|
هذا ما حدث
هذا ما حدث بالضبط يا شيخ
هل قلت لك غير هذا ؟
هل سمعتني أقول لك أن أبي لم يغادر إلا
بعد أن تركني في بيت الحجر مع مخطوطه
اللعين ؟
كل ما أتذكّره هو صورة أبي في معطفه
الواسع ، ينقب جدارالعليّة ويستخرج
المخطوط على عجل ، ويدفعه إليّ : وهو يقول
ـ انّه لأحد العارفين ، الرجل الذي كان
يكلّم الحجارة في وادي الأبيّض وشفاثا
وجنوبا حتى رفحا ،
إعمل
به ، وستلحق بي
.
ثمّ غادر
لم أكن ابلغ الحادية عشرة أيها الشيخ ،
مكثت أياما أتفرّس في هوامشه التي تزحف
إلى المتن بأطرافها الحادة وكأنها نصال
ماضیة
.
لم أر أبي منذ أن دفع إليّ مخطوطه
ولم يسمع به احد
هل أصفه لك ،
لعلّك تكون قد رأيته إحدى سياحاتك ؟
انه نحيل ، بعينين لامعتين وشعر أشعث ،
يترك خرائط غامضة و أوفاق ومثلّثات طيعيّة
في كل مكان يأوي إليه
انه بسيط كالصيف
كالصيف تماما يا شيخ
ترك مخطوطه بيدي وغادر
في السنة الأولى بكيت كثيرا ، وبحثت عنه
شرقا حتى كهوف الطار وغربا حتى السماوة
ولينا ولوقا
وسمعت من البدو عن رجل أشعث بمعطف جلديّ
واسع يحرس قصرا مهجورا لا يعبر إلى عزلته
احد
.
هل سمعت عنه أيها الشيخ ؟
كان أبي ، ذهبت إلى حيث وصفوا المكان ولم
أجده ،
ولم يكن القصر في موضعه أيضا
لقد نقله معه إلى مكان آخر
عملت بالمخطوطة ، حرّكت أعدادها ومثلثاتها
ونسبت الأشياء إلى أسمائها حتى طعنت في
السنّ
ولم يظهر أبي
..
.. لم أر
امرأة في حياتي
يقولون أن النساء أرواح خفيفة ، تعبر دون
أن نشعر بها
مثل مثلّثات مخطوط أبي ، أليس كذلك ؟
ومرّ بي رجل ابيض كلبان الذكر وحدّثني عن
النهر ، قال انه يمتدّ كالألف ويلتفّ
كالهاء ، ويتّسع كالكاف
.
لم أر في حياتي كتابا غير مخطوط أبي ، ولم
انسب مثلّثا إلى عدده وافرك غياباته
بالندّ والكندر والميعة السائلة حتى يبزغ
،إلاّ في مخطوط أبي
.
ولكن هل النساء أرواح خفيفة ؟
قرأت في مخطوطي : أن من انكسر قدحه مات ما
فيه ،
ولقد انكسر قدحي مرّات كثيرة ، فهل ماتت
جميع نسائي في بدني أيها الشيخ ؟
هل هناك حياة أخرى خارج مثلثاتي وأعدادها
؟
إذا رأيت رجلا أشعث ، فزعا ، بمعطف جلديّ
واسع ، يترك خلفه خرائط و أوفاق غامضة ،
فاقتله
انه أبي
|