|
كنت أعلم
بأنه سيعود سريعا ليأخذ علبة سجائره التي
نسيها وولاعته الفضية التي يتباهى دوما
بأنها هدية من أحد أصحاب المناصب الكبيرة
ولا أذكر اسمه, رغم أنه دوما يذكره أمامي
بتباهٍ و اعتزاز...
يطرق جرس
الباب فأقوم مبتسما وبيدي الولاعة وعلبة
السجائر, أفتح له الباب وأناوله إياها
وأقول: هل ابتعدتَ كثيراً قبل أن تتذكر
أنك نسيت علبة السجائر والولاعة ؟
ضحك
وأجابني : أنت تعلم مهما كانت المسافة
بعيدة يجب أن أعود, فهل تتصور أن بإمكاني
الذهاب لأي مكان دون ولاعتي هذه, يجب أن
يعلم الناس جميعاً أنها هدية من أبي يوسف.
- هل
ستدخل ؟
ضحك مرة
أخرى وقال: لو كنت تريدني أن أدخل لما
جلبتها معك للباب لتناولني إياها كأني
شحاذ يطرق بابك فتناوله شيئاً عند الباب.
- أنت
تعلم أني في فترة امتحانات وليس لدي وقت
لأسمع عن بطولاتك, أنا في غني عن خربشتك
على كتبي الجامعية التي جعلتها مثل حيطان
المدرسة.
كأن
كلماتي استفزته فأجابني : هذه التي تسميها
خربشات, غداً ستكون مبادئ الثورة عندما
تنتصر, والتف مسرعا يهبط الدرج وصوته
يبتعد معه وهو يقول : أنا ثورةُ , أنا
عاصفة.
أعود إلى
الطاولة التي كنا نجلس عليها, أنظر حولي
لأرى أين وضعت قطعة القماش, أبللها قليلاً
بالماء وأذهب باتجاه الطاولة لمسح خربشات
صديقي المجنون على الطاولة, فكل مرة
يزورني فيها أحتاج لتغيير غطاء الطاولة.
يعجز عن
الحديث دون أن يمسك قلماً ويخط لي كل
العبارات التي يحفظها من حرب الأفيون,
والثورة الفرنسية, وأيام الخمسينيات
والستينيات.
لقد حذرته
بل ورجوته أن يكف عن ذلك, وهو يصر على
أنها قيم ومبادئ يجب علينا أن نحفظها حتى
نستطيع أن نستمر في حياتنا لنصل الثورة,
بل أنه يشدد على أن لا يكون كلامنا مجرد
حكم وفلسفة, لا بد أن نقوم بتطبيق كل ما
نقوله على أرض الواقع.
حتى أني
أشعر أحيانا انه لا يعي ما يكتبه, فقط
يحفظه عن ظهر قلب, فحتى خزانة ملابسي لم
تسلم من شعاراته التي لا يطبقها, لقد خط
لي على الخزانة عبارة للثائر الأرجنتيني
تشي جيفارا تقول : ( العالم لا يحتاج إلى
النصائح, بل إلى القدوة , فكل الحمقى
يتكلمون )...
إنه أحمق
... فقد حول أفكار الناس إلى شعارات يتسلى
فيها.
الساعة
السابعة صباحاً, أفيق وأدخل المطبخ لأضع
ركوة القهوة على الموقد وأكمل غسيل وجهي
وتنظيف أسناني.
أحتسي
قهوتي على عجل, وأتناول الكتب عن الطاولة
وأمشي مسرعا قبل أن تفوتني حافلة الجامعة.
يا إلهي
هذا الأحمق من جديد ودون أن أراه, قد أفسد
لي بخربشته البحث العلمي الذي من المفترض
أن أسلمه اليوم للمُحاضر, ماذا سأقول له :
صديقي أراد أن يقول لك : إذا الشعب يوما
أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر,
فخطها لك على ظهر البحث !!
لا بأس
سأحاول إعادة طباعة الورقة الأخيرة حين
أصل الجامعة, المهم الآن أن أصل قبل أن
تمضي الحافلة.
حتى جدران
الكلية لم تسلم منه, أجده يقف على باب
الكلية وبيده أوراق وحوله يقف عدد من
الطلبة يتبادل معهم الصور والملصقات,
أناديه من
بعيد: يا فدائي الجامعة, هل ستذهب معي أم
ستبقى ؟
يتجه نحوي
قائلاً : اذهب وحدك فعندي أعمال كثيرة
اليوم, يجب أن نقوم بتوزيع الملصق الأخير
في الجامعة, أنظر إليه كم هو رائع, أنظر
إلى لصورة كم معبرة عن هؤلاء الذين يموتون
بالعراق, وتلك العبارة القاسية.
- اسمهم
شهداء وليسوا هؤلاء, ثانياً قد لا أتمكن
من حضور حفلة عيد ميلادك اليوم فعندي
امتحانات كثيرة وعليّ أن أستعد لها, الفصل
في نهايته.
