|
ثمة الكثير من الأسئلة قد تثار حول فوز الروائي
التركي اورهان باموك بجائزة نوبل لعام 2006 !! وثمة
من يطلق الكثير من الإشارات حول طبيعة دخول باموك
حلقة السباق بقوة الى فضاء الجائزة منذ ترشيحات
العام الماضي ودهشة البعض من فوزه بها وسط منافسين
مخضرمين طالما وقفوا ومنذ سنوات طوال في الاحتياط
الترشيحي لهذه الجائزة الاعتبارية والمادية العتيدة !!
فهل هناك انحياز حقيقي لقدرات باموك الروائية التي
اثارت الانتباه اليها خلال السنوات الاخيرة كونها توظف
الاشكالات العميقة لصراع الهويات والثقافات بين الشرق
والغرب وبين الواقع والمخيلة !! حدّ انه اصبح رجل
الجوائز المميز !!!! أم ان هناك اعتبارات سياسية
خفية او ظاهرة تسحب ظاهرة باموك الى اغواءاتها
وفضائحها ؟ ام ان هناك من يقول ان ترشيحه القوي جاء
لاعتبارات تتعلق بالمواقف التي اختارها باموك ازاء
الدولة التركية وطروحاته الجريئة حول تاريخها الملىء
بمأساة ما تعرض له الارمن عام 1915 من مذابح معروفة
على يد اتباع الدولة العثمانية لحظة انهيارها ! وما
تعرض له اكثر من 30000 الف كوردي من مجازر على يد
الدولة التركية المعاصرة!! والتي ادخلها العقل المسيحي
الغربي في اجندته الصراعية ضد مفاهيم الحرية والسلم
الاهلي مثلما ادخلها في اطار مواجهة ثقافوية للخطاب
الاسلامي !! وضد دخول تركيا الى الاتحاد الاوربي ؟
لا
أحد ينكر أهمية اورهان باموك الروائية وحضوره المثير
للغط في المشهد الثقافي الروائي التركي والعالمي
وطريقته الاستعراضية الجذابة في اثارة الانتباه اليه
!!رغم ان لم يتجاوز الرابعة والخمسين من العمر ، فضلا
عن الخواص الفنية والتاريخية التي تتمتع بها رواياته
وطبيعة الافكار التي تنحني عليها تلك الروايات في
اطار رؤيته لاشكالية الصراع بين الشرق والغرب أو بين
العالم القديم والجديد ، واللذان جعلاه امام اعادة
انتاج مفاهيم اكثر اجرائية في التعاطي مع هذه
الصراعات الوجودية والحضارية وامام الثقافة ذاتها
على اساس انها تأمل عميق في الصراع وعقده مثلما هي
صناعة اخرى للتاريخ ، وان المثقف ينبغي ان يكون شجاعا
في الكشف عن القبح في التاريخ والفكر والحياة،والسعي
الى توسيع افاق مفهوم حوار الحضارات والثقافات ....
ان فوز اورهان باموك بالجائزة الاكبر عالميا اطلق
بعض الاسئلة وربما بعض بعض الريبة هنا وهناك خاصة
وان محافل هذه الجائزة ليست بريئة بالكامل !!و رغم
انه يتمتع بقدرات استثنائية في معرفة طريق الحرير
الى اصحاب (الادارات الثقافية) ،الاّ كواليس الجائزة
عادة ما تحفل بهذه الاقاويل ، وقد دافع باموك مبكرا
عن خياراته وجرأته ، اذ هو ينحاز الى وعيه والى مشروعه
الحضاري وانه غير معني بالانتماء السياسي اصلا !!
ويتهم الادباء الذين يتورطون في السياسة بقلة الحيلة
!! ومن اشهر تصريحاته بهذا الصدد تلك التي يقول فيها
(بالنسبة لي ينبغي للادب ان يكون من اجل الجمال وحده
لا لتوجيه رسائل سياسية ) لكنه كثيرا ما كان يطرح
افكارا خطيرة في السياسة !! فهو مدافع معروف عن
مفاهيم الحرية والديمقراطية والسلم الاجتماعي ، كما هو
ايضا لايتواني على التصريح بمواقف مضادة للقبح
الانساني في التاريخ والحاضر ، اذ هو يصر على نبش
الذاكرة التركية في مراحلها العثمانية ومراحلها
الجمهورية الاخرى !! ويتهم هذه الذاكرة بانها ذاكرة
المتناقضات وهي تحاول ان تطرد جزءا من تاريخها
الصراعي والذي يرتبط بالمذابح التي نفذتها
العسكرتاريا التركية( اثناء انهيار الدولة العثمانية)
ضد الارمن وطردهم من البلاد التركية !! والتي جعلت
المدعي العام التركي يتهمه بانه يتعمد في (تحقير
الهوية التركية ) فضلا عن التهجم على مواقف المؤسسة
العسكرية التي تدير الدولة من وراء حجاب !!!ويتهم هذه
الدولة الجديدة بانها المسؤولة عن قتل الكثيرين من
ابناء الشعب الكوردي ومنعهم من التمتع بحقوقهم القومية
والثقافية !! كما ان صراحته في مواجهة ثقافات العنف
الايديولوجي والديني جعلته الاقرب الى الحساسية
السياسية الغربية التي تناهض هذه التوجهات !!
