|
هكذا
فجأة و جدوا أنفسهم محاصرين و سط التلول
الرملية المتحركة . كان الجو مغبرا ...
وثقيلا . وحتى الكلمات القصيرة
...المرتبكة و الضحكات العبثية , التي
انفجرت فجأة ..كانت اشبة بمزحات سمجة ,
قيلت في غير أوقاتها المناسبة . فحل
مكانها ارتباك من نوع آخر , و حركات بلا
معنى ...ومن ثم لف المكان صمت مفخخ .
مليء باحتمالات جسيمة .
قبل
يومين فقط , كانوا جميعا في أحضان
أهاليهم .
بدأت
القافلة , تتذكر التفاصيل الدقيقة, للحضات
الوداع الأخيرة . دروازة الخميس حيث يشيع
أهالي الأحساء , أقربائهم المسافرين إلى
الديار المقدسة . فوضى الحشود الصغيرة
المتزاحمة والتي تنشغل بالدعاء و البكاء ,
مشهد يخص الأحسائيين وحدهم . صحيح أن
الناس ينفعلون وهم يودعون أقربائهم , إلا
ان الأحسائيين , يمارسون ذلك بشيء به
الكثير من المبالغة والحب .
السفر
...لا يعني في أذهانهم العودة . لذلك فإن
الوداع يكون أشبه بطقس احتفالي مهيب .
يخرجون خارج أسوار المدينة . و يفتح الحرس
أبواب الدروازة العملاقة . يقفون هناك
...تتعالى أصواتهم عندما تتحرك سيارات
المسافرين ,لتأكيد التوصيات التي قيلت قبل
أيام عديدة , ولأكثر من مرة . أما قبل ذلك
فإنهم يتعانقون , ويبكون بشكل يثير دهشة
الغرباء و فضولهم . وإذا كان الرجال
يمارسون كل ذلك بشيء من الحذر و التخفي ,
فإن النساء لا يشعرن بالحرج ....عندما
يتعالى نشيجهن , طالبه كل واحدة من الأخرى
السماح و الصفح .
تذكر أبو عبد الله كل تلك المشاهد , على
عجل . حدق في عيون الآخرين المدهوشة . ثم
تمتم محركا شفتيه ( .. يا أرحم الراحمين
..ارحمنا برحمتك ) .
في الجهة
الأخرى وبالقرب من الباص ,نادى (الدريول)
صالح بصوت هو أقرب إلى الانكسار منه إلى
الأمر :
- يا أبا
سعيد و يا سالم ... تعالا معي لكي نحاول
إخراج الباص من هذه التغريزة .
رفع
الرجال رؤسهم الى أعلى . أجاب سليمان :
لازم
نتساعد كلنا على هذا الأمر . حتى الصغار .
فرد عليه
أبو سعيد غاضبا :
- قبل كل
شئ لا بد أن تنزل أنت من الباص . وتنزل
جميع أغراضك .
***
في الجانب
الآخر من الباص الصغير , بدا الأمر
مختلفا تماما . فالنساء انشغلن بالأحاديث
الطويلة التي لا تنتهي . أما الأطفال
الرضع فقد علا صراخهم , فألقمتهن أمهاتهن
أثدائهن , لكي يعدن لمواصلة الحديث .
بينما تفرق الصبية الأكبر سنا لاستكشاف
الصحراء الرملية المترامية الأطراف ,
لاهين عن حقيقة ما يجري .
سائق
الباص الدريول صالح الساري وهو الوحيد
الذي لا ينتمي لعائلة القضيان الكبيرة
التي تستغل الباص الخشبي , كان أول
النازلين من الباص . تطلع للعجلات
المنغرزة في الرمل . ثم ضيق عينيه و تطلع
إلى كل الجهات . ابتعد خطوات قليلة هنا و
هناك . فشعر بحزن مفاجئ أقرب لارتطام صخور
....تستقر في صدره . و صالح الساري , الذي
تعود و طوال رحلاته للحج أن يصدر الأوامر
بجرأة للمسافرين , بدا فجأة الآن أقرب إلى
الصمت و الهدوء . مستسلما لسماع ما يقوله
الآخرون .
