فراديس .. ثقافة حرّة

 

 

 

17.03.2005

fradees1@hotmail.com

باب الجنة

 

الأرشيف

 

سجل الشرف

 

التنقيب في قبر الذاكرة

عن التشكيلي السعودي عبدالرحمن مغربي

almagraby@hotmail.com

كتبته : محررة فراديس الكاتبة السعودية ضياء يوسف

 
 

 

 

 

 

 

له فلسفة الطمس ...

يحك الفراغ الحاضر لاستجلاء الـ ماخلف/ الماضي الأصيل ..

(عبدالرحمن مغربي)  تشكيلي سعودي ينبش في قبور البياض

 يبحث عن الأثر/ ضالته ..

يحك الفراغ يستجلي بوحه وكل ما يمكن أن يكون قد دُفن فيه .. ونُسي .

يحفر ..

 يقشع عن القلب جلدته ..يثقب جداره لينزف مافيه...

وجوه كثيرة تآكلت أجزائها..

وجوه  تُطل من الجراح عيونها الحزينه ..

وجوه  خلف لوحاته مكدسه ..

رموز تتراكب فوق بعضها  تريد من خلاله أن تنفذ ..

 أن تتحرر من دم اختلطت به في الشغاف  ..

ودون التنفس تُركت لتختنق.

 

 

عند عبدالرحمن لون التراب حميمي ..

كالفقر تماما ..

يقارب الملامح يجعلها جسد واحد يلم نفسه ليتقي البرد.

 لون التراب محرض

على نبش السكون /  القبور ! ..

على إخراج العيون الشاخصه و نكأ القدم من مدافنه ..

 

 

لا أُلام أن تمعنت في مستطيلاته وسودوايتها فأخذتني مأخذ اللحود المصطفة في قبر عظيم يطبق على الظلام بجثته !..

ولا أُلام أيضا إن أخذت الثقوب مأخذ العيون المجوفة في رؤوس الجماجم القديمة ! .

 في لوحاته أتحسس جيدا  أكفان تلتف بإحكام لمومياءات مصطفه ..

أجداث بعد لم يُدفع ثقل أحجارها عنها ..

يأتي بكل هذا الموت على هيئة باعثة للتأمل  تستميل الناظر عن حدسه وتراوده بأدق تفصيلاتها اللونيه..

هدوء يزحف إلى النفس يقبض عليها بطلاسمه التي يرصها بوابات مجوفه لمغارات طافحة بالسحر لا يفوتنا من هيئتها الواضحة أن ندرك أن الولوج في منمنماتها ولوج في تهاويم النفث ..

تماهي مع اللون الأنيق والعتيق في آن ..

لون لا يعتق رمزه ..

ورمز ينعجن وينعقد في خيوط ألوانه .

 

 

لوحاته فخار قديم محطم الأجزاء مشبع بحرقة طينه الأحمر الذي من دهناء صاليه ..

رجال مطموسين بقيت صدورهم رمز الحفظ والتداول ..

تاريخ لا يُنسى نقشه  ..

 اياسرهم نخيل سامق يثرثر للأثر عن محليته يحكي بتعب بداوة قديمة تمتد عروقها في فوضى تطفح على كف الأزل نقش لا يُفسر ..

فيفقد هيبته ..

جذور على جذوع النخل تختلط على الناظر فترقى به لكفها المفتوحة على أعلاها الأبيض ..

 لا شوك غير ماتهذي به النقوش /

عتبات الراقي ..

 لا موحي غير ما تهمي به الصحراء ألوان تميد بقلبها ..

رياح تتكسر على هدأة الذاكرة ...

رياح تنحت في الفضاء مكانا لها ..

نقوش لن تكون عابره .

 

 

 

لوحاته ببساطته الفادحة هكذا /

 تاريخ يكتب نفسه على العظم ينحت على شحوبه عمره وحكايته الطويلة ..

يمنح الجديد قراءة واضحة  ..

تفاصيل تستجلي آخر البعيد تقرب صوتا غاب في موته تبعثه من الأجداث الصامتة تحلحله ليكون قطع الوضوح المتناثرة في مجهول الليل الذي تعدد وتكرر حتى أتم سديمه  .

 

في لوحاته بقدر ماتستشري الظلمة يمتد الماضي في بعده وبقدر ما يسيطر البياض تكشف المقابر عن وجهها وتفتح التوابيت أسرارها المغلقة وتعيد الرموز طقوسها للظهور.

 

قلت أن للون التراب حميمية الفقر وسأقول أيضا أن للون السواد تقشفه..

 عبدالرحمن في لعبة حدس يطش الأكتاف الصغيرة المحبطة ..

ينثر تعبها..

 يُحملها عاتق الحوارات السادرة في غي الحزن وهي لا تقول شيء حين  تقول الكثير ..

كثير قد لا نتحمل كثافته المركزه ..

دمعة حارقة قد  تسقط في الكلام وتقول مايعجز كل القول عن حرقته ..

قصاصات هذه الملامح لا تظهر بعيدة عن تلبس ملامح بيننا تقتات الشوارع وسمرة الطريق وتلعب بخيوط الشمس الحارقه ..

إنه الفقر ...

رقع من السخط الذي لا يُدرك بغير عيشه ..

 رقع من البلادة الموشومة في الوجوه المهمله

رتق التوحش والثراء القبيح ..

عالم من القطع المحطمه

لا يُفهم ولا يُدرك سره ..

عالم من الجوع كأنه آت من كوكب بعيد.. أبعد من الإستيعاب بمسافة إطمئنان ..

موحشه .. ! .

 

عبدالرحمن مغربي ينقب عن ذاتنا لأن ذاتنا في الإرث العظيم الذي نمشي عليه ..

في الأصوات التي قيلت وخطفها الأثير لقلبه ..

في الأكف التي نبشت قبورها بأصابعها فأنجبت من بعدها الشمس جيلا نبش موته بيديه وأعظم مافعله  أن أنجب الصحراء /  سمرة قانية طلسمها عبدالرحمن بأشف حالاتها وأكثرها حقيقه.

 

 

فلسفة الوجود عميقة عنده بحيث سيتبدى لنا بوجودية اللوحات ذاتها بالإضافة لوجودية رمزها  أن الفنان يراهن على ما يتمكن السطح البصري من رفعه من داخل الجوهر المعنوي أكثر من مراهنته على الأطر الرياضية الخشنة والمعتادة الثابتة التي تسطر السطح وتقسمه في حال لوحات أخرى لفنانين آخرين.

ثنائية (الموت) و(الحياة حد البحث في الموت ) قيمة كثيفة جدا بحيث تعبر بالتلقائية ( التي يجيدها المغربي جدا )  مايمكن ان تفرضه أو تهيمن فيه البنية الشكلية المتكررة والنمط السائد. 

 

أنا لا أحتاج هنا أبدا لإخفاء تأثري بكل الأعمال التي رأيتها له إذ ليس يتكرر كثيرا أن يقنعنا فنان بفلسفة مايقوله ككل يتجه لمعنى عميق نحتاج معه لنشسع في أرواحنا قدر الاستطاعة لنحيط بتفسير واحد يتشعب بعد ذاك غابة من الأشكال المذهلة .

 

عبدالرحمن مغربي يستحق فعلا أن يُفرد له البصر لآخر مدارك الروح حتى يُتم لونه على أكمل حضور ويستحق أن نصفق لموهبته بـ ملء قلوبنا .

مني لهذا الكبير كل الإجلال والتقدير .

 

 

 

 
 

 

 
 

الصفحة الرئيسية