فراديس .. ثقافة حرّة

 

 

 

21.03.2005

fradees1@hotmail.com

باب الجنة

 

الأرشيف

 

سجل الشرف

 

حافلة الأحساء

قصة القاص والروائي السعودي : حسن الشيخ

shaikh31141@yahoo.com

 
 

 

 

 

 

     هكذا فجأة و جدوا أنفسهم محاصرين و سط التلول الرملية المتحركة . كان الجو مغبرا ... وثقيلا . وحتى الكلمات القصيرة ...المرتبكة و الضحكات العبثية , التي انفجرت فجأة ..كانت اشبة  بمزحات سمجة , قيلت في غير أوقاتها المناسبة . فحل مكانها ارتباك من نوع آخر , و حركات بلا معنى ...ومن ثم لف المكان صمت مفخخ . مليء  باحتمالات جسيمة .

  قبل يومين فقط , كانوا جميعا  في أحضان أهاليهم .

  بدأت القافلة , تتذكر التفاصيل الدقيقة, للحضات الوداع الأخيرة . دروازة الخميس حيث يشيع أهالي الأحساء , أقربائهم المسافرين إلى الديار المقدسة . فوضى الحشود الصغيرة المتزاحمة والتي تنشغل بالدعاء و البكاء , مشهد يخص الأحسائيين وحدهم . صحيح أن الناس ينفعلون وهم يودعون أقربائهم , إلا ان الأحسائيين , يمارسون ذلك بشيء  به الكثير من المبالغة والحب .

    السفر ...لا يعني في أذهانهم العودة . لذلك فإن الوداع يكون أشبه بطقس احتفالي مهيب .  يخرجون خارج أسوار المدينة . و يفتح الحرس أبواب الدروازة العملاقة . يقفون هناك ...تتعالى أصواتهم عندما تتحرك سيارات المسافرين ,لتأكيد التوصيات التي قيلت قبل أيام عديدة , ولأكثر من مرة . أما قبل ذلك فإنهم يتعانقون , ويبكون بشكل يثير دهشة الغرباء و فضولهم . وإذا كان الرجال يمارسون كل ذلك بشيء من الحذر و التخفي , فإن النساء لا يشعرن بالحرج ....عندما يتعالى نشيجهن , طالبه كل واحدة من الأخرى السماح و الصفح .

       تذكر أبو عبد الله  كل تلك المشاهد , على عجل . حدق في عيون الآخرين المدهوشة . ثم تمتم  محركا شفتيه (  .. يا أرحم الراحمين ..ارحمنا برحمتك ) . 

في الجهة الأخرى وبالقرب من الباص ,نادى (الدريول) صالح بصوت هو أقرب إلى الانكسار منه إلى الأمر :

- يا أبا سعيد و يا سالم ... تعالا معي لكي نحاول إخراج الباص من هذه التغريزة  .

    رفع الرجال رؤسهم الى أعلى . أجاب سليمان :

لازم نتساعد كلنا على هذا الأمر . حتى الصغار .

فرد عليه أبو سعيد غاضبا :

- قبل كل  شئ لا بد أن تنزل أنت  من الباص . وتنزل  جميع أغراضك .

***

في الجانب الآخر من الباص الصغير , بدا الأمر مختلفا  تماما . فالنساء انشغلن بالأحاديث الطويلة التي لا تنتهي . أما الأطفال الرضع فقد علا صراخهم , فألقمتهن أمهاتهن أثدائهن , لكي يعدن لمواصلة الحديث . بينما تفرق الصبية الأكبر سنا لاستكشاف الصحراء الرملية المترامية الأطراف , لاهين عن حقيقة ما يجري .

 سائق الباص الدريول صالح الساري وهو الوحيد الذي لا ينتمي لعائلة القضيان  الكبيرة التي تستغل الباص الخشبي , كان أول النازلين من الباص . تطلع للعجلات المنغرزة في الرمل . ثم ضيق عينيه و تطلع إلى كل الجهات . ابتعد خطوات قليلة هنا و هناك . فشعر بحزن مفاجئ أقرب لارتطام صخور ....تستقر في صدره . و صالح الساري , الذي تعود و طوال رحلاته للحج أن يصدر الأوامر بجرأة للمسافرين , بدا فجأة الآن أقرب إلى الصمت و الهدوء . مستسلما لسماع ما يقوله الآخرون .

