فراديس .. ثقافة حرّة

 

 

 

خاص بالزاوية

fradees1@hotmail.com

باب الجنة

 

الأرشيف

 

سجل الشرف

 

موت بستان بعيدا عن بئر القدّوسة

التشكيلي والشاعر العراقي : صلاح حيثاني

salahhithani@hotmail.com

 

 

 

 

 

 اتركوني المس حافة البئر
اتركوني استرجع الشال ذا الطواويس واقسم بالعباس بأني سأراكم في السعدية قبل هبوط الظلام
دعوا يدي تلمس غيابها
قال بستان موجها كلامه إلى الرجلين اللذين يصغيان إلى بعضهما ولا يتكلّمان البتّة ,
ورغم المحاولات التي بذلاها لم يتزحزح بستان عن حافة البئر قبل أن يستردّ بعضا مما بقي منها في ذاكرته.. بل لقد كان يفكّر في إمكانية أن يستردّها من ذاكرة الجميع ويستردّ نظرتها من جميع الأشياء التي وقعت عليها .
وبعد أن يئس الرجلان تركا بستان فريسة لمزاجه الحاد قرب البئر التي كانت قد طمرت تماما بالحجارة الضخمة والطابوق الفرشي الذي اخذ متطوّعون يجلبونه من سوق الزينبية إلى باب الطاق على عربة يسوقها حمار ضامر ليكملوا دفن قرّة العين.
بعد يومين تذكّر محسن النقيب انّه شاهد أثناء طيرانه وقبل ان تلوّح له المرأة من نافذتها رجلا نحيلا يجلس قرب بئر القدّوسة , وبعد رجوعه إلى جناح الجوشن الكبير سأل عنه , فقيل له انّه بستان الرجل الذي جاء من طويريج ليكون قرب قرّة العين , وبعد مقتلها لم يعد يفارق البئر أبدا رغم تعرّضه لسخرية العابرين وأحيانا لركلاتهم الموجعة , بل لقد قاده رجل بلحية كثّة وعمامة بيضاء صغيرة إلى الأمام عون وربطه إلى صندوق القبر من يديه وقدميه بأمر من الكليدار .. وما أن حلّ صباح اليوم التالي حتى وجدوه ثانية قرب البئر يخاطب قرّة العين بصوت يرتعش من فرط الجوع :
انهضي أيتها القدّوسة واركضي بقدميّ
انّ دانيال لم يجد لخاتمه إصبعا سوى بنصرك يليق به , والغائب ذاته يكفّ عن موته كلّما تطلّع إلى حضورك فيه .
عندما شاهد ( حجّي حنّوف ) و( رضا العطار ) مايفعله بستان بنفسه أخذاه بالقوّة بعد أن استعانا برجال بعثهم الكليدار لهذا الغرض , صرخ بستان : انه الوقت يا حجّي حنّوف
فأجابه الحجي : خذ ساعتي ذات الأشرعة واستعن بها عليه . ثم وضعها في جيبه
التفت بستان إلى رضا العطار وصرخ ثانية : انّه خاتمها يا عطّار
قال العطّار : خذ خاتمي ذا الفصّ الصيني واقرأ عليه ( ناد عليا مظهر العجائب تجده عونا لك في النوائب ) وسيريح الله قلبك , ثم دفعه إلى جيبه . واركباه الربل الى المتوجّه إلى طويريج
بعد خمس محاولات للهرب والعودة إلى كربلاء قرّر حجي حنوف ومجموعة من أهالي السوادة أن يربطوه إلى نخلة تتوسّط بيوت القرية ليكون أمام الجميع
( حدّث رجل من عين التمر قائلا )
حين ترك إبراهيم العيني حجر حفنة وقصد خان النخيلة , شاهد قرب بئر القدّوسة وهو يحوم في طيرانه حول كربلاء رجالا بعمائم ملوّنة يقتادون رجلا ضامرا بالقوة إلى مؤخرة ربل يقوده جوادان , وبسرعة استطاع أن يعرف انّه بستان فلطالما حدّثه محمد زمان عنه عندما كان يرشده كيف يعزّم على حروف حجر حفنة ليجد الحرف الضال قرينه ويتعانقان في طاسة الغيب .