حزم
الرجال أوساطهم بأذيال ثيابهم . ثم أمروا
ما تبقى من النساء ان ينزلن من الباص .
ومن الباب الخلفي للباص , بدأ الرجال
بإنزال الألواح الخشبية , ثم عمدوا لإخراج
أمتعتهم بتدافع صامت .
كان
الباص الخشبي بدون مقاعد . فالمسافرين
يحملون أمتعتهم في صناديقهم الخشبية و
الحديدية , ثم يرصونها في أرضية الباص
بإحكام دقيق . بعد ذلك يضعون فوقها عددا
من الألواح الخشبية السميكة , و يفرشونها
بما يحملون معهم من بطاطين و ألحفة
...حتى تكون صالحة للجلوس عليها . تذكر
أبو سعيد أبناءه الثلاثة . دكانه في
القيصرية المليء بالسجاد الفاخر . تسائل
ان كان الأبناء قادرين على الاستمرار في
تجارته التي مارسها لأكثر من نصف قرن . ثم
قدر انهم سيختلفون بعد اليوم الأول وفاته
. خليل لن يتركهم ينعمون بالهدوء , طالما
حاول ان يثني ابنه خليل عن أطماعه ...
ولكن دون جدوى .
تطلع
سالم و هو يمسح حبات العرق من على جبهته
الى صالح :
لقد
انتهينا من إنزال جميع الأمتعة .
رد سلمان
وكأنه يكمل حديث سالم :
الأطفال و
النساء ... لابد ان يستريحوا , و يأكلوا
شيئا , قبل أن نبدأ العمل .
إلا أن
راشد انتفض و هو يتجه إلى مقدمه الباص :
ليس الآن
وقت الأكل . المهم أن نخرج من هذه المصيبة
التي وقعنا فيها .
لم يجبه
أحد . فالسائق صالح بدأ في إخراج المعدات
القليلة التي يمتلكها في صندوق الباص
الخلفي , لإصلاح البنشر . و ذهب بدر و
راشد في مساعدته . بينما قام سلمان و أبو
سالم بفرش الحصر و البطانيات على الأرض
حتى تجلس عليهن النساء و الأطفال .
***
أنتهي
مساء اليوم الأول بالفشل المرير . فأدعية
أبو عبد الله و النسوة في الطرف الآخر
.....ثم سواعد الشباب , و توجيهات الشيوخ
لم تستطع جميعها انتشال الباص من بحيرة
الرمال , التي بدت الآن أكبر و أعمق مما
كانوا يظنون .
صلوا
فرادى . ولم يسألوا النسوة القابعات في
الطرف الآخر عن شئ من الأكل . بل استلقوا
على الرمال في صمت و شرود . و بشكل سريع و
مفاجئ خيم الظلام الكثيف على المكان .
بينما بدأت النسوة في إرسال الصبية
لآبائهم, يستفسرن عن مدة بقائهم هنا . متى
سيتم إخراج الباص من الرمل ؟ وهل المكان
خاليا من الثعابين و العقارب ؟ و الرجال
يجيبون باختصار شديد , إجابات متناقضة و
مبهمة .
استلقى
أبو سالم كغيره من الرجال على الرمل , إلا
أنه الأقرب للنساء من الجهة الأخرى .
أصوات النساء التي لم تهدأ تصب في أذنيه .
تململ على فراشه الرملي . انقلب لمرات
عديدة . صحيح انه لم يستطع تمييز كل أصوات
النساء ....إلا انه اصطاخ دون قصد منه ,
لعدد كبير من الأكاذيب , و الضحكات
المخنوقة ... بل و عدد من الدعوات
الصالحات أيضا . كان ينتظر بقلق إلى الفجر
. لكن الليل مازال في أول ساعاته . قال
لنفسه : ماذا لو لم نستطع أن نخرج الباص
غدا ؟ حاول أن لا يسأل نفسه هذا السؤال
الصعب , فلم يستطع . و حاول أن يجيب عليه
فلم يستطع أيضا .
