|
سافر..
قطعت الأيام في قطار انتظار أوبيه ..وكل يوم يأتيني
صوته من هناك متدفقا بجذوات حنينه ..يبثني حبه عبر
اللاسلكي..يبوح باشتياقه،بلهفته، بتهيج عاطفته،بحرارة
مشاعره ،وبلهيب هيامه..
أسمعـني
كلمات لم يسمعنيها من قبل..أحسست بالدنيا كأجمل ما
تكون .. عرفت طعم الحب ،وما يفعله ذلك المذاق في رؤيتي
للحياة، لدقائق اليوم، وما أراه في وجوه الناس ..
لهفتي
عليه تتعـاظم أشد من لهفة العطشان للماء ،مع أن الأيام
التي غاب فيها لم تكن طويلة ولكني كنت أحسها كأطول ما
تكون ..كنت أعد الثواني لعودته، أترقبه كما يترقب
الصائم ساعة إفطاره .
ـ إني
وصلت قبل دقائق معدودة ..
ـ الحمد
لله على السلامة ..
ـ أنا
متعـب..أحتاج إلى الراحـة..في المكالمـة القادمة
سأحدثك بأدق التفاصيل ..
أذهلني
صوته الذي يحمل بقايـا اشتعال..توجست..بعثرت توجسي
بمنحـه أعذار التعب من الطريق ..وترقبت اتصاله الثاني
بلهفة عودته من السفر..ولكن صوتـه المشتـعل حبا لم
يأت..ذهبت إليه..وجدته منطفئا..وتكررت اتصالاتي
وانتظمـت في طابور اللهاث ولم تكن من بينها المكالمة
الموعودة..
كم هو
مؤلـم أن أتصل عليه..أسمع صـوته..ولكني لا أجده
..لهفتي عليـه تغدو صريعة خيبتها..
في سفره
كان صوته يطأ أذني مشتعلاً يشب حريق الوجـد في
قلبي..ما بـه عند القـرب يمسي باردا..أصفرا..أين ذهب
الاشتعال؟،وأين تبددت بقاياه ؟..
اتصلت ..
صرخت به غاضبة،متضائقة .. متألمة:
ـ منذ
عودتك لم تمنحني من وقتـك خمس دقائق متواصلة أتحدث
فيها معك ..مكالماتنا أضحت برقيات لاهثة…
ـ أنا
مدرك ذلك تماما..سأعوضك الليلة بمكالمة طويلة.
كلمته
تلك أوقدت الأمل بوحشيـة في داخلي ..تراقـصت نبضـات
عروقي طربا على غناء القلب المبتهج.. بدأت في تهذيب
كلمات الشوق التي سأبثها إليه..ورتبت ما سأحكي من
مشاعر دافئـة اجتاحتني في غيابـه ، وما أحسسـت به من
عظيم حبه..وأخذت في تجهـيز ورود الحب الرقيقة أزين بها
صوتي ليكون أجمل صوت ينساب في أذنه..وهيـأت مسمعي
لاستـقبال كلام الحب وحكـايا السفر.. وفتحت أبواب صدري
لاحتضـان ما سيرويـه من أدق التـفاصيل عن رحلتـه
وأشواقـه ..
ـ للتـو
واللحظـة خرج صديـقي أكرم..أضاع جل وقـتي..أنا آسف ..
أنا مشـغول جداً..لا أستطيع التحدث معك الليلة..
ما
أصعبها وأقساها من كلمات شقت أذني،ولطمت قلبي..آه..يا
إلهي..ما أعظم خيبتي ، ما أشد اصفرار أزاهير خيال
لهفتي ..
مضت سنة
كاملة على خطبتنا..وزواجـنا تم تأجيـله من شهـر لآخر
بسبب مشاغله الكثيرة.. لم يكن بذلك الشخص الهـادر في
مشاعـره،لم يكن من الـنوع المتلـهف،لا يحرقـه غنج
المرأة ولا يثـيره دلالها ،لا أذكر أني قضـيت معـه
ساعة من الزمن على الهاتف نتـحدث فيها كأي خطيبين
حديثي العهد بكل شيء.. كل شيء بيننا أضـحى مؤجلا ً..
