|
منذ
وطئت رجله هشاشة الأرض وهو يستعر بمناغاة
الليل..خفاش بشري يرى في الظلام نوره
الحقيقي..
يلكز خاصرتي بيده ويقهقه:
النهار خطيئة الغريب .. فلتلبس كِنزة
العتمة!!
يبهرني بالتفاتات فِكره ..يظل يسارقني
نظرات الضحك لتخرج من جنبات فمه نيران
هوجاء تلتهم السائد من القول والمُدرك من
الأحاديث..
لايعرف موطناً يؤويه ..كل الأراضي غذدت في
اغترابه وطناً..لا يستقر في أرض إلا
وتدفره ذاته إلى أرض أخرى ..يمني نفسه
بشيء ما يمكن أن يكون فيها...
آتيه كل ليلة وقد انتصبت قامته فأصبح في
جلوسه أشبه بالقائم ..تظل عيناه تمسحان
المكان وكأنه صياد يترقب فجأة فريسته..
قلت له ذات مداعبة:
- سقتك الغربة خوف صبي..
رشف من كوبه البارد الذي يتسلى بشربه على
مهل .. ثم نظر إلي بعين واحدة كأعور يبتغي
فتح الأخرى فلا يستطيع..
- بل سقتني حذر الثعلب في دهماء الغفلة..
هكذا يطلق في وجهي أهيرته النارية لألملم
أشلائي في لثغة الاندهاش..
يعبرني بظله يظل واقفاً من ورائي وأتعمد
عدم الالتفات عليه..
يقرب فمه من أذنه أحس بأنفاسه الحارة
تتدرج بالدبيب نحوي يرقطها بأسنانه الحادة
..أئن..يهمس ببرود مميت:
هكذا علمتني الغربة..
أضحك من فوري لأنه يعرف أني لا أومن
بتفاهات النظرية ليجسد المنطوق إلى
مفهوم..
بات هو ليلي .. لاأعرف النوم إلا على
هدهدات كلامه الذي أُعيد تشغيل ذاكرتي
اليومية لأحاديثه في المقهى..
لأميته طعم حلو.. تناح الحكم من فيه
ببساطة دائبة وارتياح لذيذ..
ساعاتان وظله لم يعبر.. كنت أعرف أنه
يتربص بي عن بعد كعادته اليومية ليضرم في
قلبي الخوف من عدم مجيئه..
ليصرخ:
تأخرت..
هههههه
ثلاث ساعات..
حتماً سيأتي :
أوه تذكرت يبدوا أن صاحب العمارة كلفه
بإحضار طلباته التي لا تتوقف..
أربع ساعات..
جاء دور النادل الآخر ليبادل الأول
نوبته..
وجدني مثقل الذهن .. وجهي يطفح بالعرق
وركبي تتأتئ بالارتعاش..
أقبل علي وهمس:
لقد سافر |