تذكر
أيام شبابه المليئة بالمغامرة و القهر .
آه ..لو أنه شابا حتى اليوم , لسار إلى
الأحساء مشيا على قدميه . لطالما قطع
المسافة من العقير إلى الهفوف ماشيا .
الأيام الصعبة ...ربما لن تعود . حياة
البحر علمته الشدة و الصبر . وإذا استطاع
يوما ما أن يقهر البحر ...فليس قادرا في
شيخوخته ان يقهر البر .
تطلع
للجهة الأخرى . حاول أن يميز وجه ابنه
سالم من بين وجوه الرجال النائمين الذين
علا شخيرهم من التعب و الجوع . حدق بدقة
..فلم يستطع رؤيته . إبنه الوحيد يخاف
عليه أكثر مما يخاف على نفسه . لقد مر
بمواقف أصعب بكثير من هذا الموقف و نجى .
هاجمته الريح و الأسماك الكبيرة التي
تتعلق بشباك المركب .... لكنه نجى في كل
مرة . يتذكر الأيام الثلاثة التي ضاع فيها
وسط البحر الهائج و هو على مركبه مع أبو
محسن ...ثلاثة أيام أكلوا فيها السمك نيئا
و شربا من ماء البحر . لكنهما أخيرا وصلا
إلى جزيرة فيلكة . كيف و صلا إلى هناك ؟
لا يدري ؟ ولكن ما يهمه انه وصل الى
الشاطئ بسلام .
سمع
وقع خطى . لا يدري من أين آتيه . لكنه بدا
متأكدا الى حد كبير إنها تبتعد . هل هي
خطوات أحد الرجال ؟ أم إنها لحيوان مفترس
... ليس متأكدا . رفع صوته :
من هناك ؟
فلم يجبه
أحد أول الأمر . إلا ان الخطوات توقفت .
عاد من جديد , و بشكل اكثر حزما :
من هناك
منكم أيها الرجال ...؟
فأجابه
صوت مألوف لديه :
أنا
....لا تخف .
رغب ان
يسأل أكثر , إلا انه لم يكترث طالما ان
سالم هو الذي أجاب . و سالم الذي ابتعد
مسافة ليست طويلة , تبعته خطوات أخرى
...تقصده هو بالذات . وبعد ان اطمأنت
الخطوات ...بابتعادها الكافي عن الباص
المغمور في الرمل . همس سالم :
كيف حالك
يا مليحة ...
فأجابت
الفتاة و هي تمسك بيده بشدة:
أنا خائفة
يا سالم لم انم ..
ابتسم
سالم إلا أنها لم تر ابتسامته في جوف
الليل , و أضاف مؤكدا :
لا تخافي
غدا سينتهي كل شئ . سنتمكن من إخراج الباص
. الحقيقة إننا أخرجنا عجلاته الأمامية .
عاودت
مليحة تعدل من وضع عباءتها المكرمشة على
رأسها :
الله
يساعدكم . انتبه لنفسك . الآخرون لا بد أن
يعملوا أيضا . لا تقم بكل العمل بمفردك .
فتمتم
سالم :
نعم
...نعم بالتأكيد .
إلا أن
مليحة عاودت تسأل من جديد :
هل سنرجع
للاحساء سالمين ؟
ضحك سالم
ضحكة مكتومة مرتبكة :
نعم و لكن
سنحج أولا . و عندما نعود , فلا بد ان
نتزوج سريعا .
***
قبل ان
يندلع النور , و في اللحضات الأخيرة
لانهيار الظلمة و تكسرها دوت من بين
النسوة صرخة . الغبش مازال يحيل الكثبان
الرملية , إلى ديناصورات أسطورية ضخمة
....والتماع النور الذي تداخل مع تلك
الغبشة الحارة ...زادت من هول الصرخة .
انتفض
سلمان القضيان وهو يحمل عصاه التي يتكئ
عليها مرعوبا . لكز سالم وبدر اللذان
ينامان إلى جانبه ..فنهضا .
