01/12/2006

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 

بعْضٌ مِمّا قالَهُ الليْلُ في حَانةِ الخريْفِ

حوَارِيّة بيْن يزيْد بن طلْحة القيْسِيّ

وامْرئِ القيْسِ الكنْدِيّ

الكاتب السعودي مظاهر اللاجامي

modaher2@hotmail.com

 
 
 
 

في هَاويَةٍ قيْعانُهَا الصفرَاءُ تنشجُ كدخانِ الأسَاطيْرِ حَانةٌ قديْمَة، تطلّ على الخريْفِ... الظلْمةُ صَمْتٌ يتَعرّى، والريْحُ خلفَ نوَافذِها الصدِئةِ تولْوِلُ في حَشْرَجةِ ناياتِها... فارغةٌ هيَ الكراسي، لا يملؤها إلاّ الشعراء بيْنَ الحيْنِ والآخرِ... في وسَطِ الحانةِ شمْعةٌ تضِيءُ لتحتَرقَ في خشوْعِها كصِبَا راهبَةٍ يحْتَضرُ... كقمَرٍ جَريْحٍ يغرقُ في بُحيْرة تنطفئ شيْئاً فشيْئاً كأطيافِ نغم... قبوْرٌ فارغةٌ كلُّ زوَايا الكوْن، وديدَانُ السنيْنِ تعْولُ في جثّةٍ هامِدَةٍ اسمُها المَسَاء... على وجهيْنِ حفرَتِ الأيّامُ على تجاعيْدِ لحوْنِهما أنشوْدةً للسكوْتِ، أنشوْدةً تخلقُ زوْبَعةً على هيْأةِ نخلةٍ، وتسقِطُ عليْهِما غربان لا شكْلَ لهنّ... في جوْفِ الخمرةِ يرثي نفسَه نايٌ صَموْتُ...

 

يزيْد بن طلحةَ القيسيّ: ( يتنهّدُ ) أرسمُ في كلِّ مَنْفى دروْباً وخرائطَ أعبرُ إليْهَا نحْوَ دَهاليْزِ صَوْتي... أخلقُ منْ يأسِي شهْوَةً تلمْلمُني حُطامَاً... ترميْنِي كنجمَةٍ خرْسَاءَ على طفوْلةِ الفجْرِ... أعانقُ البَحْرَ مخْموْرَاً بآياتِ رُوْحي... آهِ يا ليْلَ الشموْعِ ما أعظمَني... نفسِي دِيْنٌ أنا أعبُدُها...

 

امرؤ القيْس الكنْديّ: كانتْ مَمْلكةُ الريْحِ في كفّي فنثرتُها ضبَابَاً لشمْسِ المَسَافاتِ... تركْتُ أمَامي وَرَائِي رَافضاً زنبَقةَ الشمْسِ ونجمَاتِها، وَرَحلْتُ راكِضاً أبحثُ عنّي... أسابقُ ظلّي ويا ليْتَ شعْري، كيفَ أمْحو الفصولَ في ذاكرَتي، وأذهَبُ نحْوي في صَحْرائِها حامِلاً في أعشارِ قلبِي نخيْلاً وَهوَاء... ( وهوَ ينتحِبُ ) كمْ أكرهُ عرْشَ الليْلِ وتكرهُني ممْلكةُ الأنوَاءِ صارخةً بي أنْ لا نساء...

 

يزيْد بن طلحة القيسيّ: دافئةٌ هيَ اللياليَ حيْنَ يزغرِدُ شبَقاً عرَقُ أنْثى أموْتُ سُكْراً على ارتعاشةِ صَدْرِها... ( يحدّقُ في كلِّ الحانةِ ويسكبُ الخمرةَ في جَوْفهِ )... في كلِّ سَاعةٍ، في كلِّ، ( يصمتُ قليلاً )... ساعةٍ تشتهيْني الخمرةُ تذوْبُ فيّ وأذوْبُ فيْها... ( لحظةُ صَمْتٍ ) لا شيءَ إلاّ صَدَى منْ أمَطار وَجهِكَ يرتطمُ بسيمفونيةٍ مَيْتةٍ تحملُني أجفانُها. أغنّي لغبَارِ الحزْنِ على شفةِ عذرَاءَ تغسلُ نهديْهَا بأضوَاءِ الخليْجِ... إنّي أحِسّ بأ ( يقاطعهُ )...

