فراديس .. ثقافة حرّة

 

 

 

خاص بالزاوية

fradees1@hotmail.com

باب الجنة

 

الأرشيف

 

سجل الشرف

 

رسالة أخرى في عبور الكائن

التشكيلي والشاعر العراقي : صلاح حيثاني

salahhithani@hotmail.com

 

 

 

 

 

لم يحدّث أحدا بذلك .. لأنه أراد أن يحتفظ بالتفاصيل لنفسه ، لكي يكون قادرا على استرجاعها كلّما انفرطت الحروف ومنازلها من حوله .
كانت المكتبة فارغة إلاّ من أمين القسم وفتاة لم يستطع أن يتبيّن ملامحها لأنها كانت تبدو له من خلال فجوات خزانات الكتب الضخمة مطرقة على كتاب أمامها .
لم يعد يدرك منذ متى وهو يواصل تحديقه الممتدّ في كتاب ( المباهج والمناهج ) للبسطامي ، لكن كان في وسعه أن يعرف من نظرات أمين القسم التي تتشتّت في أرجاء المكتبة بمجرد أن تلتقي بنظراته ، من أنّه كان موجودا في مكانه منذ ساعات طويلة .
حدّق في المخطوطة وقرأ في أعلاها بحبر العفص المائي ـ ( القلم الطيري ) ، وبدأ يتعقّب خطوطه حتى يشتبك المتن بهامش مكتوب بقلم نسخيّ نحيف . أدهشته الهيئات الطيريّة التي وضعها البسطامي وكأنه أعدّها ليطير بها بعد أن يزوّج منازلها بجسده .
تذكّر بستان وهو يحاول أن يتبيّن ملامح الفتاة المطرقة انه منح عبوره إلى النخلة وزوّج حروفه بحروفها ، و حتى عندما أراد أن يعبر قوسه الجسماني الزائل بالطاقة التي في نظرته منحته النخلة عبورها وطاقتها وانتقل ، وها هو الآن منذ أن وجد نفسه في هذه المدينة ينادونه ( آرام ) , وكم كان يدهشه حين يقبل مستسلما بهذا الاسم وكأنه يحمله منذ زمن بعيد بل وأحيانا يشعر بالفزع عندما يسرد حديثا طويلا عن فلكي عجوز يمسك بيده جواهر محروقة أو جنود غامضين يغسلون سراويلهم في النبع على أنّها ذكرياته الخاصة .
رفع عينيه عن المخطوط وتطلّع إلى شارع ( أودين كاتن )1 الذي تشغل المكتبة الدولية رقم ( 59 ) منه ثمّ ترك بصره ينعطف قليلا إلى شارع ( هاجه كاتين )2 حيث يقع محل عطّار صيني .
ستوكهولم مدينة شائكة .. هذا ما فكّر به لأول وهلة .. صفن قليلا ثمّ أردف بصوت متململ : إنّها تشبه قرن ايّل عجوز .
قلب الصفحة , وقرأ في أعلاها : القلم الهرمسي .. يا هرمس ادعوك أن تجمعني بها كما تجمع مساقط الحكمة في طاستك وهي موليّة الأدبار .
قال بستان وهو يتذكّر الشموع التي كانت تصنعها عمّته مطرة من مسحوق الطين والكبريت و النفط , وتوقدها طيلة الليل من حوله لتبدّد عنه الوحشة تحت النخلة .
كانت أمّه تذهب مع أوّل خيوط الصباح إلى كربلاء وعندما تصل مرقد العباس بن علي تقلب عباءتها وتزحف حتى صندوق الرفات الخشبي وتطلب منه أن يُرجع إليها بستان وأن يكفّ عن الصراخ : الهي .. اجمع حروفي بأعدادها لأتمكّن من النوم .
أمّا مطرة فكانت تقصد الشيخ المشهداني الذي صارت له شهرة كبيرة بعد أن ترك ( السوادة ) وعاف بستان ينزلق في مراتب الأشياء ومنازلها , احضر لها المشهداني بيضة وكتب عليها بالزعفران وبخّرها بلبان ذكر وميعة سائلة ثمّ صار يقرأ عليها كلمات كلّما حاولت أن تقبض عليها , انفرطت وتبدّدت في فناء البيت الواسع في ( عقد السادة ) وقال لها : احرصي يا مطرة أن تضعيها تحت عتبة الباب , فإذا عبرت سلمى من فوقها دون أن تكسرها . فلا تسلّم الشمس إلاّ وهي تعبر قوسها الجسماني وتموع حروفها في طاسة بستان . بيد أنّ قدمي سلمى المدرّبتين على تفادي مكائد سحرة كربلاء لم تخطئا البيضة في أكثر من عشرين مرّة .