وعندما
قفز بدر إلى خلف الباص حيث ينمن النسوة و
الأطفال . قال بصوت عالي :
ماذا بكن
؟ ماذا يجري هناك ؟
اجابته
عائشة و هي تحضن طفلها الرضيع :
الحقنا يا
بدر لقد رأيت الدريول يتلصص علينا ....
قاطعتها
الحاجة أم سلمان :
استغفري
ربك ياعائشة . الرجل لم يمر بقربنا .
ثم التفتت
الحاجة إلى بقية النسوة الجالسات توا من
نومهن :
هل رأت
أحدكن رجلا قد جاء بقربنا .
فردت
عائشة و هي تشير بيدها , و تهزها في وجه
ام سلمان بغضب :
هل أنا
أكذب ...أنت عمياء ...فكيف ترين في الظلام
!
تطلع بدر
في كل الاتجاهات فلم ير شيئا . وحين قدم
أبو سلمان و سالم و تسائلا عما حدث
أجابهما :
لا شئ
..لا شئ على الإطلاق . ربما طائر قد مر
بقرب النساء و أفزعهن . ولكن أين السائق
صالح ؟
لم يمض
الكثير من الوقت حتى تجمع الرجال من جديد
بقرب عجلات الباص الخشبي . جلسوا عند
مقدمته . يشربون الشاي الذي أعدته النسوة
. و يلوكون شيئا من الخبز و الجبن .
و بسرعة
بدت الرمال أكثر سخونة , والشمس أكثر
اتقادا من ذي قبل . الصبية الذين ظلوا
طوال الصباح ينتقلون من هذا الطرف للآخر .
ينقلون أكواب الشاي , ولفافات الخبز , و
طاسات الماء , بل و الرسائل بين المعسكرين
الصغيرين ...بدأوا يصدرون أصواتا ...نوع
من التبرم و الاحتجاج , وكأنهم يسيرون على
أشواك حادة .
محاولات
الرجال لإخراج الباص لم تثمر حتى منتصف
النهار . و بعد الظهر بقليل , بدت أن
المحاولة الأخيرة قد أعد لها تماما . أزاح
الرجال أمتارا من الرمال من تحت عجلات
الباص الأمامية . وضعوا الألواح الخشبية
تحتها .
صاح بدر
بالآخرين :
صالح يدير
المحرك , و يضغط على دواسة البنزين بقوة .
أما نحن فسنكون خلف الباص لكي ندفعه
للأمام بقوة ...
التفت
سالم إلى الآخرين :
هيا ...يا
جماعة . أنت يا بخيت و يا خميس ..ضعا
يدكما مع الجماعة
ثم تمتم
بشفتيه الغليظتين :
إنشاء
الله ننجح ...قولوا إنشاء الله .
ركب صالح
الباص . و أدار المحرك ....اخرج رأسه من
النافذة و صاح :
هل انتم
مستعدون يا جماعة ...
علت
الأصوات :
اتكلنا
على الله ...ادعس على البنزين ...باسم
الله .
قفز
الباص الخشبي بكسل . و عندما كرر صالح
المحاولة ....تحركت العجلات الخلفية بسرعة
, فأثارت سحابة من الغبار و الرمل في
العيون و امتلأت الأفواه بالتراب .
ما أن
انجلت الغبرة . و نظفوا ما في عيونهم من
الرمل العالق فيها . و بصقوا لكي يخرجوا
الرمل المتجمع في أفواههم .... حتى ذهلوا
. و وجدوا الباص معلقا . لقد انغرزت
العجلات الخلفية بشكل تأكد للجميع انه لا
يمكنهم إخراجه .
و ما هي
إلا لحضات حتى نقل الصبية للنساء ما جرى
للباص . و انطلقت شرارة أخرى , بدت كحقيقة
منسية . فقد سيطرت بعض النسوة على ثلاجات
الماء , و الخبز والتمر .. و دخلن في عراك
حقيقي . كل منهن تحاول أن تحتفظ بحصة أكبر
لها و لأولادها .