   حزم الرجال أوساطهم بأذيال ثيابهم . ثم أمروا ما تبقى من النساء ان ينزلن من الباص . ومن الباب الخلفي للباص  , بدأ الرجال بإنزال الألواح الخشبية , ثم عمدوا لإخراج أمتعتهم بتدافع صامت .

 كان الباص الخشبي بدون مقاعد . فالمسافرين يحملون أمتعتهم في صناديقهم الخشبية و الحديدية , ثم يرصونها في أرضية الباص بإحكام دقيق . بعد ذلك يضعون فوقها عددا من الألواح الخشبية السميكة , و يفرشونها بما يحملون معهم  من بطاطين و ألحفة ...حتى تكون صالحة للجلوس عليها . تذكر أبو سعيد أبناءه الثلاثة . دكانه في القيصرية المليء بالسجاد الفاخر . تسائل ان كان الأبناء قادرين على الاستمرار في تجارته التي مارسها لأكثر من نصف قرن . ثم قدر انهم سيختلفون بعد اليوم الأول وفاته . خليل لن يتركهم ينعمون بالهدوء , طالما حاول ان يثني ابنه خليل عن أطماعه ... ولكن دون جدوى .

  تطلع سالم و هو يمسح حبات العرق من على جبهته الى صالح :

لقد انتهينا من إنزال جميع الأمتعة .

رد سلمان وكأنه يكمل حديث سالم :

الأطفال و النساء ... لابد ان يستريحوا , و يأكلوا شيئا , قبل أن نبدأ العمل .

 إلا أن راشد انتفض و هو يتجه إلى مقدمه الباص :

ليس الآن وقت الأكل . المهم أن نخرج من هذه المصيبة التي وقعنا فيها .

 لم يجبه أحد . فالسائق صالح بدأ في إخراج المعدات القليلة التي يمتلكها في صندوق الباص الخلفي , لإصلاح البنشر . و ذهب بدر و راشد في مساعدته . بينما قام سلمان و أبو سالم بفرش الحصر و البطانيات على الأرض حتى تجلس عليهن النساء و الأطفال .

***

أنتهي مساء اليوم الأول بالفشل المرير . فأدعية أبو عبد الله و النسوة في الطرف الآخر .....ثم سواعد الشباب , و توجيهات الشيوخ لم تستطع جميعها انتشال الباص من بحيرة الرمال , التي بدت الآن أكبر و أعمق مما كانوا يظنون .

  صلوا فرادى . ولم يسألوا النسوة القابعات في الطرف الآخر عن شئ من الأكل . بل استلقوا على الرمال في صمت و شرود . و بشكل سريع و مفاجئ خيم الظلام الكثيف على المكان . بينما بدأت النسوة في إرسال الصبية لآبائهم, يستفسرن عن مدة بقائهم هنا . متى سيتم إخراج الباص من الرمل ؟ وهل المكان خاليا من الثعابين و العقارب ؟ و الرجال يجيبون باختصار شديد , إجابات متناقضة و مبهمة .

استلقى أبو سالم كغيره من الرجال على الرمل , إلا أنه الأقرب للنساء من الجهة الأخرى . أصوات النساء التي لم تهدأ تصب في أذنيه . تململ على فراشه الرملي . انقلب لمرات عديدة . صحيح انه لم يستطع تمييز كل أصوات النساء ....إلا انه اصطاخ دون قصد منه , لعدد كبير من الأكاذيب , و الضحكات المخنوقة ... بل و عدد من الدعوات الصالحات أيضا . كان ينتظر بقلق إلى الفجر . لكن الليل مازال في أول ساعاته . قال لنفسه : ماذا لو لم نستطع أن نخرج الباص غدا ؟ حاول أن لا يسأل نفسه هذا السؤال الصعب , فلم يستطع . و حاول أن يجيب عليه فلم يستطع أيضا .

