|
صحيح ... أنني تزوجتها، لكنني لا أحبها،
تزوجتها لأنني أردت... وأرادوا لي أن
أتزوج وكفى.
في يوم حجري غادر قلبي مع فتاة، اعتمر
قبعته ومضى خارجاً وأوصدت الباب وراءه،
حدث هذا قبل خمسة أعوام تقريباً.
بلع ريقه ولم يجد بعدها بلة ما يحرك بها
لسانه، كابوس قظ مضجعة، وهي تغط بنوم عميق
على يده وتعطبها فيزيقياً.
بحركة دراماتيكية ركضت أصابع يده الطليقة
على ضوء السرير، لكن لا حياة فيمن تنادي،
تخبط كالذباب في شبكة عنكبوت باحثا عن أي
حل مبدئي يسعف نفسه به، لكن الظلام ابتلعه
كأفعى خرافية قطع ذيلها وعادت تنتقم من
غريمها.
حبات البرد تنهش كحيوان خرافي زجاج
نافذته، وتماس كهربائي ( والله اعلم) هو
سبب انقطاع الكهرباء.
"الشمعة"-
هي البديل الذي يقبع دائماً في زاوية
الانتظار المهملة،
قرر ان يسحب يده العالقة رويدا رويدا، ثم
خاف ان تستيقظ واخبر نفسه قائلاً: لا حرية
في الخوف نفسه، ومحاولا ثقب جدار التحدي
مع ذاته، عاد وقال فليحدث ما يحدث
سأكلمها....ثم حك رأسه، فاكتشف ان شعره
طويل، تذكر كلام أمه الذي كانت تقذفه به
صباح مساء "يامه احلق شعرك، وجهك صار مثل
القرش"، و يبدوا ان هذه المقولة ما زالت
عالقة في ذهنه فقال بما ان الشعر يتغذى من
الرأس، فلا بد ان شعري أنا يتغذى من
بصيلات دماغي، وألا لماذا نسيت أين وضعت
الشمعة؟ ومن أنا؟ في محاولة لإقحام نفسه
في أسئلة إثارة تبحث عن أجوبة.
بدأ متفاعلاً مع رقصات لسانه وألحان زفيرة،
أنا نفسي لا اعرف نفسي، المراوغات النفسية
لا حصر لها، والتحليل الذاتي محكوم
بالتبرير الذي يأسراه الواقع والتجربة،
وأتلمس ذاتي واسبح في بقاياي وبلا فائدة.
**
شن الرعد هجوما مباغتاً، صاعقا...،
تململت، كادت ان تطلق العنان ليده، اعتصر
الأمل لو أنها فعلت...، اعترته رجفت برد
تمشت على مهل في أعضاءه حاول التعبثر، ولم
يحفل بحريته.
زمجر الريح - دعارة الطبيعة في الخارج،
اقتربت من خده أحس ببرود جسدها وشعرها
وبللهما، فخيل له كأنها جثة غريق انتشل
ليلاً.
تتوق دماغه لسيجارة تمنحه بعض الراحة،
علبة سجائرة على الطرف الآخر من السرير،
الطرف حافة، وهي منحدر، تل مفاجئ ينتهي
بمنخفض عريض، والمنحدر يقودنا إلى واد
عميق هو جسدها، وعلبة السجائر هناك، وهو
في الأخدود، وليس الأعالي ما يخيف بل
الأعماق فعلى الجرف تحدق العيون في
الهاوية.
سقط شيء بارد على كتفه، تحسس، سدس، خمس،
استخلص بأنه دمعها الذي أعتاد عليه من أول
يوم، لم يعيشوا سعداء لدقيقة واحدة،
يدارون مشاعرهما بمعنى ادق لم يخرجا من
أنفسهما من أول يوم تم فيه اختراع
المبررات الذاتية.