 

امرؤ القيْس الكنديّ: ابنُ زانيةٍ علقمةُ المخبول ( يضحَكُ بصَوْتٍ عَالٍ ) أنشِدُ لرمَالِ الصحراءِ تسيْرُ عليْها مرْضِعٌ، تغسلُ كشحَها بنجوْمِ دَارةِ جُلْجل...

 

يزيْد بنَ طلحةَ القيسيّ: إني أُحِسّ بأطيافهِمْ تصرخُ... تحَاصرُني في هذا المكان... ترقصُ وإيقاعاتي على جرْحٍ في قناديْلِ شِتاء...

 

امرؤ القيس الكنديّ: جَسَدي خبزٌ لهُم، وأحدَاقي تدخلُ في خِدرِ مَطرٍ لهُ شكْلٌ يشبهُني، وأحيَاناً أخرَى أشبههُ... عنيْزة، مخطوْفاً أغرقُ في ليْلٍ كأنّ نجومَهُ مشدودَة بأمرَاسِ كتّانٍ إلى صُمّ جندلِ... أقطعُ وَادياً كجَوْفِ العَيْرِ باحِثاً عنْ سَحَابةٍ اسمُها أنْتِ... كمْ من غريْبٍ مثلنا كانَ هنا، الخمْرةُ تضيء له الدروبَ وذاكرَةُ الجَسَدِ مأواهُ، وكمْ منْ ليْلٍ كمَوْجِ البَحْر طافَ بزَوايَا الكهوْفِ ثمّ مَاتَ صَامِتاً.. مُنْتَحِباً في اشراقةِِ الغيوْمِ أو في صفرةِ الغروْبِ...  ( تدمعُ عيناهُ ) فاطمَةُ قدْ غرّهَا أنّ حبّهَا يقتلُني، وإنّها مهْمَا تأمر القلبَ يفعَل ما تشتهي قسْوتُها... لا، لسْتُ أدري، كنْتُ في كلّ مرّةٍ أشتهي الخمْرَ أشتَهِي صَدْرَ فاطمَة...

 

يزيْد بنَ طلحة القيْسيّ: أتركُ عُمْري كلّهُ ينزفُ على نَدَى شَفتيْها حِيْنَ يرحلُ القمَرُ لينتَحِرَ على رَعشةِ وسَادتِها... أولجُ ثعبَاناً مُنْتَشياً برائحَةِ الشمْعِِ في أسَرارِ تنهّدِها... أمل، فاتنةٌ أحرقْتُ روْحي بيْنَ نهْدَيْها، وفضضْتُ مرآةَ الوْرَدِ في ثلوْجِ جَسَدِها الشمْسِيّ ( يتنهّدُ شبقاً ) أشتهيْهَا كلّما غبْتُ عَنْها كمََا أشتهي أنْ أرى وَجْهي... ( يصمتُ قليلاً ) كلّهم مَاتوا... غُيّبُوا في بقايا جثّةٍ لملمَتْ أشعّتها هاربَةً نحْوَ جنازتِها، وَوَحْدي أنا وأنتَ لنْ نموْت...

 

امرؤ القيس الكنديّ: ( يصفّقُ ) وَحْدنا لنْ نموْتَ، وحدنا لنْ نموْت... ( يَسكبُ لهُ قليلاً مِنَ الخمْر )...