  تذكر أيام شبابه المليئة بالمغامرة و القهر . آه ..لو أنه شابا حتى اليوم , لسار إلى الأحساء مشيا على قدميه . لطالما قطع المسافة من العقير إلى الهفوف ماشيا . الأيام الصعبة ...ربما لن تعود . حياة البحر علمته الشدة و الصبر . وإذا استطاع يوما ما أن يقهر البحر ...فليس قادرا في شيخوخته ان يقهر البر .

  تطلع للجهة الأخرى . حاول أن يميز وجه ابنه سالم من بين وجوه الرجال النائمين الذين علا شخيرهم من التعب و الجوع . حدق بدقة ..فلم يستطع رؤيته . إبنه الوحيد يخاف عليه أكثر مما يخاف على نفسه . لقد مر بمواقف أصعب بكثير من هذا الموقف و نجى . هاجمته الريح و الأسماك الكبيرة التي تتعلق بشباك المركب .... لكنه نجى في كل مرة . يتذكر الأيام الثلاثة التي ضاع فيها وسط البحر الهائج و هو على مركبه مع أبو محسن ...ثلاثة أيام أكلوا فيها السمك نيئا و شربا من ماء البحر . لكنهما أخيرا وصلا إلى جزيرة فيلكة . كيف و صلا إلى هناك ؟ لا يدري ؟ ولكن ما يهمه انه وصل الى الشاطئ بسلام .

    سمع وقع خطى . لا يدري من أين آتيه . لكنه بدا متأكدا الى حد كبير إنها تبتعد . هل هي خطوات أحد الرجال ؟ أم إنها لحيوان مفترس  ... ليس متأكدا . رفع صوته :

من هناك ؟

فلم يجبه أحد أول الأمر . إلا ان الخطوات توقفت . عاد من جديد , و بشكل اكثر حزما :

من هناك منكم أيها الرجال ...؟

فأجابه صوت مألوف لديه :

أنا ....لا تخف .

رغب ان يسأل أكثر , إلا انه لم يكترث طالما ان سالم هو الذي أجاب . و سالم الذي ابتعد مسافة ليست طويلة , تبعته خطوات أخرى ...تقصده هو بالذات . وبعد ان اطمأنت الخطوات ...بابتعادها الكافي عن الباص المغمور في الرمل . همس سالم :

كيف حالك يا مليحة ...

فأجابت الفتاة و هي تمسك بيده بشدة:

أنا خائفة يا سالم لم انم ..

ابتسم سالم إلا أنها لم تر ابتسامته في جوف الليل , و أضاف مؤكدا :

لا تخافي غدا سينتهي كل شئ . سنتمكن من إخراج الباص . الحقيقة إننا أخرجنا عجلاته الأمامية .

عاودت مليحة تعدل من وضع عباءتها المكرمشة على رأسها :

الله يساعدكم . انتبه لنفسك . الآخرون لا بد أن يعملوا أيضا . لا تقم بكل العمل بمفردك .

فتمتم سالم :

نعم ...نعم بالتأكيد .

إلا أن مليحة عاودت تسأل من جديد :

هل سنرجع للاحساء سالمين ؟

ضحك سالم ضحكة مكتومة مرتبكة :

نعم و لكن سنحج أولا . و عندما نعود , فلا بد ان نتزوج سريعا .

***

   قبل ان يندلع النور , و في اللحضات الأخيرة لانهيار الظلمة و تكسرها دوت من بين النسوة صرخة . الغبش مازال يحيل الكثبان الرملية , إلى ديناصورات أسطورية ضخمة ....والتماع النور الذي تداخل مع تلك الغبشة الحارة ...زادت من هول الصرخة .

  انتفض سلمان القضيان وهو يحمل عصاه التي يتكئ عليها مرعوبا . لكز سالم وبدر اللذان ينامان إلى جانبه ..فنهضا .

