لليلى
قلبٌ رماديٌّ ..
وانبلاجاتٌ آسرة ..
تطيّرُ _ كلَّ ليلةٍ _ أسرابَها ..
نحو برارٍ
أشيدُ عليها خرائبي ..!
حمائمُها البيضاءُ ..
ترفرفُ فوقَ أعشاشي ..
مطهّمةً ..
بعراقةِ الكرستالْ ..
وتمرجُ في ألقٍ ..
قِواميَ الرمليَّ ..
بانكساراتِ سلالمي ..!
لألاءَ
كزبدِ الضوءِ ..
تنثرُ علائقَها الناريّةَ ..
على مَحطَبةِ الروحِ ..
فتشتعلُ أصابعي المطفأة ..
وأنا الممرَّغُ بأتربةِ الوهْجِ ..
كثيراً ما أصيّرُها ..
رقىً ...
تنجي من مهالكَ الحكمةِ ..
عند استبسالِ السّدومْ ..!
يتذوّقُها لسانُ قلبيَ ..
لها طعمُ النارِ ..
على ألسنةِ الفوانيسِ ..
سيلانُ الظمأِ القامحِ..
من حواصلِ الماءْ ..
فحيحُ البحّةِ الكبرى ..
تزحفُ على بطونِ الناياتْ..
أكادُ لا أعزفُني ..
على أعوادِها المورقة ..
حتى تتموسقَ هالاتُ حُلُمي ..!
تفدّرُ الغشاواتِ الطريّةِ ..
عن سُدُفٍ توصدُني ..
تشرّعها ..
إلى أقصى مُدَدِها ..!
تزيلُ بصماتِ العتمةِ ..
عن مقابضِها ..
لتطغى رغائبُ الضوءِ ..
على تيجانها المتبّلة..
بمساحيقِ النجوم ْ ..!
وإنْ توهّجتْ مضاميرُها..
_ طابَ مُقامُ ناسوتِها _
تملّحُ بذوراً كنّا نخصّبها ..
زفْراً ..
بمطرِ الأنفاسِ ..
صريفِ وجَعِ الحالْ ..
لينبتَ الشجرُ الدريُّ ..
بأرياشهِ الذهبيّةِ ..
في محاجرِ عمانا الأبديّ ..!
حيثُ الجواهرُ القصيّةُ ..
في العمَهِ المقيمِ تزهرُ ..
تملأُ شقوقَ الرمّانْ ..
بأسئلةٍ ..
عن سُرّادِ شمسٍ مؤلّلةٍ ..
لم يستطعْ تجفيفَ دمِ العرائشِ ..
بأحواضِ المعرفة ...!
تلك التي شاقني وجهُها ..
مهرةٌ
من بناتِ الروحْ ..
ما هزّتْ جدائلَها ..
قبضاتُ الريحِ ..
كثّفتْها صنابيرُ الفتنةِ ..
حتى تفايضتْ ..!
غوايةٌ
من شفيفِ البنفسجِ ..
لم تدركْها خيولُ الشعراءْ ..
ولا هي علّقتْ رقائقَها ..
على نواصي قصائدِهمْ ..
وعلةٌ
لا تألفُ ذئابَها ..
أوحشتْها صحارى الغربةِ ..
ولمّا هاجَ قُرارُها ..
عجِزَ عن ترويضها
عتاةُ السحرة ..
وعن قولها يوماً ..
تمائمُ العرّافينَ ..
حتى قواريرُ الحكماءْ ..
تلكَ المحشوّةَ بكلِّ شيءْ ..
قد خلتْ من رمادِها ..
الرماد الذي آلَ إليهِ جسدي ..!
مرحلةٌ قصوى ..
ما كابدتها مجازاتُ العارفينْ ..
والنسّابون الذينَ قضَوْا..
قبلَ ولادتها ..
ذُهلوا لخضرتِها ..
فما شجّروا سيرتَها الأولى ..!
لكنّي حقاً أعرفُها ...
ذاتَ القلبِ الرماديِّ ..
والقبلةِ الساخنة ..
عن رُسُلِ الحزنِ إلى مملكتي..
ورِثْتُ أهدابَ سجّادتِها ..
قبلَ أنْ تتشكّلَ المجرّاتُ ..
في خرائطِ مَنْ لم يعتلوا
كوكباً ..
منذُ توضُّعِ ذاكرةِ النسيانْ ..
طبقةً ، طبقةْ ..
في بطونِ الحيتانْ ..
بعد أنِ اشتعلتْ ثلوجُ الصحارى
تحتَ أقدامِ الحصى ..!
حيثُ غطّتني قشورُ المطرْ ..
منذُ ألفِ عامِ جوعٍ..
تقريباً ، وعامْ ..
حين تجمّدتْ كثبانُ الرّمالْ
كأحلاميَ الخضراءْ ..!
مكعباتِ ثلجٍ أسوَدَ ..
لا حوافّ لها ..
حينئذٍ استوطنتْ النيرانُ
ثغورَ فمي ..
فعرفتُ كيفَ أعرفُها ..!