***
المشهد
بدا مختلفا كليا الآن ... بعدما تأكد
الرجال انهم لن يستطيعوا إخراج الباص من
وسط الرمال . الرياح الموسمية كانت على
موعد معهم ....فبدت تتحرك هي الأخرى على
استحياء ثم بهواجة .
أبو عبد
الله اتجه إلى احد الكثبان الرملية , يردد
بعض الأدعية . الأطفال علت صرخاتهم من شدة
الحر و الرياح المحملة بالرمل . بينما بدا
السائق صالح الساري واجما , مطرقا , ثم
انتحى جانبا و أجهش بالبكاء . أما بخيت
القضيان و سالم و بدر و خميس فإنهم قرروا
ان يذهبوا في الاتجاهات الأربعة ’
لاستكشاف المكان ’ و طلب المساعدة
الغروب هو موعد عودتهم . تزود كل واحد
منهم بقليل من الماء والتمر . ودعوا
الآخرين . كانوا قد عقدوا العزم ان يبقى
الأمر سرا بينهم من دون النساء . إلا انه
سرعان ما عرفت النسوة بالأمر, فتعالى
صراخهن .
أم سلمان
اشتد عليها المرض . فدخلت في غيبوبة .
بينما أوقف أبو سالم الشباب لحضات
...تطلع إليهم . توقف عند ابنه سالم و
كأنه يودعه للمرة الأخيرة :
الله الله
في أنفسكم . لا تبتعدوا كثيرا . كل منكم
يسير في اتجاه. لن ننام قبل ان تأتوا
جميعا ....
قاطعه
سالم بأدب :
لا تخف يا
أبي ...سنعود إنشاء الله .
إلا أن
أبو سالم عاد لإكمال حديثه وهو ينظر إلى
الأسفل :
يفضل أن
يحمل كل واحد منكم سكينا .
قال سلمان
القضيان و هو يعلك شفتيه :
-المهم ان
نعرف أين نحن الآن . بإمكاننا المسير
جميعا على أقدامنا يوم غد إذا ما تأكدنا
من وجود مكان قريب مأهول .
وتفرقوا ... في الاتجاهات الأربعة . و حتى
منتصف الليل جاءوا جميعا ماعدا سالم . و
مع مجيئهم الواحد تلو الآخر ..تأكد للجميع
ان الخطر أكبر مما قدروا و توقعوا . و ان
تغريزة الباص لم تكن المشكلة الوحيدة .
فهم قد ضلوا الطريق تماما .
سار
الشباب الثلاثة حتى الغروب . ولم يصادفوا
أحدا فرجعوا خائفين خائبين . و استلقوا
على كثبان الرمل , يتطلعون إلى بعضهم , و
يسألون أسئلة عديدة لا يجهرون بها .
تذكر
أبو عبد الله انه ظلم زوجته . يتمنى لو
كانت بقربه الآن لطلب منها ان تسامحه على
قسوته طيلة أربعين سنه قضتها معه كخادمة
له . ضربها حتى أدماها . و تزوج عليها
ثلاثا ... ولكنها بقيت الوحيدة التي تحملت
سوء خلقه بصمت . لم تشتكي يوما أو تتبرم .
انتزع أطفالها من حجرها , و أهداهم
لزوجاته لكي يقمن بتربيتهم ....نساءه
العقر الثلاث . كيف اجتمعن ؟ تصور أنها
عملت سحرا لكي تمنعهن من الإنجاب
.....فعاقبها بقسوة ..و لكنها بقيت صامته
. يأمر فتطيع . لم تعترض يوما رغم تلذذه
بتعذيبها .
ردد في
داخله ( ماذا يفيد الآن وهي بعيدة عني .
أي ظلم أنزلته في هذه المرأة الصالحة .
كيف عميت عيناي طوال هذه المدة ..)
أما أبو
سالم فهو لم ينم تلك الليلة . بل ظل
مستيقظا واقفا محدقا في الظلام . يرفع
عصاه الطويلة و يغرسها في الرمل , المرة
تلو الأخرى . ينتظر قدوم سالم الذي لم يأت
. بعد منتصف الليل , بدأ في الهذيان .