نظر بستان من جديد إلى المرأة وحدس أنها تطيل النظر إليه بمجرّد أن ينشغل في قراءة المخطوطة , وكلّما أراد أن يفاجئها متلبّسة بالنظر , لم يصل سوى أن تتعمّق لديه فكرة انّها امرأة مطرقة أبدا .
تابع النظر في أقلام البسطامي حتّى أخذته نظرة مضاعفة إلى قلم نوح وصار يرى إلى خطوطها وهي تعبر بإشارات تستدقّ نهاياتها وكأنها حيازيم سفن غارقة في نفير الحبر العفصي .
كان يتوحّد في صمته أياما وهو يلبس بدنا غير بدنه ويحمل اسما غير اسمه . هل اختلط زمني
بزمن ( آرام ) , هل حملتني نظرة مضاعفة إليه , ولماذا يلوج مثلي , لماذا تطارده سلمى وتلمس غيابه بعقيقها الحيّ فيستيقظ حضوره .. حضوره الجمّ . يستيقظ مرّة واحدة وكأنه مدينة محاصرة برجالها ونسائها وأطفالها وآلاتها وجماداتها خلف الباب , وها هو الباب ينفتح بغتة فيتدفّق نزيف حيّ الى بدنه , تتدفّق إليه سلمى بأسمائها وحروفها وخاتم دانيال الذي في بنصرها .
إنني اشعر به وبتوحّده الأعزل , اشعر بأعراض الحبّ التي تجعل عينيه زائغتين وقلبه أرخبيلا من الأرواح الممزّقة .
لقد راقبته أياما وهو يدخل خلسة إلى غرفته ، يكتفي بضوء شحيح ينبعث من مصباح خارج نافذته ، يطرق طويلا أو يتلفّت في الفراغ الداكن وكأنه يحاول أن يلمس عصب الظلام ، وربّما يستلّ كتابا ويتصفّحه في العتمة بغريزته المدرّبة وكأنّه يقلّب العتمة ذاتها بعينيه ، أو ينظر من خلل
النافذة إلى شجرتي جوز ذكّره انتصابهما العريق بتشبيه للماغوط ( كأنهما خصمان متقابلان ) وأحيانا أشاهده يعبر شارع ( سفافي كين )3 لينعطف إلى ( هاك كاتن )4 حيث أرشده صديق إلى عطار صيني يبيع خليط أعشاب زهريّة خشنة كان في وسعه أن يرى تويجاتها اليابسة تنحدر على أوراقها الكأسية وكأنّها صيحة مجمّدة ، ورغم النباتات العطرية التي تفوح من الخلطة فأن مذاقها المرّ ورائحتها التي تذكّره برائحة نقود قديمة لم تتغيّر . كنت أشفق عليه وأنا أراه يتجرّع ببطء الشاي المستخرج منها , كان يقول لنفسه : إن الأعشاب تمسك بآخر حروفي قبل أن يتبدّد ويواصل جريانه في هذه المدينة الشائكة .
بيد أنّ آرام كان يطشّر نسيانه بإيماءات واسعة من يديه ، لأنّه لا يريد النوم حتى لا يستيقظ غيابها في بدنه.
تطلّع بستان إلى ساعة المكتبة ، ثمّ جمع أوراقه وهو ينظر من خلال خزانات الكتب إلى المرأة المطرقة و يفكّر بالجاذبية التي تنبعث منها وتجعل قامته تنحني إلى جهتها وكأنه موشك على الطيران . وهذا ما جعله يتذكّر إبراهيم العيني الذي لوّح بيديه طويلا وهو يواصل طيرانه إلى خان النخيلة بينما كانت القدّوسة تدفع برائحة بهاء قديم حجرا ضخما قذفه شابان عليها وهي تنام عميقا في بئرها .
قبل أن يخرج همس في أذن أمين القسم وهو يشير إلى المرأة المطرقة
: ــ إنّها القدّوسة .. وهي الآن تستجمع بهاءها لتنقضّ عليّ
لتنقضّ على آرام .



 

 

 
 

 

 
 

الصفحة الرئيسية