فراديس .. ثقافة حرّة

 

 

 

21.02.2005

fradees1@hotmail.com

باب الجنة

 

الأرشيف

 

سجل الشرف

 

ذريعة الضوء..لاغتيال المسافة

الكاتبة السعودية : هديل الحضيف

hadeel_hodaif@yahoo.com

 

 

 

 

لم أعبأ بالأمر بداية، إذ أبت ملامحه الظهور..

كان الليل يتجرع ساعاته، دون أن يزعج الأطفال النائمين داخل البراويز الكثيرة، بينما يتمادى السائل القلوي في حرق أصابعي، حلكة عمياء تمعن في غرز عينيّ بأشواكها، والرائحة الحادة تقتل حاسة الشم لديّ ببطء.

نصف ليلة عبرتني، دون أن تظهر ملامحه، حتى أويتُ إلى نومٍ مضرّج بوجهه!

 

لا أدري ما الذي ملأ شريط (الفيلم) به، كان الشريط الأخير بعد عمل صحفي مضني، و قرّر القدر أن تكون محطته الأخيرة، قبل أن يصعد حافلة لـ يمضي، لا أعلم إلى أين ، أعلم أنه مضى، و موقنة من أنه لم يترك رسالة لمسافة الزمن الأجدب، التي استشرت بيننا دائماً.

 

لم نلتقِ إلا قليلا، عملي الميداني، يتطلب مني غيابا طويلا عن المنزل، في وقت لا تتيح له تجارته قُربا مستمرا.. كنّا نتوازى كثيرا، ونلتقي على عجل، بحقائبه المرتّبة للسفر كحقيقة ماثلة، و عنقي المطوّق بـ (كاميراتي) دائما

***

 

" نظراً لجودة الصور التي تزودين الصحيفة بها، واختيارك الجيد للموضوعات. إضافة إلى تغطيتك لكثير من الفعاليات التي تقام في المدينة، يسرنا دعوتكِ للانضمام إلى طاقم التحرير في الصحيفة، وتوقيع عقد رسمي بمرتب شهري يُتفق عليه حال موافقتك على بنود العقد"

 

رئيس تحرير صحيفة العاصمة

جمعة الخميس

 

نسخة للمصورة ميسان الخالد

نسخة للصادر

 

***

 

36  صورة ، لا تحمل وجهاً أو ملامح ، لا تحمل صوتاً كذلك، مع يقيني أنه لا يجب أن تحمل صوتاً، هكذا درست ، وهكذا كتب الله على هذه المادة السوداء المـُبصرة . لم أيأس من كون النتيجة متكررة..

 36 بقعة بيضاء، ذاكرة مجوفة تماما، دائرية الأطراف، بحواف سوداء حادة، تنفي كل التفاصيل إلى خارجها.

 

***

 

بذرة من قلق وقعت في القلب، فوجدت لها مكانا آمنا للنمو. لم أجدني بحماس كهذا من قبل، تجاه أيّ صورة سابقة. محاولتان فاشلتان، كانتا كافيتان جداً لأن أتوقف عن إظهارها.

 

كنتُ أبرر لنفسي هذا الحماس.. بأني يجب أن أوجد له مكانا مميزا في سجلّ الذاكرة، رغم أني أكثر من يعلم بأنه لا يستحقه، أو ربما لأني أريد إرضاء ضميري الذي مارس عليّ ساديّة مفرطة، لعدم حزني على غيابه كما يجب أن تفعل أي امرأة تجاه رحيل زوجها، فأردتُ لموته رهبة أكثر.

كنت أخاف نسيان ملامحه، خصوصا أني لم أجد أي صورة له، كان الألبوم الذي نرتب به ذاكرتنا.. خاليا، و تبدو آثار نزع عنيف للصور، لم يبق سوى تلك التي لا تحمل غير أماكن خاوية، أو مقاعد لا أثر لجلوس إنسان عليها، حتى أشرطة الفيديو التي توهمتُ وفاءها، وجدتها مملوءة بتسجيلات لمباريات كرة القدم من بطولة كأس العالم الأخيرة !

 

طوال النهار التالي كنت أبحث في الخزائن التي لفظت أشياؤه سريعا بعد موته، علّ دليل ينتشلني من التيه، فما وجدت غير يباب، و رماد بارد صبغ يديّ بلون شاحب كالرحيل.

 

***

 

كل الوجوه.. مسافرة.. أو على شفا سفر..

تلح بإصرار غريب على ترك مساحات الذاكرة نظيفة من غير أثر. كنت أظن أن وجهه هو الوحيد الذي تقاعدت ملامحه عن الظهور، حتى أدركتُ بأن الصناديق و الأشرطة السوداء لا تهدر بغير بياض صاخب.

بعد محاولات منهكة، و فاشلة في إظهار تفاصيل تلاشت قبل أن توجد. تقلدت آلتي، و مضيت أحرث في دروب قحلت من خطاي منذ زمن بعيد.

 

***

 

 

ابتسامة قرض السوس شيئا من بهجة أسنانها الأمامية..

مقعد خشبي، انحنى فوقه ظهر مثقل بالعمر..

عينان مغرقتان بالانتظار..

و تفاصيل لوجوه مارقة، لا تلتفت..ولا تتمهل..

 

***

 

كتب-المحرر

حازت المصورة (ميسان الخالد) في صحيفة العاصمة، على جائزة الدولة الأولى في التصوير الفوتوغرافي، عن مجموعتها الأخيرة المعنونة بـ(ملامح)، و التي تميزت بنظرة مختلفة، و طريقة تجريبية جديدة، تستحق المتابعة.

الجدير بالذكر أن ميسان، التي عُرِفت بتصويرها للبورتريهات، و مظاهر حياة الشارع، امتنعت عن التعليق على فوزها، و اكتفت بشكر لجنة التحكيم التي أحسنت الظن بصورها. متمنية للجميع حظا جميلا.

 

***

 

لا شيء !

تماما لا شيء !!

سوى لفائف سوداء سرمدية، تمعن في تناسل عقيم ..

لا وجوه .. سوى بقعة من بياض متوهج، يمسخ الملامح..

يقود الأعين لجنون الألوان..

يحيل الأنوف و الأفواه.. إلى مسوخ من نور !

 

كيف يغدو النور مرعبا إلى هذا الحد؟!

لِمَ يمارس تهميشا مستمرا للذاكرة ؟!

 

لا أستطيع الاستمرار في حياة من برزخ !

هذا النسيان الناقص يعرف تماما الطريق المستقيم نحو.. الجنون !

كيف تقتنع طفلة جيراني التي طلبت مني التقاط صور لها هذا الصباح، أن لعنة الفراغ تلاحقني؟ وأن أصابعي قد تمكن منها الموت، وعدستي عمياء؟!

وأني لن أظهر صورا لا تعبأ بي.. و تتبجح بوجوه لا تطل إلاّ على الآخرين !

 

 

 

 
 

 

 
 

الصفحة الرئيسية