- اسمع :
كلنا عندنا امتحانات لا تختلق الحجج كي لا
تحضر, قل إنك تستخسر أن تحضر لي هدية, لكن
لا تقل لي امتحانات فكل زملائنا سيحضرون
الحفلة, ثم إن الحفلة لن تأخذ من وقتك
أكثر من ساعة, تمضي بعدها لاستكمال دراستك
يا محامي المستقبل.
- سأحاول
قدر استطاعتي أن أحضر, أعدك بذلك, وسأحضر
لك هدية ستعجبك.
أركب
الحافلة باحثاً عن كرسي فارغ أجلس فيه,
فأجد صديقته تجلس وحدها فأبادر بسؤالها :
هل تنتظرين أحداً ؟
- وهل
هنالك غيره أنتظره, ألم تره ؟
- بلى
رأيته, لكنه سيتأخر فعنده أشياء كثيرة
يعملها, سيقوم بتوزيع ملصقات, وبعد ذلك
سيدعو الزملاء لحفل عيد ميلاده اليوم.
- صديقك
هذا مجنون, اليوم عيد ميلاده والمفروض أن
أظل معه طوال اليوم, لكنه قد تركني أذهب
للبيت وحدي حتى دون أن يقول لي بأنه
سيتأخر وتركني أنتظره ساعة في موقف
الحافلات, والله إن صديقك هذا مجنون.
أضحك في
داخلي على عصبيتها, وكأنها اليوم قد
عرفته, وكأنها ليست هي التي لم تُبقي
وسيلة ممكنة كي تكلمه, وكما قال لي بأنها
صارحته بأنها تحبه منذ أن دخلا معا للكلية
ولكنها كانت تنتظره أن يأتي ليكلمها, لكنه
لم يأت, فاضطرت لكسر القاعدة والعرف وجاءت
هي وفاتحته بالموضوع.
لقد كانت
مبهورة هي الأخرى بشعاراته التي تملأ
جدران الكلية وكراسي الحافلات ومقاعد
الجامعة, حتى التدفئة وجرس إنذار الحريق
في الكلية كان قد كتب عليه أيضاً.
كسر صمتي
مع نفسي دمعة سقطت من عينها, لم أطق رؤية
هذا المشهد الدرامي الحزين من أنثى رقيقة
مثلها فبادرت بسؤالها: ما بك, هل هو السبب
؟.
كأني كنت
أعطيها حافزاً لتنطلق بالبكاء, فقالت : لا
أدري ما الذنب الذي ارتكبته حين أحببته
حتى يعاقبني بهذه الطريقة, إنه يملأ
كراساتي الجامعية بشعارات الحب, كتبي وحتى
الكتب التي كنت أستعيرها من المكتبة كان
يملأها لي بشعارات الحب وأبيات الشعر
الغزلي والثوري, لكنه اليوم يدعو جميع
صديقاته إلى حفل عيد ميلاده وهو يعلم
مسبقاً أني أكره حضورهن, لقد قال لي : لا
أرى غيرك أنثى في العالم, فلماذا إذاً دعا
صديقاته لهذا الحفل, وأكملت بكاءها بصمت.
همومها
أيضا مشروعة ومن حقها بأن يكون لها وحدها
فقط ... في أن تتوحد فيه ويتوحد فيها,
فلماذا لا يطبق ما يكتبه من شعارات, حتى
نافذة الحافلة لم تسلم من خط يده, فعبارة
(حين رأيتك, قررت اغتيال جميع النساء
بحياتي ) لا تزال مخطوطة أمامي وبخط يده,
ما يدل أنهما قد جلسا في ذات الكرسي معاً
وهذا ما يفسر اختيارها الآن لهذا الكرسي.
وصلت
البيت وبدلت ملابسي واستعديت لأن أخوض
الآن رحلة نوم بعيدة عن كل الشعارات
الزائفة, رحلة ربما تعطيني القليل من
السكون بعيداً عن أجواء صخب هذه المدينة
الإسمنتية بكل مقوماتها, مدينة لا تعرف
الحب, وتصادر المشاعر من القلوب لأجل
المادة.
أفقت
كالمجنون الذي مسه شيء, رنين الجرس
المتواصل منعني من الدخول إلى حديقة بيتنا
البعيدة, التي منذ اخترت مكرهاً هذه
الغربة لم أدخلها إلا في الأحلام, لا بد
أنه هو, فلا أعرف أحداً يجرؤ على قرع
الجرس بهذه الطريقة إلا هو ورجال الأمن.
أفتح
الباب فأجد ملامح التوتر على وجهه.
- ما بالك
كالهارب من مخبر ؟؟
أجاب :
بسرعة أرجوك أنا على عجلة من أمري, أريد
استعارة بعض الأشياء من عندك للحفلة.
فبادرته
قائلاً : حفلة !! عن أي حفلة تتحدث ؟
- ما بالك
هل نسيت, إنه عيد ميلادي اليوم ؟0.
