فراديس .. ثقافة حرّة

 

 

 

21.11.2004

fradees1@hotmail.com

باب الجنة

 

الأرشيف

 

سجل الشرف

 

 

اللصوص

خالد السروجي

alsrogy2002@yahoo.com

 
 
 

  الحارس

كان حامد المتزوج حديثا , يجلس علي المقهي وفق عادته الصباحية القديمة جدا. يتناول فنجان قهوته مع شيشة المعسل . وعلي المقعد المجاور يجلس الكلب الذي لم يكن كلبه, بطريقة تليق بكلب مميز. ويحمل في عنقه ميدالية عليها نقش خاص . وقد عرف حامد ان القرفة باللبن تلائم مزاج الكلب اكثر في في الفترة الصباحية فكان يطلبها له مع قهوته.

 لم يعرف لماذا احضروا له هذا الكلب ليقيم عنده , مصحوبا بتحذير بعدم محاولة طرده او مضايقته. وكان منظره ذاته يغني عن هذا التحذير. واكتشف من اليوم الأول ان هذا الكلب يتمتع بذكاء لا تتمتع به زوجته نفسها.

 كانوا قد حددوا بشكل آمر مكان إقامته, فوضعوا له سريرا مناسبا في غرفة النوم بحذاء السرير الكبير. وأوقفوا بحزم اعتراض زوجته علي هذا الاختيار. وعاني هو نفسه من هذا الوضع باستياء وضيق  , اذ لاحظ منذ اليوم الأول ان الكلب يراقب بشغف اجتماعه الحميم بزوجته, بينما هو عاجز عن طرده من هذا المكان . ولاحظ ان الكلب كان يزمجر كلما شعر هو بضيق من وجوده..

عندما انتهي من شرب قهوته ,و قام ليلحق بموعد عمله. ركب سيارة أجرة واجلس الكلب بجانبه . ومما أثار دهشته ايضا انه منذ المرة الأولي التي ركب فيها الكلب معه وسيلة مواصلات , ان أحدا لم يعترض علي ركوبه. وبعد تفكير عميق ارجع ذلك الي الميدالية ذات النقش المميز التي في عنقه.

 وعند وصوله الي مقر عمله استقر مباشرة علي مكتبه, بينما قبع الكلب علي مكتب مواجه له , كان رئيس مجلس الإدارة شخصيا قد امر بإعداده له علي وجه السرعة. وأتاح موقع المكتب المواجه تماما للكلب ان يلاحظه بشكل مريح. فكان يثبت نظره عليه دون التفات , وحتي انتهاء مواعيد العمل الرسمية و مصاحبته الي المنزل.وفي تلك الإثناء لم يكن حامد يفكر سوي في امور العمل ..  فقد تعلم درسا هاما من بعض التجارب السابقة ..ففي احد الإصباح , بينما يتصفح الجريدة علي المقهي أثناء احتساء قهوته , قرأ عرضا خبرا سياسيا استفزه , فطاف في ذهنه ان بلاده ليست ديمقراطية, بل ولا امل في ان تكون كذلك في المستقبل القريب. فلم يشعر الا والكلب قد انقض عليه وعضه في ذراعه.. كانت الإصابة شديدة , مما دفع بأحد رواد المقهي الي نقله للمستشفي لإسعافه, بينما رافقهما الكلب الذي وجه اليه وهو يتألم نظرات التأنيب القاسية ...

 وفي اليوم التالي  كان يجلس علي مقعدة الحمام , بينما وقف بجانبه الكلب علي قدميه الخلفيتين متجاوزا رأسه بقامته , وكان يفكر في ان ما تبقي من الراتب لن يغطي مصروف البيت حتي آخر الشهر. فشعر بالحنق , وتردد في نفسه ان اللصوص الرسميين وغير الرسميين لم يتركوا شيئا للناس ليعشوا عيشة كريمة . وفي تلك اللحظة فاجأته العظة الثانية , والتي أكدت له قدرات هذا الكلب غير الاعتيادية ..