وكيفَ أرمي بأحجارها ..
جامَ نوافذي ..!
وصرْتُ أتلوها على مسمعي ...!
كانتْ كلمةً بدئيّةً ..
مغسولةً بلبنِ الغزلانْ ...
ترفُّ على وجهِ الحبرِ ..
بلا ريشٍ
ولا صولجانْ ..!
عقيقُ الضبابِ المتشاهلِ ..
يرشحُ من عيونِ لوزها العشبيِّ ..
مكوّناً
بقعةً
من زيتِ الأرضِ ..
تصلحُ لانزلاقٍ آخرَ ..
ولانكسارٍ وشيجْ ..
حطّتْ قُبيلَ تفتتها ..
على أغصانٍ شلّخها خريفيَ ..
فإذا بها قطاةٌ ...
لها حزنُ القبّرات ْ ..
ودونَ تبدُّدٍ من كلماتي ..
أوعزتُ لسَدنةِ القلبِ المحطَّمِ ..
وللقائمينَ على سمائهِ الثامنة ..
أنِ اجعلوها كما أشتهي ..
قصيدةً حوراءْ ..
تتوالدُ من فمِ مشكاتها ..!
تلامسُني خلجانُ مواقدِها..
إنِ استبدَّ بعظامِ صخريَ
البردُ ..
وإنْ امتصّني إسفنجُ الغِناءْ ..
تتوضّعُ قطراتُها ...
فوسفوريّةً ..
على بتلاتِ الأزمنة ..
تينعُ عصائرُها ..!
ما أمعنتْ في تلاشيها الأرضُ ..
تتوسّعُ ما شاءتْ بصائرُها ..!
وليكنْ في صلصالها الذي تجبلونْ
عاجِ ملكوتها ..
من رهَفِ الماءِ ..
خصُلاتٌ ، ودفقٌ غزيرْ ..
حتى إذا سطعتْ قامتُها ...
تَرَهْوَكَتْ مفاصلُها ..
تزاحفتْ ثمارُها ..
نحوَ أثمارِها ..
فاكهةً ..
تبذلُ ما طاحَ من لذيذِ إغرائِها ..
لجنّةِ النشيدْ ..
ترجرجُ دمَهُ الباردْ ..
تعنيفاً معنَّفاً ..
تضطربُ من بِكْرِ عذوبتهِ ..
محارقُ الاشتهاءْ ...
وحينَ تتكاملُ دورتُها الناقصة ..
بفضلِ الهسيسِ المطهَّرِ ..
لمزاميرِ عهديَ الجديدْ..
تتلاحمُ بساتينُ لحمِها الأخضرْ
في رفقٍ يصّاعدُ تماسكاً..
كأثداءِ المرمرْ ..
على هيئةِ حبيكةٍ صلْدةٍ ..
من عطرِ القرنفلِ ..
حينَ يترنَّحُ سُكْراً ..
تحتَ إبطيّْ عذراءَ متبتّلة ..
تلكَ التي شاقني وجهُها ..
لم يبصرْ مشاهدَها ..
سَّدنةُ القلبِ النازفونْ ..
فصاحَ كبيرُهمْ :
وعيناها يا سيّدَ الحزن ..؟
قلتُ : لعينيها سِعةُ العَذابْ ..
يتفجّرُ من وقبيهما ..
عطشُ الأنهارْ ..!
فاغرفوا من عديدِ رؤيايَ ..
وأحزانِ مُلكي التي لا تنفدْ ...
من موسيقا برقيَ ..
وأمطاري ..
جداولَ رائقةَ الضفافْ ..
واسكبوها في يرموكِ عينيها ..
حتى تفيضانِ بأنواريَ الوانيَة ..
أقماريَ التي لا تغيبُ ..
واغسلوهما ..
بما تبقّى في خِوانيَ المضيافْ ..
من زيتٍ وزيزفونْ ..
غارسِينَ على شطّيهما ..
حدائقَ غنّاءَ ..
من زنابقِ بخورِ الشِّعرِ ..
تظللُ ينبوعينِ زغردا ..
تفايُضاً ..
منذُ غابرٍ لنْ يجيءْ ..!
فينجذبَ إليهما الحمامُ ..
والغمامْ ..
الحسَاسينُ ، والبلابلْ ..
وكلُّ مناقيرِ الأرضِ ..
وأقواسُ السماءْ ..
تنقرُ من سنابلِ أسراري ..
قمحاً نثرتهُ ..
عبْرَ فصولِ عينيها ..
جنّتيها المتفتحتينْ ..!
أمّا فمُها..
ذلك المكتنزُ ..
كسهولِ حوران ..
بالحنطةِ وأصنافِ الكرومْ ..
المدجّجُ بالياقوتِ الأحمرْ ..
ذي الطراوةِ التي لا تعرفونْ ..!
انحروا على بوّابتيهِ ..
قطعاناً ..
من أيائلي الوحشية ..
نعاجِها المحشوّةِ بكنوزي ..
تلكَ التي لا يساورها الهزالْ ..
