي
أبداً.
هذا التكرار البطيء والمتكرر والمناخ البائس الذي يلف الطرف
الظاهر من حكاية العجوزين، يجعل من فيلم " فودكا ليمون" فيلماً
ناجحاً،
بسبب
اعتماده
على لغة سينمائية محبوكة ومنسوجة بأدوات فنية،
تبتعد عن التصعيد الدرامي التقليدي،
الذي يعتمد على الحدث وحركة الكاميرا النشطة والمؤثرات
الخارجية في تجسيده سينمائياً.
أسلوب سينمائي خاص
لقد
اتخذ
سليم لنفسه
أسلوباً
متميزاً،
خاصاً
به، بدأت ملامحه في فيلمه السابق
"أحلامنا
الضائعة" وتكرر هذة المرة،
ليسمح لنا دون تردد
أن
نمنحه صفة الخصوصية.
إنه
الأسلوب
الغرائبي الفكه، المعتمد على الدعابة في تقديم التراجيدي من
الموضوع عبر بساطة وغرائبية الصورة. فالصورة عند سليم تسبق
التمثيل والحركة، هي وسيلته لتوثيق التفاصيل الموجودة في
داخلها مع
انسجام
مع الواقع الغريب واللامعقول لدرجة بؤسه. فالعالم المقدم للكرد
في جمهورية
أرمينيا،
يبدو كأنه غير العالم الأوربي اليوم،
إنه
أقرب
إلى
عصور بعيدة،
نسيتها
بقية أوربا المتحضرة. بل بعيد حتى عن الاتحاد السوفيتي قبل
سقوطه، وهذا ما يكرره هامو في
إحدى
حوارته مع قريبه:
"في
ظل الهيمنة كان عندنا كل شيء!",
ويجبه صديقه:
"ولكن
كانت تنقصنا الحرية!".
بين الحرية والسلطوية وبين الشبع والجوع يتحرك سليم في منطقة
يعرفها جيداً،
رغم بعدها جغرافيا عن نشأته الكردية في العراق وهجرته منها قبل
بلوغه سن الرشد
إلى
باريس، حيث من هناك بدأ مشروعاً
سينمائياً،
جهد
أن
يصور مصير قومه، الذين تنازعتهم الجغرافية والسياسية، وتركت
مصائرهم مفتوحة على كل الاحتمالات. في ظل تراجيدية منسية كالتي
عاشها الكرد، ليس هناك أفضل من الدعابة وسيلة لتقديمها، ومن
بعد، وهذا هو المهم قبولها عند المشاهد. لقد عرف سليم بحسه
الفني هذة المعادلة الصعبة،
فاشتغل
عليها، مستعيناً
بمعرفة لتاريخ هذا الأسلوب
السينمائي الذي بدأه شابلن وتوزعت فيما بعد خصوصياته على
العديد من السينمائيين.
فهم متوازن للقومي والانساني
حتى يتجنب الوقوع في السطحية الدعابية،
فيضيع الموضوع الأساس
للفيلم، ظل سليم يربط بشكل واعٍ
بين الموضوع القومي والوسط الاجتماعي
الواسع، المتحركة في داخله شخوصه وعوالمهم. فأفلامه الثلاثة،
وبشكل خاص "فودكا ليمون" لم يخل من رصد للمتغيرات السياسية
والاقتصادية، وتأثيراتها على الشعب الكردي سلباً
وايجاباً.
أي محاولته الواعية للابتعاد عن تقديم أفراد الشعب
الضحية، كقديسين وأبرياء لا تمسهم الخطايا وعواقب التغيير.
فالشر والخير بين الكرد، مثله مثل بقية الشعوب، والفقر هو
المحفز للكثير من السلوكيات الجديدة في قرية الكرد الأرمينية.
أبناء كثر سيهاجرون بحثاً
عن الثروة والمال،
وحيتان كبيرة شرهة،
بدأت
استغلال
الناس فيها، كما يحدث لأبنته الارملة نينا،
حينما تضطر
إلى
منح جسدها لصاحب الفندق سداً
لرمق جوعها. وحديثو نعمة يسامون هامو على حاجياته البسيطة
المعروضة للبيع بطريقة لئيمة لارحمة فيها. وأيضاً
المرأة المهانة والتابعة ضمن سياق تقاليد عشائرية راسخة
التخلف. بالرغم من حقيقة هذه
الصورة،
يبقى سليم بوعي على حزمة ضوء
انساني
ساطع،
مثل الجبال المحيطة بالقرية والمكسوة بالثلج الابيض البراق.
يبدو لي هنا
أن
المخرج هينر أراد متعمداً
خلق مفارقة بين الجزء الطويل من وقت فيلمه
والطاغي فيه فصل الشتاء القارص،
وبين نهايته التي تتزامن مع بداية فصل الربيع. فقد حرص على
استخدام الضوء الطبيعي الأبيض
بقدر كبير، في الوقت الذي كان ينبغي
أن
تسود مكانه العتمة،
وهنا ثمة علاقة أراد ابرازها، تربط بين المناخ الداخلي المعتم
السائد وبين النوايا الطيبة الطموحة في نفوس الناس الطيبين،
والتي سيجسدها هامو بقراره الرافض لبيع بيانو ابنتة حبيبته
وارجاعها
إلى
البيت في مشهد سريالي، يظهران فيه الارملان وهما يقودان
البيانو كعربة متحركة على الطريق الاسفلتي،
ويغنيان سوياً
أغنية مرحة،
كان سائق الباص يكررها طوال الطريق. ان الحفاظ على درجة شد
إنتباه
المشاهد
إلى
فيلم بطيء وخالٍ
من التصعيد الدرامي المحفز، يثير الدهشة حقاً،
وتحليلاً
للأسباب الواقفة وراء ذلك،
ستحيلنا دون شك
إلى
قدرة الكوميديا بكل تنوعاتها،
على خلق مناخ نفسي يعوض كثيراً
عن عناصر درامية أخرى،
وبطريقة بسيطة في كثير من الأحيان.
لكن تبقى موهبة المخرج في تحريكها وتوازنها ضمن العرض، واحدة
من المؤشرات على قدراته الاخراجية،
التي بدونها لن يتحقق
أي
فيلم جيد، وهذا ما لا يفتقر
إليه
هينر سليم، بل هو أهم ما يمتلكه من كفاءات سينمائية واضحة،
تضعه بجدارة بين مجاميع المخرجين الناجحين. لذلك يحق لنا اليوم
وبعد مشاهدتنا فيلم "فودكا ليمون"،
على صالات العرض الأوربية
الكبيرة
أن
نعلن بفرح:
إن
فناناً
سينمائياً
واعداً
قد ظهر من بيننا!
اسم
الفيلم: فودكا ليمون
أخراج: هينر سليم
تمثيل: رومين افنيان، لالا ساركسيان،ايفان فرانيك،
روزان مسروبيان وأخرون.
انتاج:
فرنسي، سويسري،
أرمني مشترك
اللغة: الكردية والروسية والارمينية.
.........
تيريز دوت كوم
|