 

يزيْد بن طلحةَ القيسيّ: ( مُشيْراً لقنينةِ الخمْرِ ) أسقنيْها حتّى تتوَالدَ آثامي.. تكبر حَتّى تصبحَ مدائن تمسَخُني لعنةً وحِجَارَة... بيْني وبيْنهَا أشيَاءُ لا يعرفُها إلاّيَ والصّمت... تحْنو عليّ كديْرِ رَاهِبٍ، أو كشمْعةٍ تطهّرُ أحزانَ مَنْ يتعبّدُ في صَوْمَعةِ الضيَاعِ... وَيُصَلّي في مِحرَابٍ خطوطهُ جنازةُ الريْحِ، وأوْتارُ عَاصِفةٍ لهَا شكلُ الانهيَارِ... ( يغيْبُ وجههُ في أحشاءِ الظلمةِ.. يأتي صوتهُ مُتحشرِجَاً منْ لا مكان )...

ليتَني أعرفُ ما بِي

ليتَني أسحَقُ وجهَ المستحيْلِ ( يبدأُ عزفٌ جنائزيّ بالهذيَانِ )

يا بقايا الضوْءِ...

وَحْدي في عَذابي...

كيْفَ ليْلٌ منْ شظايا الصّمْتِ بَاكٍ

شاهقُ الأنجمِِ...

سَاجٍ في غِنائي

أيْنَ روْحي الآنَ في دُنيا السكوْتِ ؟!!

تشتهِي الأمطارُ وَجْهي..

            تشتهي النجمَاتُ مَوْتي...

طيْفُها الجذّابُ في كلِّ السوَاحِلْ

أرتمي كالدّفء في مَعبَد بَابلْ

غارقٌ في مَأتمِ الأضوَاءِ..

                    في كلِّ المَقابرْ..

وعلى ثغريَ غربَانٌ، وطوْفانٌ تغّنيهِ الجداوِلْ

( يتكسّر وجهُهُ فجأةً فتلمْلمهُ أخشابُ الحَانةِ المتهرّئة )

 

امرؤ القيْس الكنديّ: ( مُخاطِباً النادل ) زجاجة أو اثنتيْن فلا خمرَ بعْدَ اليوْم ضيّعَني صَغيْراً وَحَمّلني دمهُ كبيْراً لا صحْوَ اليوْم ولا سكرَ غداً ( يضعُ النادلُ زجاجتيْن ثمّ يتلاشى ) أغيّر خارطةَ الأشيَاءِ وأجعَلُ الصيْفَ في مُنْتَصفِ الشتاءِ تمتطي ذاكرتي الريْحَ وأبحرُ كالبرَقِ إليْها ( يصمتُ، يفرغُ كأساً مَليْئة، تنسكِبُ على وَجْههِ كآبةٌ لا ملامحَ لهَا ) أخاصِرُ الليْلَ والنهَارَ كيْ يبكيَا مَعي يتهاوَى الليْلُ وتنطفئُ الشمْسُ في عَيْنيّ كانتْ تقوْلُ لكَ الويْلاتُ إنّكَ مُرْجلي عقرتَ بعيْري يا امرأ القيْسِ فانزلِ آآآآآآهٍ لوْ ألتقيْهَا

............................

وليْلٍ كمَوْج البحْر أرْخَى سدولَهُ
فقلْتُ لهُ َلمّا تمَطّى بصلبهِ
ألا أيّهَا الليْلُ الطويْل ألا انجَلِي

 

 

عليّ بأنواعِ الهموْمِ ليبتلي
وأردَفَ أعْجَازاً وَنَاءَ بكلْكَلِ
بصبْحٍ وَمَا الإصبَاحُ منكَ بأمْثلِ

 

يزيْد بن طلحة القيسيّ: تتآكلُ رُوْحي شَمْساً يلتهمُها المَوْجُ طوّفتْ بتابوْتٍ على كعبَةِ جرْحٍ يحتضِنُ قلباً أنهكَهُ الحزْنُ تهذي أيّامِي عاريةً خلفَ الجدَار كانتْ تقولُ لا شيءَ في حيَاتيَ أنتَ أسقطُ في زوبعةٍ رَاثياً حبّي كانَ بَحْراً هائجَاً فصيّرتهُ زنبقةً مسحوْقةً في الترابِ قتلتني أو قتلتهُ عصفوْرتي الحلوةُ ؟!! لسْتُ أدْري... كلّ ما أدريْهِ أنّ ال ( يقاطعهُ )

 

امرؤ القيس الكنديّ: ما اسمُها ؟!.. فاطمة أمْ زينب أمْ ليلى أمْ زهْراء؟...