 وعندما قفز بدر  إلى خلف الباص حيث ينمن النسوة و الأطفال . قال بصوت عالي :   

ماذا بكن ؟ ماذا يجري هناك ؟

اجابته عائشة و هي تحضن طفلها الرضيع :

الحقنا يا بدر لقد رأيت الدريول يتلصص علينا ....

قاطعتها الحاجة أم سلمان :

استغفري ربك ياعائشة . الرجل لم يمر بقربنا .

ثم التفتت الحاجة إلى بقية النسوة الجالسات توا من نومهن :

هل رأت أحدكن رجلا قد جاء بقربنا .

فردت عائشة و هي تشير بيدها , و تهزها في وجه ام سلمان بغضب :

هل أنا أكذب ...أنت عمياء ...فكيف ترين في الظلام !

تطلع بدر في كل الاتجاهات فلم ير شيئا . وحين قدم أبو سلمان و سالم و تسائلا عما حدث أجابهما :

لا شئ ..لا شئ على الإطلاق . ربما طائر قد مر بقرب النساء و أفزعهن . ولكن أين السائق صالح ؟

   لم يمض الكثير من الوقت حتى تجمع الرجال من جديد بقرب عجلات الباص الخشبي . جلسوا عند مقدمته . يشربون الشاي الذي أعدته النسوة . و يلوكون شيئا من الخبز و الجبن .

  و بسرعة بدت الرمال أكثر سخونة , والشمس أكثر اتقادا من ذي قبل . الصبية الذين ظلوا طوال الصباح ينتقلون من هذا الطرف للآخر . ينقلون أكواب الشاي , ولفافات الخبز , و طاسات الماء , بل و الرسائل بين المعسكرين الصغيرين ...بدأوا يصدرون أصواتا ...نوع من التبرم و الاحتجاج , وكأنهم يسيرون على أشواك حادة .

محاولات الرجال لإخراج الباص لم تثمر حتى منتصف النهار . و بعد الظهر بقليل , بدت أن المحاولة الأخيرة قد أعد لها تماما . أزاح الرجال أمتارا من الرمال من تحت عجلات الباص الأمامية . وضعوا الألواح الخشبية تحتها .

صاح بدر بالآخرين  :

صالح يدير المحرك , و يضغط على دواسة البنزين بقوة . أما نحن فسنكون خلف الباص لكي ندفعه للأمام بقوة ...

التفت سالم إلى الآخرين :

هيا ...يا جماعة . أنت يا بخيت و يا خميس ..ضعا يدكما مع الجماعة

  ثم تمتم بشفتيه الغليظتين :

إنشاء الله ننجح ...قولوا إنشاء الله .

ركب صالح الباص . و أدار المحرك ....اخرج رأسه من النافذة و صاح :

هل انتم مستعدون يا جماعة ...

علت الأصوات :

اتكلنا على الله ...ادعس على البنزين ...باسم الله .

 قفز الباص الخشبي بكسل . و عندما كرر صالح المحاولة ....تحركت العجلات الخلفية بسرعة , فأثارت سحابة من الغبار و الرمل في العيون و امتلأت الأفواه بالتراب .

ما أن انجلت الغبرة . و نظفوا ما في عيونهم من الرمل العالق فيها . و بصقوا لكي يخرجوا الرمل المتجمع في أفواههم  .... حتى ذهلوا . و وجدوا الباص معلقا . لقد انغرزت العجلات الخلفية بشكل تأكد للجميع انه لا يمكنهم إخراجه .

  و ما هي إلا لحضات حتى نقل الصبية للنساء  ما جرى للباص . و انطلقت شرارة أخرى , بدت كحقيقة منسية . فقد سيطرت بعض النسوة على ثلاجات الماء , و الخبز والتمر .. و دخلن في عراك حقيقي . كل منهن تحاول أن تحتفظ بحصة أكبر لها و لأولادها .

