فراديس .. ثقافة حرّة

 

 

 

17.03.2005

fradees1@hotmail.com

باب الجنة

 

الأرشيف

 

سجل الشرف

 

الشرف على أطراف القمامة

االقاص والكاتب الإيراني : أحمد حيدري

ahmadseeham2004@yahoo.com

 
 

 

 

 

_ وأخيرا سجدت في قبرك ، جامدة تلك العيون المتراكمة فوق صدرك ، أميرة....  هذا هو قبرك ، وأنا اجلس أمام الموت ، أمام الحقيقة . هل هذا هو القبر؟

يا قبر قل لهم من هي الساجدة فيك تبتهل كلماتها وتضوع منها اللحن الأخير.

أميرة........

الدمع يستقر على ما سمي بقبر أميرة ، الدمع ينزف من جرحي الوجه والقبر عطش وكل قطرة تبحث عن مستقر لها ، تخاف الواحدة منها وهي تحاول الوصول إلى الأعماق أن تجف في صحراء السكون، ولكن القطرات حين تصل تعلم حينذاك أن لا فائدة  ترجى.

أميرة قبل يومين كنت معك . أناملك الساكبة للموسيقى ، شعرك الذي يهابه الجميع خوفا من انتشار الظلام ، عيناك الواهبة النور لظلك الأبدي ، حاجباك المعلنان عن أعياد كل الدنيا  ، خداك اللذان سقطا من ارض الخلود ، وقدمان تسجد حبات الرمل شكرا لآلهتها ، كل حبة تلمس هاتين القدمين يأتيها انكسار الطلسم وتحقق النبوءة ، إنها حبة رمل مقدسة .

لا اعرف كيف خبا القدر في طياته الحمراء اسمه . وعينه . وارتجاف العصفور المغامر . كان يجمع تلك الحبات الرملية القدسية ويبوح لها بأحرف احتكاك الشوق ورنين الثواني السبع ، عظيم ... هذا اسمك عظيم ........

أميرة يا اسم النور ودوران عباد الشمس ويا عمرا عشته بكل وديانه وغاباته...

هل ناديتني في ذلك اليوم ؟

وهل قرأت لي ما كتبه لك عظيم؟

 وهل ذكر حديقة الجزيرة موعدا للقاء؟

وهل ذهبت إليه بعد انتهاء الوقت المدرسي؟

وأنا كنت أعيش الخمس دقائق التي رآك فيها ، صاحب حبات الرمل تلعثم في خروج أبجدية حبه ولفه طوق لونه احمر رائحته انعتاق الموج، لم يمشي في حديثه متجولا في ساحات الرجولة ، طلب يدك لينتشل نفسه من زوبعة النبض ، واختفى احتراق الشفاه واختفى هو .

رجعنا كلك أمل ، عبق المسامات النازف  أعطت الأشجار روح الثمار رغم إن الفصل خريف ، خطواتك شغلت الناس عن تغريد الطيور .

ها هي شمس تولد ويوم جديد ولقاء معركة البوح. وأنت لست أنت ، اختفت ابتسامة الخطوات ، وعاد المنشدون إلى كهوف عزلتهم وامتلأت أفواه النايات بالورق الأصفر المتكسر، ووجهك نزل عليه ضيف من عالم آخر.

ناديتني بصوت يعبر مسافة القلب ويختزل الحزن في الضلع القديم...

ناديتني: أمينة خذي هذا الصندوق واحفظيه......

ناديتك ، أمسكت يدك ، عصرت الكف الموصولة بزمني ، وتركت العقل مع صمت عينيك وهشيم دمعك ....

قلت لي انك عرفت  بوصول خبر اللقاء إلى اهلك . ووقفت أمام رجوعك إليهم، لكنك ذهبت وتركت أصابع يدي اليمنى يتسلل منها ارتجاف مغرب لم يحن بعد.

وبقيت وحدي ، تحدق بي سبورة لا تستقبل الكلمات ، ومدرسات أصابهن ملل النظر إلى الوجوه المتكررة.

وانتهى اليوم الدراسي ، أسابق الزمن للوصول إلى البيت ، سماعة الهاتف تناديني وصوتك من ذاكرة الغروب يناديني ، أدرت الأرقام وجاءني صوت أخيك صقر ، هل ذبذبة الهاتف أعطت صوته اقتحام الصخر بالأظافر ؟

ووصلني صوتك المحبوس بدوائر الأعين المراقبة. لكن القلب اطمئن وعاد إليه لمعان الطبل.