كلماتي ،طلباتي ،فضفضتي ، أحلامي معه ،حتى مشاعري
وعواطفي نحوه..بل اكتشفـت أني أصبحت أتحدث معـه
وأناجيـه في الخيال دون الواقع..حاولت مرة أن أسحبه
بعنف إلى عالم الرومانسية الذي أتلهف للولوج فيه،
وأضعـه أمام الأمر الواقع..قلت له وقد اجتهدت أن يكون
صوتي عند أقصى درجات النعومة:
ـ أنا
أحبك..
سكت من
المفاجأة..ثم أجاب بكثير من البرود:
ـ وصلت
الرسالة..
ـ ألن
تجيب عليها..؟
ـ في وقت
آخر..
و انتظرت
الوقت الآخر..ولم يأت..حتى يأست من قدومه..واستسلمت..و
سلمت بأن الوقـت الآخر لن يكون قبل الزواج..وحلمـت أن
يكون ليلـة الزفـاف .. و إذ يفاجئـني به قادما على
جناح سفر..أروع مما كنت أظن أو أريد أو أتخيـل..أوقد
عاطفتي المجنونة بأشواقـه المتفجرة،بكلمات الوجد وأن
كانت قليلة جداً ولكن نبرة صوتـه كانت مشحونة حتى
الجنون بأحاسيس الحب الرقيـقة الدافـئة المتدفـقة
كشلال بارد تمتـزج فيه عناصر الدفء والعـذوبـة
..كلماته الحانية ألهـبت مشاعري،تلهفت لعودته،لرؤية
عينـيه،لاحتضانه…عاد ولكن حاله عكس ما كان في سفره
..اللحظة معه باردة،والكلمات منطفئة،لم أكن أعلم بأني
كنت أعيش أفضل لحظات حياتي وربما أسعدها..
في غيابه
يزرعني في حقل نار الحب،ويرسل لي رياح الهوى..
في حضوره
يرميني في قطب من ثلج الإهمال..
في بعده
يدفيني بحرارة اشتياقه..
وفي قربه
يزمهرني ببروده..
في السفر
الصفاء وفي القرب الغمام
في سفره
أنا قريبة إليه،يراني بوضـوح شديد،يتأملـني، يكثر
التفكير فيِّ.. وعندما يكون قريبا تشغله
المشاغل،وتسرقه المشاكل..
هو قريب
في بعده،بعيد في قربه..
صرت أحب
سفره أكثر من بقائـه..عندما قال لي بأنه سيسـافر؛
أصابـني ضيق شديد..أما الآن..فسأحس بفرح كبير وأعده
خبراً سعيداً..
هل أقول
يا ليته يسافر..؟
الشيء
الذي يشعـل القـهر في داخلي أنـه يسمح للآخرين بكل
ترحاب أن يسرقوا ما يشاءون من وقته الثمين ،ويضن علي
ببـعض لحظات طائرة يروي فيها عطشي المستميت..ولم يتبـق
لي إلا العودة بذاكرتي إلى الـوراء أتصيد لحظات
الفرح،النشوة،الدفء..
ـ متى
ستعود من السفر..؟
ـ أنا
عدت..!
ـ أنت لم
تعد..بل سافرت إلى بلاد أبعد من التي كنت
فيها..
ـ ماذا
تقولين ..؟!
ـ لا
تستغرب من كلماتي التي تنم عن أحاسيسي…
أنت عدت
جسداً ولم تعد روحا..
عدت صوتا
ولم تعد ولها..
عدت بردا
ولم تعد دفئا..
عدت
صحراء ولم تعد حقلاً..
أنت لا
تعود إلا حينما تسافر..
فمتى
ستسافر…؟. |