***

المشهد بدا مختلفا كليا الآن ... بعدما تأكد الرجال انهم لن يستطيعوا إخراج الباص من وسط الرمال . الرياح الموسمية كانت على موعد معهم ....فبدت تتحرك هي الأخرى على استحياء ثم بهواجة .

 أبو عبد الله اتجه إلى احد الكثبان الرملية , يردد بعض الأدعية . الأطفال علت صرخاتهم من شدة الحر و الرياح المحملة بالرمل . بينما بدا السائق صالح الساري واجما , مطرقا  , ثم انتحى جانبا و أجهش بالبكاء . أما بخيت القضيان و سالم و بدر و خميس فإنهم قرروا ان يذهبوا في الاتجاهات الأربعة ’ لاستكشاف المكان ’ و طلب المساعدة

    الغروب هو موعد عودتهم . تزود كل واحد منهم بقليل من الماء والتمر . ودعوا الآخرين . كانوا قد عقدوا العزم ان يبقى الأمر سرا بينهم من دون النساء . إلا انه سرعان ما عرفت النسوة بالأمر, فتعالى صراخهن .

 أم سلمان اشتد عليها المرض . فدخلت في غيبوبة . بينما  أوقف أبو سالم الشباب لحضات ...تطلع إليهم . توقف عند ابنه سالم و كأنه يودعه للمرة الأخيرة :

الله الله في أنفسكم . لا تبتعدوا كثيرا . كل منكم يسير في اتجاه. لن ننام قبل ان تأتوا جميعا ....

قاطعه سالم بأدب :

لا تخف يا أبي ...سنعود إنشاء الله .

إلا أن أبو سالم عاد لإكمال حديثه وهو ينظر إلى الأسفل :

يفضل أن يحمل كل واحد منكم سكينا .

قال سلمان القضيان و هو يعلك شفتيه :

-المهم ان نعرف أين نحن الآن . بإمكاننا المسير جميعا على أقدامنا يوم غد إذا ما تأكدنا من وجود مكان قريب مأهول .

     وتفرقوا ... في الاتجاهات الأربعة . و حتى منتصف الليل جاءوا جميعا ماعدا سالم . و مع مجيئهم الواحد تلو الآخر ..تأكد للجميع ان الخطر أكبر مما قدروا و توقعوا . و ان تغريزة الباص لم تكن المشكلة الوحيدة . فهم قد ضلوا الطريق تماما .

    سار الشباب الثلاثة حتى الغروب . ولم يصادفوا أحدا فرجعوا خائفين خائبين . و استلقوا على كثبان الرمل , يتطلعون إلى بعضهم , و يسألون أسئلة عديدة لا يجهرون بها .

   تذكر أبو عبد الله انه ظلم زوجته . يتمنى لو كانت بقربه الآن لطلب منها ان تسامحه على قسوته طيلة أربعين سنه قضتها معه كخادمة له .  ضربها حتى أدماها . و تزوج عليها ثلاثا ... ولكنها بقيت الوحيدة التي تحملت سوء خلقه بصمت . لم تشتكي يوما أو تتبرم . انتزع أطفالها من حجرها , و أهداهم لزوجاته لكي يقمن بتربيتهم ....نساءه العقر الثلاث . كيف اجتمعن ؟ تصور أنها عملت سحرا لكي تمنعهن من الإنجاب .....فعاقبها بقسوة ..و لكنها بقيت صامته . يأمر فتطيع . لم تعترض يوما رغم تلذذه بتعذيبها .

   ردد في داخله (  ماذا يفيد الآن وهي بعيدة عني . أي ظلم أنزلته في هذه المرأة الصالحة . كيف عميت عيناي طوال هذه المدة ..)

  أما أبو سالم فهو لم ينم تلك الليلة . بل ظل مستيقظا واقفا محدقا في الظلام . يرفع عصاه الطويلة و يغرسها في الرمل , المرة تلو الأخرى . ينتظر قدوم سالم الذي لم يأت .  بعد منتصف الليل , بدأ في الهذيان . أخذ يردد الأشعار التي يحفظها منذ أيام الغوص . حتى ان سلمان قال له بغضب :

- أرجوك ان تصمت يا أبا سالم ..حتى ننام . نحن نحتاج للهدوء والراحة ليوم غد .  