ان
فوز باموك رغم طبيعته المثيرة التي كثر الحديث عنها
!! يبقى ليس غريبا بالكامل !! فهو منافس قوي للفوز
بالجائزة في العام الماضي ،فضلا عن فوزه العام
الماضي بجائزة اتحاد الناشرين الالمان التي تمنح
في معرض فراكفورت الدولي للكتاب والتي تعد من الجوائز
المهمة ،اذ فاز فيها على مدى سنوات كتّاب بارزون منهم
الفيلسوف يورغن هابرماز ، والروائي مارتن فالزر،
والكاتبة الجزائرية آسيا جبار، والكاتبة الامريكية
سوزان سونتاج ،والروائي البيروني الشهير ماريو فارغاس
يوسا ، فضلا عن انه من الاكثر الروائيين مبيعا
لرواياتهم في تركيا وبعض مناطق العالم ، لان هذه
الروايات تشتغل على ثيمات الصراع الحضاري بين الثقافات
المتنوعة والتي اضحت مشغلا لطروحات الفلاسفة
والسياسيين ونقاد الفكر و الحداثة والدولة ...
ان
طبيعة ما يكتبه اورهان باموك في رواياته المتعددة
تؤشر نزوعا عميقا وجريئا للبحث في جوهر الاشكال
الصراعية التي تنتمي للتاريخ والمعاصرة ، والتي
جعلته الاقرب الى الاثرة في الاهتمام والقراءة الواسعة
فضلا عن الترجمات المتعددة لرواياته والتي تجاوزت
العشرين لغة ومنها اللغة العربية !!فهو يحشد في
رواياته انماطا ومستويات متعددة من الحيوات والشخصيات
الصراعية التي تكشف تناقضاتها عن الطبيعة السرية
للمجتمع التركي وترصد تصادم قيمه وثقافاته وهوياته
المتعددة وانتماءاته المتنوعة بين حضارة تقليدية مغلقة
وبين لحظة تنويرية مكشوفة على العالم الجديد ،،وكان
للحضور السحري لمدينته الاثيرة اسطانبول المتعددة
الانتماءات الاثر الفاعل في التعبير عن (المكان
الاشكالوي) الذي يتمثل هذه الصراعات مثلما هو كشف عن
حيوية الوعي الثقافي في اثارة الاسئلة والتبشير بروح
جديدة تنتمي الى عالم اكثر احتراما وتقديسا للانسان
وحريته ...
ومن هنا نجد ان تبرير فوزه كما يقول اعلان الاكاديمية
السويدية جاء لان ( باموك اكتشف رموزا جديدة وحية
لتصادم الثقافات وتفاعلها وتشابكها خلال بحثه عن جوهر
الشخصية التركية الحزينة وروحها في المدينة التي ولد
فيها ) اذ ان المدينة (استنطبول) حاضرة دائما في كل
رواياته تقريبا ،وهو حريص على ان يجعلها مثالا للمدينة
الحية التي يمكن تعتاش فيها كل الثقافات وان التنوع
فيها هو حيوية مضافة وتعبير عن عن قدرة العالم الجديد
على استيعاب كل الهويات والاثنيات وخلق انواع متعددة
من الجدل الحر والنامي بينها ...
ان
الحديث عن ازمة الهوية المعاصرة ونقد التاريخ القديم
!! يمثلان علامة مميزة في كتابات باموك الاخيرة
،ويكشفان عن خاصية حضوره في الانفتاح على الثقافات
الغربية دون حساسية اوعقد ،اذ ان ثقافته الفرنسية
جعلته اكثر اقترابا الى هاجس تفعيل حوار الثقافات ،فهو
من اكثر الداعين لدخول تركيا المسلمة الى الاتحاد
الاوربي ، وكثيرا ما حذر من اهمال الدور التركي في
بناء الحضارة العالمية الجديدة ،لان هذا الرفض سيخلق
مزيدا من العنف والعزلة اللذين يولدان الكراهية
والعصاب والارهاب وتفقد ازاءهما الحرية والعولمة
والثقافة الانسانية مزاجها وطعمها وحتى قدرتها على
تحسين اداء الشعوب للاشتراك في بناء عالم خال من
الحروب والاكراهات ويتسع للجميع ..