انتظر إبراهيم حتى خرجت العربة من الباب الجنوبي لسور كربلاء وأخذت تنهب الطريق باتجاه طوريج فهبط حتى صار قريبا منها واخذ يشاكس حجي حنّوف ورضا العطّار اللذين أخذا يصرخان مرعوبين اوّل الأمر ثمّ تمالك الحجّي نفسه وصار يبسمل ويقرأ المعوذتين , غير أن إبراهيم العيني كان يطير بمحاذاة الحصانين ليخيفهما وكلّما لمسهما , صرخ الحجي بأعلى صوته ( قل أعوذ برب الفلق من شرّ ما خلق ) فيجيبه إبراهيم : لاتدوس على الجنّي ولا تقول بسم الله الرحمن الرحيم .
يئس حجّي حنّوف من الجنّي الطائر وتركه يهبط في مؤخرة العربة قرب بستان الذي لم يبدو عليه الاكتراث , ثمّ خاطبه :
_ هل أفك قيدك ونطير معا إلى عين التمر , هناك سيكتب لك محمد زمان حرزا بالحبر الزاجي إذا زوّجت نونه بهائه لا تلمس قدماك الأرض أبدا .
غير أن بستان كان يراقب منائر كربلاء الذهبية وهي تستدقّ وتصير كالخيط المشتعل قبل أن تذوب .
لم يكن يأكل شيئا أبدا , وحتى المحاولات التي بذلتها أكثر نساء القرية فتنة والتي امتدحها الحجي أمام العلوية أم بستان لم تفلح في حمله على منح الطعام ولو نظرة فلقد كان منهمكا في تكريس نفسه وضغطها في المجال الذي تعبره النظرة وهي في طريقها إلى طاسة الغيب , وكل ما كان يفعله طيلة النهار, أن يتوسل إلى سيد يحيى الشخص الوحيد الذي يمتلك قلما في السوادة ليمنحه إياه وكواغد سمراء كانت تأتي البضاعة ملفوفة فيها إلى العطّار , ومنذ اليوم منحه سيد رضا قلمه لم تنقطع مناجياته ورسائله إلى قرّة العين.
ثلاثة أسابيع لم يلمس الماء جسده , كان يقول إن الماء يمسح اثر نظرتها عن بدني , ومرات أخرى يجعله العطش وجفاف أمعائه يتلوّى تحت النخلة دون أن يفكّر في شرب الماء , لأنه اعتقد أنّ الماء عندما يخرج سيخرج معه اثر أنفاسها التي ذابت في الكأس قبل أن يشربه .
في فجر احد الأيام الباردة التي كانت تميّز قرية السوادة بعد أن تنضح حقول العنبر شذاها , تذكّر حجي حنوف ورضا العطّار بعد مرور ستة وعشرين يوما من وصول بستان إلى طويريج أنهما منحاه الساعة ذات الأشرعة والخاتم ذا الفص الصيني الأسود وذهبا في ذات الوقت ليسترجع كل منهما حاجته وكأن هتافا باطنيا حملهما منوّمين وطاف بهما القرية حتى لمست أقدامهما كتف الشطّ , وتطلّعا معا إلى الجسد النحيل والهاديء وهو يقرفص تحت جذع النخلة ,
اقترب الحجي منه وهمس بصوت متهدّج : بستان .. بستان
لكن بستان كان يبدو عليه كمن أدرك على حين غرّة أنّ هدنة طويلة انتهت وهو بين أعدائه
رفع الكواغد ببطء من فوق الجسد المفتون بوحدته الحادّة كسكين ثمّ التفت إلى العطّار قائلا :
هل سندفنه هنا ؟
كان بستان يقرفص بحيادية كاملة وكأنه أنجز آخر شيء طلب إليه في حياته , كانت نظرته ثابتة وهي تمتدّ باتجاه حقول العنبر حتى أن الحجي لم يستطع مقاومة الإغراء في متابعة النقطة التي تتشتّت فيها النظرة , بل شعر فجأة ودون أن يجد تعليلا لشعوره هذا أن بستان دخل في نظرته ذاتها ونقل نفسه في ندائها الغامض إلى ابعد ما يمكن أن تصل إليه طاقتها .
هل سندفنه هنا يا عطّار ؟
لكن رضا كان يتطلّع إلى النخلة وهو يمسك خاتمه ويتفحّص فصّه الأسود ولا يبدو عليه انه سمع كلام حجي حنوف الذي استدار إلى جسد بستان الناحل وهو يتمتم :
نعم , هنا تحت النخلة في المكان الذي ستبعث فيه القدّوسة لتعانق جسد الغائب
 

 

 
 

 

 
 

الصفحة الرئيسية