 

يزيْد بن طلحة القيسيّ: اسمُها ؟!!.. ( يتذكّرُ ) لا، دعْنا منْ اسمِها، فالأسمَاءُ لغةٌ لا يفهمُها إلاّ الأغبيَاء...

............................

............................

في قدَحِ النَارِ قدْ صَهرْتُ قافيتي
واللحْنُ يقتَاتُ مِنْ روْحي وَمِنْ عَصَبي
نشقتُ في الغرفةِ السوْداءِ أخيلَة
قد صِغتُ في لجّةِ الأسْرار أسْئلة
أحرقْتُ مِنْ عبَثِ السِنيْن أبخرة

 

 

فأحرَقَ الليْلُ أحلامِي وأشرعتِي
والنْوْرُ يطفِئُ أيّامَاً بَذاكرتي
فمزّقتْ عَنْ عيوْنِ الفجْرِ أقنعتِي
حتّى تكسّرَ إيمَاني بعَاطِفتي
وهَا أنا أنزفُ الأشْعَارَ راهبَتي

 

( يسكبُ كأسيْنِ في جوْفهِ.. تشتعلُ في الحانةِ لحظةُ صَمْتٍ )

ألعنني كلّما ذكرْتُ اسْمي...

اسمُه يتنفّسُ في أنهَار دَمي...

تعذّب رُوْحي جَسَداً يحملُ شيئاً منْ دمِهِ... أمقتُ جَسَدي في شراييْنهِ يحملُهُ لعنةً تمْسَخُ حقيْقةَ وجْهي...

امرؤ القيْس الكنديّ: ( يبْكي ) ماتَ أبي...

 

يزيْد بن طلحةَ القيسيّ: كانَ أبي الكرْهُ وَكانَ الكرْهَ أبي ( يتآكلُ بعْضٌ منْ وجْههِ )...

..............................

..............................

( يهْذي رَأسُه مِنَ السّكْرِ بيْنَ يديْهِ )..

الصّمتُ حروْفٌ سوْداءُ

وسكوْتي ثرثرة في الأبْعاد

القمَر الذاوي في رئتيّ...

أغنية يشتهِي المَاءُ صَمْتَها

وتشتَهي شموْعها الكلمَاتُ

يشتهي أنْ يغرقَ الفجْْرُ...

أنْ يهذي..

أنْ يشتعلَ في جَسَدٍ

يَعبقُ بالعِطر..

كلّهُ يرثيْني أوْ بعْض

          منْ قيثارةِ شتاءٍ

تتداعى السَمَاءُ...

يتمزّقُ الليْلُ على قناديْلَ مصفرّةٍ

                    على شفتيّ

كأنّهُ الخريْف...

كأنّهُ الرحيْل...

أركضُ أوْ لا أركضُ؟!!

أموْتُ أوْ لا أموْتُ ؟!!

لسْتُ أدْري..

كلّ مَا أدريْهِ أني لنْ أنتهِي أبَداً...

حطّمَني الكوْنُ أوْ الزمان...

 

 

تنطفئُ الشمْعةُ كرَعْشةِ عَذراءَ في عاصِفةٍ مغلقة لغاتها، كشَهْوَةِ راهبةٍ للرقصِ في صَوْمعةِ الجَسَدِ... يرحلُ الكنديّ بوجهٍ تحطّمَتْ مرآتهُ الجنائزيّة.. يبحَثُ بيْنَ الكلمَاتِ عنْ لغةٍ بكرٍ كيْ يأخذَ بثأر أبيْهِ... يستلقي يزيْد بن طلحةَ القيسيّ في نفقٍ هامدِ الروْحِ... يتراقصُ مُحْتَضِراً إيقاعُ الظلماتِ... يصبِحُ وجههُ غابةً تحترِقُ، تتقمّصُ الجحيْمَ وَأحيَاناً تغنّي على هيأةِ انكسَار...

 

 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى

 

 

فراديس .. ثقافة حرّة _ المواد الأدبية