لقد عمد باموك الى رسم مدينة اشبه بالمطهر (الدانتوي)
الذي تتلجج فيه الحيوات الخاطئة و يمتزج فيها المخيال
والسحر مع الواقع ، وهذه المدينة التي يجعل منها فضاءه
الذي يوغل فيه عميقا لتشكيل حيوات شخصياته ،تماثل الى
حد ما ملامح شخصيته الاثيرة اسطنبول ، فهو يرسم في
روايته (عائلة جودت بيك واولاده) عالما سريا وعميقا
للمدينة والبيت الذي تسكنه بطلته فاطمة في (حصن
الجنة) ويكون هذا الحصن / المرفأ عالما تستقبل به
احفادها والذي يمثل صيروتها وتاريخها المفتوح على عالم
طويل من الذكريات !!فضلا عن ان هذا المكان يمور هو
الاخر بحيوات متناقضة تحتفظ بنكهة خاصة لهذا ألمكان
وتناقضاته وتحولاته في اطار انهيار ذاكرة المكان
القديم وبزوغ ملامح المكان الجديد ، ولعل ابرز ما
يوظفه باموك في نسيجه الروائي هو توتير فعل الصراع بين
تلك الحيوات المتناقضة في انتمائها الى عوالم وزمانات
لا تسلّم نفسها للزمن التاريخي والسياسي بسهولة ..
وفي روايته الاخرى (الكتاب الاسود) التي اصدرتها دار
المدى بترجمتها العربية للمترجم عبد القادر عبد اللي
ثمة ما يكشف عن عوالم اكثر غورا في طبيعة الشخصية التي
يرسمها كنموذج للشخصية المضطربة الباحثة عن ذاتها
ووجودها ، فبطله (غالب) يبحث عن زوجته التي تركته مع
رسالة قصيرة !! هذه الرسالة جعلته يلملم خيوطا متشابكة
للبحث عن ثيمة فقدانها ،، فهو يبحث عنها عند ابن
عمها( جلال) الصحفي المعروف والذي يترك مسوداته ويختفي
هو الاخر !! (غالب) يبدأ بقراءة جميع رسائل ومقالات
(جلال) التي كتبها دون ان ينشرها في كتاب او فصل خاص
، للبحث عن دليل على اختفائهما المشترك ،والذي يحرضه
على الغوص في عالم المدينة التي يتماهى من خلالها في
البحث ،لايجاد معادل للبحث عن (اناه) الضائعة
..المدينة تبدو هنا عالما متشابكا غرائبيا يمور
بالمتاهة وقوة الماضي ، مثل يتلمس طريقه للبحث عن
سانحة للحياة الجديدة ، وهذا البناء الصراعي المكتظ
بتداعيات فكرية وانسية ، يتمثله الكاتب على مواجهة
حادة تتقابل خطوط وحيوات متوازية ومتقاطعة يتصاعد
فيها البناء السحري وثيمة (الاكشن) بالاتجاه الذي
يلتقي مع تقاطعات فكرية وفلسفية هي جزء من البنية
الداخلية للمدينة !!
المدينة هي البطلة الشمولية التي تحتضن الخطوط
الصراعية ، والتي يتحول عالمها الجواني الى كتاب هو
اشبه بكتاب (الشفرات) الحاوي على حلول لالتباسات
المعنى واسرار ابطاله العالقين تحت جلدها العميق ..ان
باموك يعيد اكتشاف هذه المدينة من خلال الغوص فيها ،
يكشف عن هويتها الحافلة بالتناقض ،بين ماضيها القابع
في زواياها وبين وعي ابطالها وعوالمهم القلقة التي
تنشد روحا اكثر انفتاحا وبعيد عن روائح التاريخ !!
ولاشك ان قدرة باموك التصويرية وتوظيفه عنصر الحركة
اتاحا له اكثر من زاوية لتأمل مدينته الاثيرة ،فهو
عميق الانتماء اليها !! لكنه بالمقابل يبحث عن فضاءات
اخرى لها تتجاوز الخط الوهمي الممدود بين ضفتي مضيق
البوسفور ،وكأن هذا الخط هو زمن اغترابي بين زمينين
وعالمين ، اذ هو يصطنع معبر وهميا ،ثقافيا ، لغويا
،ينقل النص والحياة والمكان من فكرة المتحف والتاريخ
الى حركية الحياة ..