وجاء  الليل بسكونه ، الساعة العاشرة الآن . دخلت غرفتي وأردت إطفاء المصباح ، لمحت صورتي التي ضممتك فيها إلى صدري ، عاودني الإحساس المختلط بالرعب وبانقطاع النور ، خرجت من غرفتي واتجهت إلى الهاتف ، لا أعرف ما الذي دفعني للاتصال بك في تلك الساعة ، أصابع على الأرقام وعقل في الأوهام ، والدك رفع السماعة ، أقفلت الخط ورجعت إلى غرفتي وأنا أبعد الأفكار الخانقة، لا أعلم متى أحاطني النوم بخيوطه ، ولا أعلم متى جاءني الحلم الموقظ لصلصال الصبار ، وفمي صحراء عطشى ، خرجت من غرفتي لأشرب السائل الشفاف ،شربته وعدت ، لم أشعر بالضوء الآتي من غرفة والدي عند دخولي المطبخ ، وعقارب الساعة اللاسعة تشير إلى الواحدة والنصف ، ذهبت لطرق الباب وطرق سمعي  .........

(( ابن عمتها مرداس وابن خالتها ترياق وأخوها صقر....))

لم اعلم ماذا حدث ولم يعلم صوتي الهادر من أعماقه في أي اتجاه يركض.......

كنت على سرير والدي ، والدتي إلى جانبي وانحنى رأسا أبي وأخي ، رأسان بلا عيون .

_ ماذا حدث لأميره ؟

صوتي وهو يسأل يبحث في الوجوه التي تتبادل نظرات الفزع ، أخي وائل تخبو في عينيه حقيقتان ... حبه ودمعة ... ورسو الدم القاني ودمعة.....

_ وائل ماذا حدث؟

وبدا الكلام... بل بدأت حكاية أميرة......

 

أميرة ينهشها ثلاثة ذئاب متعطشة للدم الوردي ، لأنهم سمعوا بلقاء لم يكن تحت ضوء القمر ، فار الدم في أيديهم وأرجلهم وأنيابهم..........

_ وائل ...حبه ودمعة.... ورسو الدم القاني ودمعة... وصوت متكسر وحبة رمل....

قال وائل : (( لما سمعوا بما فعلته أميرة قرروا مسح وصمة العار التي لصقت بجبين القبيلة ، لم يستطيعوا فعل ذلك إلا تحت إصرار عمة صقر أم مرداس التي خطبت أميرة قبل تفتح أعوامها ، جاءتهم والطين فوق رأسها وتحت أظافرها وهي تبحث عن رجال وسط زمن ضاع فيه الرجال..

نفذوا ما قالته لهم : الرأس لصقر ، ومن الكتف إلى السرة لترياق وما تحت السرة إلى أصابع القدم لمرداس....

 ***

تنظر إلى العيون الحمراء ، لم ترفع إبهام الصوت  لم تحرك رمش الذاكرة العائلية...

اكتفت بالتحديق إلى السماء والى الرجل العابر من الزمن المقتول.

النصل اللامع يحفر ، والدم اللامع يحفر، وأكياس سوداء تحجب أوصالا بلا دمع .

هذا الشرف بالأكياس السوداء ينام ليلته مع النفايات ويأتي الغرباء من ذباب وديدان ليلعقوه.

لكن الكلاب حائرة بين رائحة الدم والوفاء، فاختارت الاثنين ولملمت الشرف بأنيابها وغادرت.............

 

***

دمع أمينة بلا زمن ولا مكان ولا طعم ، وشعور السقوط في هاوية الظلمة لا يفارقها ، ركبتاها على الأرض وكفاها ترسم الألم ،حاولت القيام وهي تقول:

_ هذا هو قبرك ولم أعرف أنك سلمتني القبر قبل الذهاب ، صندوق خشبي يحفظ رسالة واحدة .

 ***

الله اكبر الله اكبر

يرفع آذان الفجر بصوته الذي فارقه الحنين اليوم ، ودخلته من الأطراف كملك الموت رؤية حسبها تجربة للمؤمن من الله ، استغفر ربه وأسرع الخطو ، لولا تلك العينان لما صدق ، لولا تلك العينان لما آمن ، لم يكن فيهما أي معنى ، و فيهما كل المعاني ، حلقة صوفية ، أولياء من السماء نزلوا، دم مقدس، ملائكة تطوف .

 

حي على الصلاة

صوته الآن كله حنين إلى الانعتاق ، صوته  الآن سجدة، صوته دمعة معلقة بين العين والأرض....

 ***

تفتح أمينة  رسالة أميره التي ترقد في الصندوق الخشبي ، تقرأ للمرة.....

((أخي الفاضل عظيم ... كم ندمت على الذهاب إلى الجزيرة ، وأرجو أن تقبل أن تطلب يدي من عائلتي أو عدم التعرض لي بأي شكل ....

فانا أخاف على شرف عائلتي...))

أميرة.

 

 

 
 

 

 
 

الصفحة الرئيسية