|
من خلف
هذه السكينة الشاملة , السكينة التي تشبه
أصابع مدربة على اللعب بالزمن والأبدية
كنت أراقب صمته المبلّل بنظرات قلقة تجوب
المكان
كان يقف
بشكل مباغت أحيانا , يدنو من النافذة
الواسعة ويحدّق خللها إلى الامتداد الفارع
لشارع أودين كاتين حتى يصل إلى اودين بلان
وأحيانا أخرى يعكف على صمته وكأنه يربّي
كائنات غامضة لا تُرى
كنت أحدس
ريبة أمين القسم من هذا الرجل ذي المزاج
الكامد من خلال أعمال كثيرة يقوم بها لا
لشيء محدّد وإنما فقط ليقترب منه و
ليتعرّّف على المخطوط الذي أمامه
اشعر
بجسدي يهفّ إليه , ولولا خزانات الكتب
وأدراجها الواسعة لتقطّعت منازل حروفي
وأعدادي وطرت باتجاهه
الم يكتشف
وجودي بعد ؟ ..
لم يعد في
المكتبة سوانا ,
الم
يفضحني هذا الصخب العنيف الذي ينبعث مني ؟
انه كائن
مطرق أبدا
....
انتمي إلى جسدي وحده , اشعر بستوكهولم
وكأنها غير قادرة إلاّ على جعلي متوحّدة
ومهجوسة ببهائها الفاسد .. إنها صورة
للتوحّد الأعزل وحيل البنائين القدامى
الذين أرادوا للغزاة أن يموتوا في
متاهاتها وطرقها ومسالكها المتشابهة
وها أنا
منذ سنوات لا ارمي فيها إلاّ لمعرفة عدمي
لم أكن
اعرف أن الغائب حينما منحني خاتم دانيال
منحني كذلك القدرة على النظر إلى القوة
التي تكمن إلى الأشياء وهذه القوة هي التي
جعلتني اعرف أن ( بستان ) كان يترك إناء
الماء أمامه طيلة ساعات لتذوب أنفاسي فيه
..
كان يجلس
في آخر صفّ ويرمقني بشغف يجعلني ارتجف تحت
عباءتي الواسعة ..
أحيانا
اشعر بجسدي وكأنه يريد أن يتبدّد ويموع
فيدخل الزوايا الصغيرة وشقوق القرميد ,
كنت أخاطب الغائب في وحدتي الحادة كسكين
ليرشدني إلى التخلص من مكيدة الحب التي
ترسمها يد شبحية وتحرّك حروفي وأعدادي كما
تشاء , حتى أنني كنت أفزّ من نومي وأنا
اردّد اسم بستان رغم أنني لم أره ولم اسمع
به بعد
وحين
أغادر في الصباح إلى مدرسة السلطانية كنت
اقضي وقتا طويلا بتفادي مكائد السحرة
وأعمالهم التي يعكفون ساعات على صنعها في
أقبية شير فضة وباب الطاق
كنت أشمّ
روائح لبان ذكر وميعة سائلة وندّ وصندل
واقرأ أوفاق وطلاسم تبدو وكأنها من بعض
أحجار الطريق المبثوثة بإهمال , بيد أني
اعرف أنها وجدت بفعل فاعل وأنني أنا
المعنيّة من فوضى الأحجار والروائح هذه .
وأحيانا
أخرى أبصر طريقي بمشقة من خلف النقاب
الأسود الثقيل فأضطر للتوقف مرات حتى
أتبيّن إنْ كان الحجر أو البيضة التي تكاد
تنهرس تحت قدمي مما يجب أن أتفاداه أم لا
؟
ولكن ماذا
افعل باليد التي تبعثر أعدادي وتتركني
أعدو خلفها كالأعمى الذي يدفع عن نفسه
هجوم أفعى ميتة , فكلّما أوشكت أن المس
حرفا أو صفة من صفاتي وجدتها تعدو نحو
بستان وتذوب في طاسته التي أمامه .
... ها
أنا الآن أعاني من هذا الجسد الذي يمارس
حلوله العنيد في جسدي ومن هذا الاسم أحبّه
أحيانا وأتجنّبه أحيانا أخرى .. كنت سلمى
وهاهم الجميع ينادونني ( أزل ) لا اشعر
بالغبطة منه , ولا اكرهه أيضا ولكنني
أواجهه كلّما صرخ بستان في حروفي .
انه يغادر
المكتبة ولم يلتفت نحوي ,
ماذا افعل
بهذه الكائنات الغامضة التي تقودني إليه
....
.. سأخرج
وسأجد ذات الشوارع أمامي .. ذات الحيل
القديمة وكأنها خارطة كرّرت نفسها لمئات
المرات
سأنتظر
الباص رقم ثمانية عشر , وسأتذكر مثلما
افعل كلّ مرة أن هذا العدد يساوي حروف
الحيّ , وسألمس بنصري كما يحدث دائما لأنه
يذكّرني بخاتم دانيال الذي منحني إياه
الغائب , وسأصعد واهبط , واصعد باصا آخر
واهبط أيضا ثمّ اصعد سلالم طويلة إلى
غرفتي في الأعلى ولا اهبط إلاّ صباح اليوم
التالي
لا مكائد
سحرة في ستوكهولم لأتفاداها , ولا لبان
ذكر ولا بخورات تشبه روائحها الروائح
المنبعثة من سراديب كربلاء
امشي
باستقامة ولا اضطرّ للوقوف لأتبيّن من خلل
النقاب أحجار الطريق
إنني أزل
.. أزل التي تحبّ المرور في شارع وساحة (
اودين بلن ) والوقوف أمام واجهة العطار
الصيني والنظر إلى أعشابه الغريبة وزهوره
العطرية
...... _
ولكن هل قال شيئا عني ؟
|