***
خيل له أنه يسمع نشيج صوت متقطع صادر من
أعماق قلب يعتصره الألم، ويكاد يفتق به،
استجمع قواه ليسألها ما بها، بدأ العد
التنازلي، وقال لا شيء سيحدث ... لا
شيء... ثم تراجع
لم ينم المطر تلك الليلة، كذلك هو، ودمعها
أيضا لم يتوقف عن نزيفه المتقطع، وأصعب ما
في الحب اصطناعه لا عدمه.
عندما يسقط الدمع على الخد يسجل لك بأنك
إنسان، ولن اسلبها هذا الحق، والبكاء ينشط
القلب أيضا، ويفش الغل، دارت هذه الأفكار
بباله وهو يحاول استراق يده التي خدرت حتى
بات يشعر بها كخشب السرير المحلي الرخيص
الصنع الذي تخبره أعصابه الجليدية بأنه
كذلك.
***
ماذا سيحصل؟ لو سألتها تتنحى عن يدي، فلا
يعقل ان أبقى مصلوبا كالمسيح على هذه
السرير، أحملق بفراغ العتمة، لا...لا ...
لن افعل، لن افتح على نفسي باب جهنم،
منظومتي العقلية والنفسية غير "مفرمته"
على هذا النظام، لن أكلمها فلأدعها تبكي
كما ترتأى، فأنا الأخر أتعذب، فقلبي
غادرني منذ زمن...فما ذنبي؟
وماذا باستطاعتي ان افعل لها؟ ذلّ
السؤال.. دار في رأسه كحيوان يدور حول بئر
نضبت ماؤها.
بعد ما راودته هذه الهواجس والأفكار
القاسية كفرشة السرير، التي خدعوه بها
عندما اخبروه بأنها مع الأيام سوف تلين
وتتحسن ، لكنها كزوجته لم تكسر حاجز القلب
وكلاهما كانا صدى لانعكاس مبررات كاذبة.
الفتاة التي خطفت قلبه منذ زمن حبها ما
زال يجري في دمه كالنيكوتين، وعلبة
السجائر على الطرف الآخر من السرير، وفي
محاولة يائسة للمس علبة السجائر برؤوس
أصابعه يده، آمال جسده بحركة اكروباتيه
هادئة...هه...هه...كادت أصابعه تقبض عليها
متلبسة لولا اصطدام صدره الذي إزاحة بنصف
حركة مكوكية لابتداع انحراف معياري يرضع
الحل منه، أدرك بخبرته الفسيولوجية لجسم
المرأة بأنه نهدها.
تباً لهذا النهد الذي لا يسمن ولا يغني عن
جوع
لم
يبقى ألا هو يقف في طريقي ؟؟
قذف هذه الكلمات بداخله فلتوت وغاصت في
أعماق نقطة حالكة في تلافيف العقل
الباطني، حتى أصبحت على استعداد لتطفو على
السطح في أي لحظة، وفي محاولة للتشبث
بالوعي أطلق زفرة طويلة تعربشت كالعنكبوت
على جدار الغرفة، ذلك الجدار الذي يحلم هو
الآخر بفترة نقاه من هذه الغرفة الكامدة
المشاعر الزاخرة بالأوجاع المتذبذبة.
***
استمر بكاء السماء وبكاءها، وهو كان
مشغولا بالبحث عن وخزة ما تجبره على تجاوز
التجاوز يستطيع خلالها التخلص من تلابيب
الموقف، وجاءت وخزة الضوء قوية فوق
المطلوب، أعرك عينيّة، تأمل فوضى الغرفة.
يده
كانت ملاذا لقطة دفعها البرد لاعتناق
سريره ملجأ دافئاً، ضحك
...
نظر إلى سقف الغرفة حبات المطر كانت تنز
من السقف تتأهب، تتحد، تبدأ بالعد
التنازلي للسقوط على خده، حك رأسه مرة
أخرى فتذكر انه سلخ الثلاثين عام، ومازال
يبحث عن امرأة، عن ليلة حمراء، تطفئ جسده،
تمتص رطوبته، تمزق خارطة الحب الأول من
حياته. |