أخذ يردد الأشعار التي يحفظها منذ أيام
الغوص . حتى ان سلمان قال له بغضب :
- أرجوك
ان تصمت يا أبا سالم ..حتى ننام . نحن
نحتاج للهدوء والراحة ليوم غد .
قام اليه
بدر . امسكه بيده . توسل إليه أن يجلس و
ينام قليلا . أكد له ان سالم سيأتي . لكنه
لم يكن يسمعه .
***
في
اليوم الثالث , كانوا في مواجهة حقيقية مع
الموت . و عند انتظار الموت يفقد المرء
ثقته بنفسه و بمن حوله . تتلاشى صلابته .
فيبدوا صغيرا , منكسرا ...تختنق حنجرته
بالدعوات المتقطعة , اللاهثة , وهو يحدق
غير مصدق بما يجري .
العلاقات في الصحراء العنيدة و الزمن
....يتكسران . يتلاشيان و يفقدان أهميتهما
و جبروتهما . و يصبحان حبلا مفتولا يلتف
حول الأعناق بقسوة . يمارس لعبة الشنق
بتلذذ خبيث . فيشعر الإنسان بأن موتا
قادما , محققا , طاغيا لا يفرق بين رقاب
الكبار و رقاب الأطفال الطرية العظام .
فيتحول الجمع الصغير الى غابة صغيرة ينتزع
الواحد من الآخر كأس الماء و كسرة الخبز
بعنجهية , و بتوحش غير معهود .
الشمس
..هي الأخرى لا تترك الصغار ينامون بهدوء
. و لا تعطي الكبار فرصة لكي يفكروا بهدوء
و بعقل . فيصبح الحديث في مثل هذة الأوقات
حادا , عنيفا , أقرب للعراك منه الى
التفاهم . فهم في مواجهة مع الموت ...ذلك
الموت البطيء الذي تمارسه فزاعة الزمن .
و الماء الذي خصص الجزء الأكبر منه
للأطفال ...لم ينقذهم من الموت . فثلاثة
من الأطفال ماتوا , لا من العطش بل من
الحمى و حرارة الشمس . أما أم سلمان فقد
ماتت هي الأخرى قبل منتصف الليل بقليل .
***
بعد
ذلك اليوم , لم يكن احد من أهالي الأحساء
, متأكدا من حقيقة ما جرى في الأوقات
الأخيرة . الراعي الذي و صل للمكان في
اليوم الخامس او السادس , أعطى و صفا
مرعبا , متناقضا , و غير مفهوما لما
شاهده حين وصوله لباص القضيان . أما رجال
الشرطة الذين و صلوا بعد وصول الراعي بيوم
, فقد أكدوا أن صراعا عنيفا قد جرى بين
رجال عائلة القضيان .
الألواح
الخشبية الملطخة بالدماء , والجروح
العميقة على الأجساد , و بعض الهامات
المفظوخة ...تؤكد أن الرجال تقاتلوا
للحيازة على حصة أكبر من الماء و الطعام .
صحيح أن و ضاح الراعي استطاع أن ينقذ بدر
و الطفلة زمزم من الموت , إلا أن شهادتهما
غير مكتملة . فبينما ظل بدر في إغماءة
طويلة لم يفق منها بعد .فإن زمزم ذات
العشر سنوات , بقيت هي الأخرى تصدر أصواتا
هستيرية هي أقرب للكوابيس , و الحكايات
المفزعة , من الشهادة التي يمكن الوثوق
بها .
عندما وصل
وضاح إلى دروازة الخميس , و ذلك بعد وصول
جثث المسافرين من عائلة القضيان و دفنهم
بأسبوع . لم يخرج له ما تبقى من عائلة
القضيان فقط , بل خرج اهالي الأحساء جميعا
للاستفسار منه عما شاهد وسمع . عرفوا وضاح
من أوصافه التي نقلها لهم رجال الشرطة .
عمامته الصغيرة التي يلفها فوق رأسه خشية
الشمس . تجاعيد و جهه الضامر , و ناقته
الشعلاء التي يمتطيها . حينما اقترب منهم
, أناخ ناقته و نزل . فأحاطوا به . رفع
يديه للأعلى :
اسمعوا يا
أهل الأحساء . لقد كان مروري في الدهناء
ذلك اليوم بمحض الصدفة . فرأيت منظرا لن
أنساه ما حييت .