 بعد ذلك التزم الحذر , ومارس علي نفسه رقابة قاسية فيما يتعلق بمثل هذه الأفكار. فلم يكن راغبا في عضة ثالثة بعد ان خالف القاعدة الذهبية ولدغ من الجحر مرتين ..وكان اذا أتاه خاطر ماثل يمنع نفسه من الاسترسال فيه , ويطرده فورا . فكان الكلب يكتفي في هذه الحالة بنباح خفيف , مصحوب بنظرة رضاء..واكتشف حامد بمرور الوقت ان لهذا الكلب العجيب قدرات اخري بخلاف قراءة أفكاره, اذ كان يتمتع أيضا بالقدرة علي الإيحاء له بأفكار معينة عندما تلتقي نظراتهما.

 وبعد فترة لم تطل كثيرا , شعر بالارتياح والتوافق مع الكلب , بعد ان تخلص من جميع الأفكار التي يمكن ان تؤدي للعض.

وذات يوم جاءوا ليأخذوا الكلب , وشكروه علي حسن ضيافته له . ولم يستجيبوا لرجائه بان يتركوه لديه , حتي بعدما تعهد لهم بان يعامله كواحد من أفراد الأسرة.

 ولم يندهش في الصباح التالي عندما لاحظ ان الناس في الشوارع يمشي كل منهم برفقة كلب , تتدلي من عنقه ميدالية ذات نقش مميز ..

 

___________________________

 
 

اللصوص

 

كيف استطاعوا الوصول إلى هذه الخرابة ؟!  ألح هذا السؤال على خاطره بعد أن ودع الرجل وأغلق الباب خلفه . المرأة والعيال لن يصدقوا أنهم سيرونه فى التليفزيون . صحيح أنه أبيض وأسود ولكن صورتها ستكون واضحة ، وسيتعرفون عليه بسهولة . لن يلوح لهم بيده كما يفعل جمهور كرة القدم ، إنما سيجلس بوقار يتناسب مع بطل . لقد أنسته السنوات ومتاعب الحياة أنه بطل . قام يعبث فى أحد أدراج الدولاب . أخرج صحيفة اصفر ورقها . نظر طويلاً إلى صورته وإلى اسمه المكتوب تحتها . وحكت أيضاً عن ساقه التى بترت فى الحرب وكيف لم تقعده عن الرغبة فى مواصلة القتال ، لولا أن أجبروه على الكف . شعر بالسخونة فى ساقه المبتورة ، وكأنها قد بترت الآن ، وأحس بسخونة الدم النازف. واستعاد الإحساس القديم بأنه على استعداد أن يفقد ساقه الأخرى فى سبيل أن يروى غليله من اليهود. كان على استعداد لأن يفقد ألف ساق . ولكن ما أدراك بفقد ساق واحدة ، وعذاب المهانة بها فى المواصلات والزحام .

وعدوه بسيارة معاقين ، ولكن مضت السنوات ولا شىء يأتى. فى هذه الخرابة لا تأتى سوى المرارة ، وأيام متشابهة ، وامرأة لا تمل من المطالبة بالمال . المرتب شحيح ، ولولا كشك السجائر بعد الظهر ، لمات الجميع جوعاً .

ولكنه رغم كل شىء بطل . سيظهر فى التليفزيون ، ويحكى عن بطولات فى حرب النصر . سيقول فى البرنامج أن ألف ساق ليست خسارة من أجل وطنه . وسيحكى لهم عن زملائه الذين استشهدوا، وكيف تعيش أسرهم فى ضنك . سيطالب المسئولين بمساعدتهم . ولكن قبل أى شىء لابد من ملابس جديدة لائقة للظهور فى التليفزيون . سيذهب إليهم بعد الغد ، والأسمال التى يرتديها ربما جعلتهم يطردونه من على باب مبنى التليفزيون . ولكن الظروف لا تسمح الآن بشراء الجديد ، والمرأة سليطة اللسان لن تسكت ولن يرحم لسانها الحاد .