- أعلم
أنه عيد ميلادك, وأعلم أنك قد دعوت
الأصدقاء وصديقاتك أيضاً, لكن من المفترض
أنك ثوري ووطني وقومي ولا ادري ماذا تسمي
نفسك أيضا, وتراعي شعور الآخرين, ألم تسمع
اليوم الأخبار !!! هنالك أحد عشر شهيداً
قد قضوا في مجزرة ارتكبها الاحتلال في
غزة, فعن أي حفلة تتحدث يا صديقي المفعم
بالشعارات الوطنية.
- قال :
وماذا بوسعي أن افعل في إسرائيل هذه التي
تسرق فرحنا, هل أطرد أصدقائي ؟ هل تريد أن
أقول لهم : أنا أسف فإسرائيل لن تسمح لي
بأن أقيم حفل عيد ميلادي لأنها تقتل أبناء
شعبنا في غزة ونابلس وجنين ؟؟ ماذا سيقول
أصدقائي عني ؟؟ رجعي متخلف !!
- أعطني
الأكواب والإبريق أرجوك أنا على عجل من
أمري.
- بالفعل
أنت مثل الأنظمة العربية لا ترفع إلا
الشعارات الكبيرة , وحدة , حرية ,
اشتراكية , قومية , إسلامية , ولا أدري
ماذا أيضاً, لكن حين يجد الجد تكن أول من
يهرب من شعاراته, فأول من فتح السجون كان
أول من رفع شعار الحرية, وأول من طالب
بالانفصال ودعم الانفصاليين كان أول من
ادعى الوحدة العربية, وأول من عذب
المعتقلين السياسيين والمعارضة هو أول من
رفع شعار الديمقراطية وحقوق الإنسان.
- أرجوك
أجل محاضرتك في القيم والأخلاق هذه لمرة
أخرى, فأنا على عجل الآن.
- هي
بالمطبخ اذهب وخذ ما شئت, لكن ليكن
معلوماً لديك أني لن أحضر احتفالك
التاريخي هذا, لكني سأقوم بواجبي الذي
يمليه علي هذا المجتمع السخيف الغارق في
احتفالات السوبر ستار وأعياد الميلاد
واحتفالات طهور الأطفال, وأمريكا تمارس
التطهير العرقي في بلادنا.
- أنت حر
المهم أنا قمت بواجبي أيضا ودعوتك.
فتح الباب
حاملاً ما جاء ليأخذه من حاجيات ومضى
مسرعاً باتجاه بيته حيث يعد لاحتفاله
الروتيني كرئيس عربي نجح كعادته في
الانتخابات بنتيجة 99,9999% .
وقفت أمام
الباب, كان صوت الأغاني يُسمع من أخر
الشارع, وضحك الحاضرين يكاد يصل لما بعد
ذلك, طرقت الباب, ففتح لي أحد الأصدقاء
وقال بصوت عالٍ ليسمع الجميع : احزروا من
حضر ؟؟
قاطعته
قائلاً : لا تنادي أحد فأنا ذاهب, فقط
أعطي هذه العلب الثلاث له, وقل له
بالنيابة عني: (عقبال المائة عام).
جاء
مسرعاً وقال : هل قررت أن تشاركنا ؟
- لا, لكن
جئت كي أوفي بوعدي لك, فهذه هديتك .
- ما هذه
العلب الثلاث, وما هذه العبارات الرائعة
المطبوعة عليها,
تناول
العلب الثلاثة مني , وقال مستغرباً :
لماذا هي خفيفة الوزن
- افتحها
وسترى, لكن قبل أن تفكر في فتحها اقرأ
المكتوب عليها من الخارج
بدأ
بقراءة الشعارات التي كتبتها له على
الغلاف الخارجي للعلب
( إنها
لثورة حتى النصر ) (إن الإجابة الوحيدة
على الهزيمة هي الانتصار ) (من يعش في خوف
لن يكون حراً أبدا) ( أمة عربية واحدة ...
ذات رسالة خالدة ) ( الثورة لا تموت ...
لكنها تتجدد بالقلوب ) (ليست الأهداف
ضرورية لتحفيزنا فحسب ، بل هي أساسية
فعلاً لبقائنا على قيد الحياة)
صرخ بصوت
عالٍ , أنت رائع, الآن بدأت أشعر أنك
تفهمني والدليل أنك تحفظ شعاراتي وتكتبها
على علب الهدايا.
قلت له :
افتحها, فليس لدي وقتاً لأضيعه معكم فعندي
امتحانات.
فتح
العلبة الأولى فوجدها فارغة فبادرني
بابتسامة وكأنه فهم أني أمازحه.
فتح
العلبة الثانية فوجدها أيضا فارغة.
وفتح
العلبة الثالثة وكانت ملامح وجهه تتبدل,
وابتسامته بدأت تغوص بين علامات سؤال
يطرحها دون أجوبة.
قال : هل
نسيت وضع الهدية في العلب ؟
قلت :
كلا, هذه هي هديتك .
- إنها
فارغة
- ولكنها
مغلفة بشعارات
- لقد
قرأت الشعارات عليها من الخارج, ولكن أين
المحتوى ؟؟
تجاهلت
كلامه و مضيت عائداً لبيتي ...
|