 قام اليه بدر . امسكه بيده . توسل إليه أن يجلس و ينام قليلا . أكد له ان سالم سيأتي . لكنه لم يكن يسمعه .

***

      في اليوم الثالث , كانوا في مواجهة حقيقية مع الموت . و عند انتظار الموت يفقد المرء ثقته بنفسه و بمن حوله . تتلاشى صلابته . فيبدوا صغيرا , منكسرا ...تختنق حنجرته بالدعوات المتقطعة , اللاهثة , وهو يحدق غير مصدق بما يجري .

    العلاقات في الصحراء العنيدة و الزمن ....يتكسران . يتلاشيان و يفقدان أهميتهما و جبروتهما . و يصبحان حبلا مفتولا يلتف حول الأعناق بقسوة . يمارس لعبة الشنق بتلذذ خبيث . فيشعر الإنسان بأن موتا قادما , محققا , طاغيا لا يفرق بين  رقاب الكبار و رقاب الأطفال الطرية العظام . فيتحول الجمع الصغير الى غابة صغيرة ينتزع الواحد من الآخر كأس الماء و كسرة الخبز بعنجهية , و بتوحش غير معهود .

    الشمس ..هي الأخرى لا تترك الصغار ينامون بهدوء . و لا تعطي الكبار فرصة لكي يفكروا بهدوء و بعقل . فيصبح الحديث في مثل هذة الأوقات حادا , عنيفا , أقرب للعراك منه الى التفاهم . فهم في مواجهة مع الموت ...ذلك الموت البطيء الذي تمارسه فزاعة الزمن .  و الماء الذي خصص الجزء الأكبر منه للأطفال ...لم ينقذهم من الموت . فثلاثة من الأطفال ماتوا , لا من العطش بل من الحمى و حرارة الشمس . أما أم سلمان فقد ماتت هي الأخرى قبل منتصف الليل بقليل .

***

      بعد ذلك اليوم , لم يكن احد من أهالي الأحساء , متأكدا من حقيقة ما جرى في الأوقات الأخيرة  .  الراعي الذي و صل للمكان في اليوم  الخامس او السادس , أعطى و صفا مرعبا , متناقضا , و غير مفهوما  لما شاهده حين وصوله لباص القضيان .  أما رجال الشرطة الذين و صلوا بعد وصول الراعي بيوم , فقد أكدوا أن صراعا عنيفا قد جرى بين رجال عائلة القضيان .

الألواح الخشبية الملطخة بالدماء , والجروح العميقة على الأجساد , و بعض الهامات المفظوخة ...تؤكد أن الرجال تقاتلوا للحيازة على حصة أكبر من الماء و الطعام . صحيح أن و ضاح الراعي استطاع أن ينقذ بدر  و الطفلة زمزم من الموت , إلا أن شهادتهما غير مكتملة . فبينما ظل بدر في إغماءة طويلة لم يفق منها بعد .فإن زمزم ذات العشر سنوات , بقيت هي الأخرى تصدر أصواتا هستيرية هي أقرب للكوابيس , و الحكايات المفزعة , من الشهادة التي يمكن الوثوق بها .

عندما وصل وضاح إلى دروازة الخميس , و ذلك بعد وصول جثث المسافرين من عائلة القضيان و دفنهم بأسبوع . لم يخرج له ما تبقى من عائلة القضيان فقط , بل خرج اهالي الأحساء جميعا للاستفسار منه عما شاهد وسمع . عرفوا وضاح من أوصافه التي نقلها لهم رجال الشرطة . عمامته الصغيرة التي يلفها فوق رأسه خشية الشمس . تجاعيد و جهه الضامر , و ناقته الشعلاء التي يمتطيها . حينما اقترب منهم , أناخ ناقته و نزل . فأحاطوا به . رفع يديه للأعلى :

اسمعوا يا أهل الأحساء . لقد كان مروري  في الدهناء  ذلك اليوم بمحض الصدفة . فرأيت منظرا لن أنساه ما حييت .