اقترب من المرأة فى تودد ، وحاول أن يمازحها توطئة لطلبه. وجهها الجهم أقنعه بعبث المحاولة . طفت على وجهه ابتسامة ساخرة مريرة ، عندما جاءه خاطر أن الحرب مع اليهود كانت أسهل من حربه معها من أجل النقود . قرر الدخول إلى الموضوع مباشرة .

- الظهور فى التليفزيون يحتاج إلى ملابس جديدة .

_ وما دخلى أنا بذلك ؟

- سأقترض من مصروف المنزل حتى يفرجها الله .

- المصروف يكفينا بالكاد .

- أعدك برد المبلغ سريعاً .

- لست على استعداد لأن يجوع " عيالى " بقية الشهر من أجل ملابسك الجديدة

حاول معها بشتى الطرق ، لكنها كانت صلدة كصخرة . يأس أخيراً من الاستمرار فى الكلام . قرر أن يكف عن محاولاته ، ويبحث عن طريق آخر .

تذكر شقيقه الأكبر . رجل ميسور الحال . لن يمانع فى إقراضه المبلغ المطلوب ، ولن يطالبه سريعاً برد المبلغ

عندما عاد من عند شقيقه ، أخفى المال عن عيون المرأة . قرر أن يشترى الملابس فى الصباح . ستفاجئ حتماً بالملابس الجديدة ، وستسأله عن مصدر المال ، ولن يريحها بالإجابة .

فى يوم التصوير ، أخذ إجازة من العمل . ذهب إلى الحلاق ، وعاد عريساً . حدث نفسه وهو ينظر فى المرآة أن المرأة لو لم تكن تعلم بذهابه إلى التليفزيون ، لظنت أنه سيتزوج عليها اليوم . ولكنه اليوم بالفعل عريس ، أليس هو البطل الذى سيتحدث فى يوم النصر .

عندما عاد من التليفزيون ، كان سعيداً . جلس يحكى للمرأة والأولاد ما قاله فى البرنامج عن المعارك والبطولات والشهداء ، وأيضاً الدبابات الكثيرة التى دمرها . وحكى أيضاً عن ساقه التى بترت وكيف بكى عندما منعوه من مواصلة القتال . أخبر المرأة أن البرنامج سيذاع الأسبوع القادم .

فى ليلة إذاعة البرنامج ، اشترى لهم " اللب " وزجاجات المياه الغازية . لم ينس إخبار كل من يعرفهم بموعد البرنامج . حرص على أن يفتح التليفزيون قبل موعد البرنامج بأكثر من ساعة . لأول مرة فى حياته يشعر بالندم لأنه لا يملك تليفزيون ملون ليرى نفسه وملابسه الجديدة بالألوان الطبيعية .

عندما بدأ البرنامج أمرهم جميعاً بالإنصات وعدم الكلام . فهم من سير البرنامج أن هناك ضيوف آخرين . أسهبت إحدى المطربات فى الحديث عن دورها فى المعركة بالأغانى الحماسية التى رددها الشعب والجنود . وتحدث ممثل شهير عن فيلمه الذى مجد فيه الانتصار ، وعن ضرورة قيام الدولة بتمويل فيلم عن الملحمة العظيمة يليق بحجم الانتصار . وتحدث أحد الضيوف العرب عن تأثير الانتصار على أسعار البترول ، وعن معركة البترول التى شارك فيها كل العرب . ثم شعر بالاضطراب عندما رأى صورته تظهر على الشاشة . احمر وجهه ، وزاد إيقاع ضربات قلبه . قبل أن يفيق من سكرته ، كان ضيف آخر يتحدث .

فوجئ أن حديثه لم يستغرق أكثر من ثوانٍ . وبكثير من الغضب اكتشف أن حديثه قد بتر . لم يأت حديث البطولات ، ولا حكايات الشهداء ، وربما لم يلحظ أحد ملابسه الجديدة .

استند على عكازه ، ومتثاقلاً قام يغلق التليفزيون ، وهو يشعر بآلام حادة تجتاح ساقه المبتورة .

 

 

 
 

الصفحة الرئيسية