تنفس
بعمق . و تطلع في الوجوه . و أدار رأسه
في مختلف الاتجاهات :
جثث
متيبسة هنا وهناك , و باص خشبي مزروع و سط
الرمال . و جدت أحدهم متيبسا بعدما دفن
نصفه الأسفل في الرمل . أما الآخر فقد ثقب
خزان الماء في ماكينة الباص ليشرب ماؤه
الموحل . كما وجدت ثلاثة قبور صغيرة وآخر
لأحد الرجال .
حرك و
ضاح عصاته الدقيقة بين أصابعه لمرات عديدة
. ثم التفت للواقفين حوله:
في تلك
البقعة من الدهناء تكثر الذئاب . و يبدوا
أن الرجال دافعوا عن أنفسهم بكل ما يملكون
من أخشاب و أعواد حديدية . لقد شاهدت بعض
الذئاب مقتولا على مسافة غير بعيدة من
مكان الباص .
***
زمزم قالت بنوع من
الهستيريا بأنها رضعت من كل أثداء النساء
بعد موتهن . أما أمها مريم فقد جرعت عنها
شربة الماء الأخيرة , و تركتها تصارع
العطش وحدها قبل أن تموت .
و لكن
حتى بعد أن أحضر رجال الشرطة بعض
الأوراق التي وجدت في الباص , و التي
كتبها سلمان القضيان قبل ان يموت ربما
بساعات , فإنها لم توضح الكثير . لا
لرداءة خطها فقط و ارتباك سياقها , بل
لإسقاطها للأسماء . و اعتبارها نوعا من
الوصايا الأخيرة بدلا من الشهادة على ما
حدث فعلا . و عندما قرأ احد رجال الشرطة
بعض ما جاء في أوراق سلمان القضيان فإن
الضمائر بدت مبهمه و غير ذات دلالة . (
لا يوجد عندنا ماء . مات أبو سالم و هو
واقف يهذي . بينما ضربه على صدره . لم يكن
يقصد قتله . و عندما تدخل لمنعه , أمسكه
من الخلف . قلت له اذهب معهما . اتركونا
نحن هنا ...إلا أنها خافت أن تبقى وحدها
مع الطفلتين . طلبت منه ان يعطيني قليلا
من الماء الذي حصل عليه من خزان الباص
لكنه رفض . و أعطى اخوة شربة واحدة فقط ,
و أستأثر بالباقي له وحده . اليوم الرابع
و نحن بدون ماء . الشمس حارقة ولولا
مساعدته لنا في اللحضات الأخيرة لما بقي
أحدا منا حيا حتى الآن . إلا انه رفض ان
ينقلنا إلى اقرب مدينة . )
هل حقا وصل إليهم أحد قبل وضاح ! لا أحد
يدري ! أما زعم الشرطة بالقتال الذي دار
بينهم . فليس مؤكدا بعد شهادة الراعي . و
حينا سؤال وضاح عن الجروح العميقة على
هامات بعض الرجال . أكد وضاح أن النسور قد
اشتمت رائحة الجثث . فجاءت من أماكنها
البعيدة . و عندما حاول من بقي حيا من
الرجال صدها , هاجمتهم بالانقضاض على
رؤوسهم .
ولكن
عندما سأل أهالي الأحساء الراعي عن السر
وراء اختفاء جثة سالم . وأين يمكن ان تكون
؟ فإنه أبدى استغرابه . و قلب كفيه حسرة و
ندامة .
و كتب
سلمان القضيان في أوراقه ( عندي ولازم
ذمتي دين بمبلغ ألف ريال لبعد الله
المرهون . وكذلك مائة ريال باقي قيمة ثمن
البيت الذي اشتريته من صويلح الاربش . و
أقول لأولادي ان البيت يبقى لأهل الدار
الساكنين فيه الآن وقف ذرية ....و السلام
. )
|