|
طوالَ الليل
مثل نبع ٍ يشربُ نفسَه
كنت أريدكِ أن تتعرفي على الفرق ِ بينَ
رجُلين
أحدهُما يقودُ النهرَ من عُنقه الطويل
بينما يتَحدّث الآخرُ عن إشارتِك
التي لا يمكن أن تكون موجودةً من غيرك
أو أنها موجودة ٌ لسِواكِ
وأنها تلزمُكِ مثلما يلزِم الماء القدح
حدث هذا عندما حَدّثتك ِعن قبيلة من البدو
تاهَت في الجبال
وضَربَت خيامَها على القمّة
أتذكر انك لم تُشيري إلى شيء
ولكنك أخيرا قلتِ :
لا بأس , كلّ ثمرة تضلّ الطريق إلى
شجرتِها
انظري , إننى اكتُبُ كما أتحدّث تماما ً
ولن أجِدَ ما يدعوني إلى تفادي الكافَ
ونُقطتها
عندما خرجتُ لم تكن مخطوطَتي معي و
و لم أتذكرَ أنى قلت :
إنها نفْسي وانّ لنفسي يدا ً ترفعُ بها
القدَح
أو تُواجِهني على الطاولة
كما كان يفعل صديقي جاسم مانع في هور
مجنون1
قبل أن يذهبَ ليعودَ بقدمِهِ التي نسِيَها
في الأرضِ الحرام 2
ومن هناك رأيناهُ يطيرُ دونَ أن يبتسِم
لأن نفسي كانت تترُكني جريحاً في الملجأ
و تَظهرُ في شارع ٍ مُزدحم
لم تكن تُخبرني أنها كانت تُريدُ لصوتي
أن يَخرُج من فمِها
أو أن اشرَبها مثل نبعٍ يشربُ نفسَه
ولا حتى أن أقودَها كما أقودُ النهر
من عُنُقِه الطويل أو ساقِه الوحيدة
كانت تقول : السعادةَ هي أن تتذكر انكَ
لستَ حطاباً
لتُطارد الشجرةَ من غابةٍ إلى أخرى
ولكنكِ منذ ثلاثةِ أيامٍ تكمُنينَ حولي
وتتركينني أتفقدك كلما وجدتُك
كالأب الذي يتفقد أبناءه صَبيحَة اليوم
التالي مِن الحرب .
لماذا إذن تُغَطينَ قدَحي بماءِ نفسِك ؟؟
لماذا تُهدّدينَ الكتابَ بجيشٍ من
الأفكارِ العاطِلة ؟؟
انظُري إلى الثمرة
ستسقطَ مِن تِلقاءِ نفسِها وترتطمُ بالأرض
ولكن المسافةَ التي تَفْصِلُها عن الأرض
تساوي تماما الوقت الذي يفصل صَيْفَينِ
طويلين عن بعضهما البعض
انه الزمن الذي تسْتغرِقه نظرتكِ التي
تخرُج من نفسِك
قبل أن ترتطم بالثمرة
ومع ذلك وجدتُك ، وشربتُك
هل قلتُ ذلك من قبل ؟
صدّقيني , لم أتذكر مخطوطتي يوما
لأنني كنت احملها معي دائما
وليس كما أخبرتُكِ قبل قليل
ولو تركتها هناك في مجنون مع نفسي
لكانت الآن تَدهن نسيانكِ بكيمياء مضادة
أو تهتفُ بي :
إنها جميلة كعبور لا يصل إلى نفسه
أريدك أن تعرفي الفرق
بين الصيف وجماداته
وبين الجماد ونفسه
و أن تعرفي
انه كان جميلا مثل لغز ميتافيزيقي
هل قلت لك هذا من قبل... ؟
لقد ترَكَ أمي
مثل
أعمى
يقودُ
خِزانة ً
منْهوبَة
لم يكن قد سمِع بنقطةِ الكاف
ولكنه قال وقد عاد للتوّ من الحرب:
أُريد أن أُحصِى ثَباتي
أُحصى مسّاحينِ هَرمين خَلّفوا آلاتهم في
مَلاجئَ مُجاورة
و ناموا في النقّطة
كان يقول : السرابُ جمالٌ مُعَوّق
...
أيّها المُروّضون خذوا البزاة كلّها
وامنِحوني هذه الرّهينة التي تلزَمني
كما يلزَم الماء القدح
لا تقولي شيئا , فقط أصغى إلي ّ ..
أتحدثُ عن ذئبٍ أشعثَ يُطاردني من
جملةٍ إلى أخرى
ويجعلني أتحدّثُ عن السلام الذي يُشبه
هُدنة الحطّاب
هل تُصغين إليّ الآن ؟
أتحدثُ عنه أيضا , الرجل الذي كان يريد
لصوتي
أن يخرُج من فمِه :
ومع هذا كان كلّما تطلع إلى القدح قال
انه يَغرقُ في ماء نفسه
وكان يقصد انك تقفين
مثل شجرة
تقفُ
وثمارها
غائبة
...............
مجنون : اسم لمنطقة جنوبي شرق العراق
تحوّلت إلى جبهة للحرب العراقية الإيرانية
في عقد الثمانيات من القرن المنصرم ,
وفيها أصبت إصابتي الأولى في الحرب وفقدت
جمهرة واسعة من الأصدقاء
الأرض الحرام : يُطلق على الأرض التي تفصل
المتحاربين , وعقب انتهاء المعركة تبدأ
عملية إخلاء القتلى , وهي عملية لا تقلّ
خطرا عن المعركة ذاتها
|