 تنفس بعمق . و تطلع  في الوجوه . و أدار رأسه في مختلف الاتجاهات :

جثث متيبسة هنا وهناك , و باص خشبي مزروع و سط الرمال . و جدت أحدهم متيبسا بعدما دفن نصفه الأسفل في الرمل . أما الآخر فقد ثقب خزان الماء في ماكينة الباص ليشرب ماؤه الموحل . كما وجدت ثلاثة قبور صغيرة وآخر لأحد الرجال .

 حرك و ضاح عصاته الدقيقة بين أصابعه لمرات عديدة . ثم التفت للواقفين حوله:

في تلك البقعة من الدهناء تكثر الذئاب . و يبدوا أن الرجال دافعوا عن أنفسهم بكل ما يملكون من أخشاب و أعواد حديدية . لقد شاهدت بعض الذئاب مقتولا على مسافة غير بعيدة من مكان الباص .

***

                  زمزم قالت بنوع من الهستيريا بأنها رضعت من كل أثداء النساء بعد موتهن . أما أمها مريم فقد جرعت عنها شربة الماء الأخيرة , و تركتها تصارع العطش وحدها قبل أن تموت .

 و لكن حتى بعد أن  أحضر رجال الشرطة   بعض الأوراق التي وجدت في الباص , و التي كتبها سلمان القضيان قبل ان يموت ربما بساعات , فإنها لم توضح الكثير . لا لرداءة خطها فقط و ارتباك سياقها , بل لإسقاطها للأسماء . و اعتبارها نوعا من الوصايا الأخيرة بدلا من الشهادة على ما حدث فعلا . و عندما قرأ احد رجال الشرطة بعض ما جاء في أوراق سلمان القضيان فإن الضمائر بدت مبهمه و غير ذات دلالة . (  لا يوجد عندنا ماء . مات أبو سالم و هو واقف يهذي . بينما ضربه على صدره . لم يكن يقصد قتله . و عندما تدخل لمنعه , أمسكه من الخلف . قلت له اذهب معهما .  اتركونا نحن هنا ...إلا أنها خافت أن تبقى وحدها مع الطفلتين  .  طلبت منه ان يعطيني قليلا من الماء الذي حصل عليه من  خزان الباص   لكنه رفض .  و أعطى اخوة شربة واحدة فقط , و أستأثر بالباقي له وحده . اليوم الرابع و نحن بدون ماء . الشمس حارقة ولولا مساعدته لنا في اللحضات الأخيرة  لما بقي  أحدا منا حيا حتى الآن . إلا انه رفض ان ينقلنا إلى اقرب مدينة .  )      

          هل حقا وصل إليهم أحد قبل وضاح ! لا أحد يدري ! أما زعم الشرطة بالقتال الذي دار بينهم . فليس مؤكدا بعد شهادة الراعي . و حينا سؤال وضاح عن الجروح العميقة على هامات بعض الرجال . أكد وضاح أن النسور قد اشتمت رائحة الجثث . فجاءت من أماكنها البعيدة . و عندما حاول من بقي حيا من الرجال  صدها , هاجمتهم بالانقضاض على رؤوسهم .

  ولكن عندما سأل أهالي الأحساء الراعي عن السر وراء اختفاء جثة سالم . وأين يمكن ان تكون ؟ فإنه أبدى استغرابه . و قلب كفيه حسرة و ندامة .

 و كتب سلمان القضيان في أوراقه ( عندي ولازم ذمتي دين بمبلغ ألف ريال لبعد الله المرهون . وكذلك مائة ريال باقي  قيمة ثمن البيت الذي اشتريته من صويلح الاربش . و أقول  لأولادي ان البيت يبقى لأهل الدار الساكنين فيه الآن وقف ذرية ....و السلام . )    

 

 

 
 

 

 
 

الصفحة الرئيسية