فما إنْ يتوامضُ جمرُ دمي ..
حتى يتشقشقَ ياقوتُ الشفتينْ ..
يتنفّسَ من بينهما الصبحُ ..
كاشفاً ..
عن عِقدينِ متلألئينْ ..
من بياضِ الروح المدَّخرْ..
البياضِ الذي لا يصدأْ ..
وحينَ أنجزَ السدنةُ أسوارَها ..
ورفعوا على عاتقيها الجِرارْ ..
مملوءةً ..
بعتيقِ النبيذِ البلديِّ ..
وبأقراصٍ من عسلِ العرارْ ..
صارَ هتافيَ الأولُ والآخرُ ..
اسمَها الذي لا يرينْ ..
ولا اسمَ لليلى ..
بالمعنى العريقِ لِما تألفونْ ..!
إنْ هوَ إلا أيقونةٌ معتّقةٌ ..
منْ تعلّقَها في ليلةٍ ظلماءْ ..
يؤولُ للبقاءْ ..!
نقشٌ من شؤونِ العَظَمة ..
به يستوي مجدُ المعلَّقاتِ ..
ويكتملُ الكتابْ ..!
وهاأنذا أقرأُ سِفْرَ تكويرها..
أبلّغُهُ جموعَ الطيرْ ..
كهنةَ المعابرِ ، والمجامرْ ..
شيوخَ التكايا ، والزوايا ..
وكَمَنْ يشهدُ ارتطامَ ريشتهِ ..
بدوّامةِ ريحْ ..
أتطوّحُ في أكوانها ..
ملتقى الولاداتِ ..
والنهايات..!
وأسحقُ الغريرَ منْ فراشاتِي
كلماتِيَ الطازجة ..
على بِلَّوْرِ ملحِها الصخريّ ..
أفرشُ بحُبيباتي دروباً ..
لا تطرقها ليلى ..!
فليلايَ التي سُررتُ بتكويرها
خرافتي التي آمنتُ بحذافيرها
لم تتبخّرْ مياهُها الباردة ..
كما أنبأتْ فناجينُ القهوةِ ...
لتمازجَ بروقاً ..!
كنتُ أسكبُها ..
على بلادٍ تسكنها ليلى ..!
وعندما اكتظّتْ ببهاءِ ضجيجِها ..
أضلاعيَ اللّولبيّة ...
نحتتْ من عذاباتي مسرَّتها ..!
عامتْ في بحوريَ ..
زمناً ...
ثمّ ألقتْ فيها حجراً ..
ومضتْ ..!
صحْتُ بها مفدّغاً ألمي :
ليلى ليس عدلاً ..
أنْ تعبري سماءً
قابلةً للسقوطْ ..
دونَ أنْ تعلّقي على مشجبها
قمراً
يعينُ على انتشالِ النجومِ ..
أنْ تغادري وادياً
غيرَ ذي شعرٍ ..
ولا تتركي رسماً ..
يعلّمُنا كيفَ نفتتحُ القصيدْ ..!
أيتها الحديقةُ المعلّقةُ ..
على صدر النشيدْ ..
يا ذات الوصفِ والعصفِ ...
انتظريني الليلةَ ..
عند ساقية الريحِ التي تحملني..
نغتسلُ برهامِ الشعرِ ..
ذاكَ الذي يتهاطلُ من فمي ..
زادي من نفيس التمرِ..
وتلكَ الدفقةُ القمراءُ ..
راحلتي ..
ليلى , وأشتقُّ مثلكِ ..
من النسيانِ معرفتي ..
اصطحبيني أيتها الوضّاءةُ ..
أسوسُ فجرَ العمرِ خيلَكِ ..
أروّضُ على مروجيَ أمهارَكِ ..
أجني حليبَ أزهارِكِ ..
تفرشينَ فوقَ أوراقكِ ..
أوْجُعي ..
وتخططينَ إنْ شاءتْ مقاديرُكِ ..
مشروعاً مباركاً ..
تشيدينَ من حُجيراتي النبيلةِ ..
مشغلاً
لبناتِ أفكاركِ ..
وليكنْ انفراطكِ حوليَ..
ساعةَ التجلّي ..
كحبّات الرمّانْ ..
كي يلامسَ وهجيَ وجهَكِ ..
لكنّها ما سمعتْ ..!
تكوّرتْ كنابض الفولاذِ ..!
على حقولها المرضعة ...
اتخذتْ لفراغِ صدرِها ..
قلباً رمادياً ..
ورحلتْ ..!
ومازلتُ أخبزها ...
أرغفةً ..
من نجيلِ الروحْ ..
لأطعمَ قصائدَ تتضوّرُ ..
حزناً ..
منذ أنْ أحرقتْها رمضاءُ الغيابْ..
فشروقُها الرائقُ ..
يبزغُ كقرصِ الشمسِ ...
من الرواق الخلفيّ لأزمنتي ..
كلما أمعنَ في مسيليَ ..
حفراً ...
معولُ الليل ...
شاقني وجهُها...
فأعيدُ تكويرَها ...
من جديدْ .. |