وفي روايته الاخرى (القلعة البيضاء) يبدو باموك اكثر
اقترابا من هذه الروح ،حيث ينسج لها مرجعيات تنتمي
الى اسطورة المكان ،فالجسر الطويل الممتد بين ضفتي
البفسفور هو ذاته الذي يشبه برج (بابله) القديم الحامل
لشفرة تاريخه !! بكل ما توحيه هذه الشفرة من علامات
واسحار عبر قراءة واعية لتاريخ القرن السابع عشر الذي
يمور بحراك ثقافي وتجاري !! يجعله الكاتب اشارة الى
قوة تاريخ (مكانه) واثره في نقل الثقافات والتجارة
والعمران السياسي ،عبر استخدام ثنائية تقليدية ومكررة
، (السيد والعبد ) لكنه يمحنها شحنة خاصة وينقلها من
ثنائية السطوة والهيمنة الى ثنائية اشكالية في المكان
،اي انه يوظف دالة هذا المكان (اسطنبول) لتعميق فكرة
ما يمنحه من احاسيس متعالية يحشدها بكل عوامل السحر
التي توحي وكأنها جزء من اسحار الف ليلة وليلة ....ان
بطله (العبد / التابع) الذي يتحول الى سيد في مدينته
،مقابل تحوّل السيد /العالم الى عبد في مكانه
الاغترابي/ فينيسيا !!يمثل نوعا من الاحتفاء بالمكان
اولا ، وتبشيرا بان الامكنة تصنع بطولاتها احيانا ! اي
ان هذه الامكنة تضع نفسها في جريان متواصل من الانزياح
والتبادل والتحوار بحثا عن لحظة حضارية يختلط فيها
التاريخ مع السحر ،وتتخلص فيها الذاكرة من اوهامها
واحمالها باتجاه صناعة مدينة كونية لها جسورها الدائمة
وقلاعها البيض !المفتوحة على الحياة والوجود ..
ان
روايات باموك تحمل هذا الهم بامتياز ،وتحوز على شرط
الوعي التاريخي الذي يجعله الروائي مشغله الاثير بحثا
عن شروط اكثر شرعية لحوار الثقافات والهويات وربما
حوار الذوات نفسها ،لان هذه الذوات هي صيرورات وجودية
ومكانية ، ولا اعتقد ان باموك يكتب دون هذه القصدية ،
فهو معروف بتعدد ثقافاته وانحيازه الى الثقافة
العالمية في نسختها الاوربية التي تعلم بواكيرها من
مدرسته الامريكية في مدينته اسطنبول زمن رحلاته
المتعددة الى اوربا وامريكا و كذلك مرجعياته الثقافية
في اللغة الفرنسية !! كل هذا جعل الكتابة عند باموك
مشروعا ثقافيا فاعلا ،مثلما هو مشروع شخصي كان يحلم
به منذ الصغر ليكون اشبه بدوستوفسكي !!
لقد ادخلنا اورهان باموك عالمه الصراعي ، وادخلنا
مدينته الحية ، وتمكن ان يحوّل ثيمة المكان من فكرة
التاريخ الى حيوية الدراما !! اذ هو يختلق الصراعات
والتناقضات داخل الجسد المديني ليكشف عن مدينة خارجة
عن (الطوفان) مدينة تبلبل فيها اللغات والحيوات ،وتمد
مجساتها لتلامس الانسان في كونيته وانسانيته ومعارفه
ونوبات عشقه ، واعتقد ان هذا المشغل الفخم الذي ادرك
باموك شفراته واسراره جعله اشبه بالساحر ،او العراف
الذي يصطنع اوهامه وتأملاته من اجل ان يكون لحظة
اكتشافه تلك هي لحظة الكشفة عن شفرة اسطنبول ،تلك
المدينة /المكان التي سحب باموك من اجلها العالم
ليجعله جوهر الشرق القابل للتفاعل والمشاركة والتبادل
مع الاخر الغرب دون عقد الحروب ...
ان
باموك المسلم ،ادرك خطورة رسالته وسط عالم يضطرب
بالحساسيات ، وان باموك المثقف العلماني التنويري انه
يصنع مدينة استثنائية لتكون مفتاحا لكشف الطلاسم ، وان
باموك السياسي يهجم بشراهة على التاريخ والذاكرة
ليعريهما من اخطائمها وخشونتهما باتجاه عالم يجد
الكثير من عقده ومخاوفه في صناديق هذا التاريخ الطلسمي
!!
ومن هنا فان فوز باموك بجائزة نوبل هو انحياز غير
مسبوق لهذه اللحظة الحضارية الفارقة ،وانحياز للوعي
الذي اشهر كل اسلحته لينزع عن تاريخه القديم الكثير من
اوهامه وضلالاته، وليجعل النص الجديد هو أحد المفلات
التي يمكن ان تفل عقد عجزت عنها الحروب والعزلات
والاحتفاظ بالاسرار طويلا ..
|