فراديس .. ثقافة حرّة

 

 

 

01.04.2005

fradees1@hotmail.com

باب الجنة

 

الأرشيف

 

سجل الشرف

 

في المدينة ومخلوقاتها

التشكيلي والكاتب العراقي : صلاح حيثاني

salahhithani@hotmail.com

 
 
 

 

 

 

منذ الأمس وانا اناور الحمّى بأخوان الصفا ، لم يتحدّثوا عن عمودية الوجود ولا روح الجمادات ونفوس الأجرام والحصى ، بل عن ( القفّاصين ) : صانعوا الأقفاص ، ثم راجعت القائمة التي اعدّوها عن الحرف والصناعات ، ولم اجد ( الطيوري ) بائع الطيور ، بل ان من ذكره كان الدينوري ، الرجل الذي لم يتحدث عن صانع الأقفاص ابدا
وكأنه اراد ان يسخر من اخوان الصفا ويطلق الطيور بعيدا

حكي عن رجل يعمل طيوريا قرب مقام الغائب على نهر الرشتية انه أنصت لغريب من الجنوب وهو يتحدّث عن طيور قزحية تتكلّم بثلاث السنة وان في عظامها وريش قوادمها خواص خارقة إذا أحرقت مع الكندر ولبان الذكر في بخورات الاثنين .
وهكذا اتفق مع قفّاص أعمى من اجل صناعة قفص يسع طيور البرهان في اهوار الناصرية وميسان كلها ، ثم استأجر سنابيك كثيرة وهبط بها مع مجرى الفرات الى الأهوار وصار يعدّ الكمائن والفخاخ لفرائسه .

وبعد شهر بعث الى القفّاص رسالة يطلب إليه أن يجعل قفصه يتسع لحمل عشرة سنابيك كبيرة من البرهان ، وبعدها بمدة تضاعف العدد
وكلّما زاد ، اتسّع القفص وصار يمرّ بأزقة المدينة وشوارعها وانهارها وبساتينها ، وصعد به حتى ارتفع على منائرها الذهبية وصار يُرى على بعد مسيرة يومين

بدأت السنابيك تصل المدينة محمّلة بطيور البرهان القزحية ، وفتح الناس العنابر لتنتشر في فضاء القفص .

اختلطت الطيور بالناس حتى صاروا يتعثّرون بها ، وتخفي ظلالها المديدة صغارهم في الأسواق والساحات الفسيحة ، ثم دخلت البيوت وصارت تجد في الأرائك والأسرّة لذة كبيرة مما جعلها تضع بيضا اكثر من المعتاد وتتضاعف أعدادها مرات كثيرة .

وكثرت حالات عسر الطلق والتفريق وإرسال الهاتف واقران الجن ، ونسب الناس هذه الأعمال للخواص العجيبة في ريش البرهان وعظامه .

وبعد نحو عامين باع الطيوري آخر ممتلكاته ليوفّر لمخلوقاته وجبة أخيرة .
فقرّر كليدار الحضرة في اجتماع دعى إليه وجهاء المدينة بحلّ العقد بينهم وبين الطيوريّ مادام لايقدر على إطعامها والعناية بها .

.. أخذ الناس يطاردون البراهين من شارع إلى آخر ومن أريكة إلى أخرى
ومن فرط فزعها حلّقت عاليا ، عاليا ، حتى بلغت سقف القفص ، وأخذ خفق أجنحتها يقشّر جلد الفراغ إلى أخاديد عميقة ، فسال الهواء بشدة فيها

حل ظلام ليّن ، وشعر الناس انهم يتجولون في جبال من اللحم النيء ،
تراكمت أسراب أخرى من البرهان ، وتواتر الخفق حتى اخذ هيئة جناح عملاق جعل المدينة ترتفع عن الأرض مع كلّ أخدود يحفر الفراغ ويجعل الهواء يسيل عنيفا في مسالكه .

ارتفعت بعيدا بقبابها الذهبية وقبور أوليائها ومتصوفتها ، بأنهارها وحصونها المهجورة ، بقناطرها وسورها القاجاري الذي تحدّث عنه ابن بطوطة ، بساعاتها وعرباتها ونصبها الضخمة والآت فلكييها الصدئة
عاليا ارتفعت وابتعدت في الجهات كلها

ومنذ ذلك اليوم اختفت المدينة ولم يعد الناس في المناطق المجاورة يحاولون استعادة ما حدث ،
فقط اكتفوا بطرد الطيوريين والقفاصين ، واحرقوا رسائل اخوان الصفا وكتاب الدينوري في الساحات العامة وعاشوا مبتهجين بنسيانهم

 

  

 

 
 

 

 
 

الصفحة الرئيسية