01/11/2006

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 
 

الرجل الذي فعلها أخيرا

الكاتبة السعودية أشعار الباشا _ لندن‏‏

m3bd_abc@yahoo.com

 
 
 

 

+ هذه الأيام , سأكتبُ أشياءَ عظيمة , تجعلني لا أكتبُ شيئاً +

قالها بصوتٍ مسموع و هوَ يتثاءب زاجراً هذهِ الحالة النفسيّة التي لم تفارقهُ منذُ اقترفَ الكِتابة التدوينيّة قبل خمسة أعوام , كلّما عزمَ على كتابة الأشياء العظيمة يُصاب بحالة تثاؤبٍ تؤدي بهِ إلى النوم يقظاً دون أن يستطيعَ كتابة شيء مِنها , هوَ لا يؤمنُ بما يُسمّى السحر أو الحسد , على قدر ما يؤمنُ بوجود الحظّ الذي كانَ يناورهُ بهذهِ اللعبةِ اللئيمة ! , و في كلّ مرة و بعد أن تنتهي حالة التثاؤب التي تصيبه لعشر دقائق تقريباً , يكونُ قد غطّ في النوم العميق لربع ساعةٍ لا أكثر ! , نعم هوَ هكذا ما كان يحصل بالضبط , نوم عميق و لربع ساعة يستيقظ بعدها و خريطته الذهنية بيضاء نظيفة خالية مِن كلّ ما كان يعزم الكتابة عنه , و ذلكَ الكلّ لم يكُن أيّ كل , بل كان " أشياء عظيمة " تستحقّ التدوين على ورقٍ سيكون الإرث الأغلى لذريّةٍ  لم يقُم بإنجابها بعد ! , لهذا فقد قرّر هذا الكائن المتماهي مع حالتهِ لا إرادياً أن يطبّب داءهُ بالحيلةِ الدواء , فأصبحَ يدلّل النّومَ الذي يزاورهُ كلما أمسكَ بالورقة و القلم , فعلَ أموراً عظيمة كانت تستحق أن تكون أشياءَ عظيمة أخرى تكتُبه قبل أن يكتبها في لحظة اللاقدرة على كتابةِ شيء , لقد طلبَ أن لا أذكرها كلّها بل أحكي عن أعظمها و التي كانَت الضربة القاضية على ذلكَ الزائر اللعين , كانَ لديهِ صديقٌ أعمى هوَ مجمل ذخيرته البشريّة من العلاقات الصديقية . قامَ بجلبهِ و طلبَ منهُ أن يكتبَ عن الأمور التي يهذي بها أثناء نومهِ " الزائر البغيض " , طلبَ منهُ أن يكتب كِتابةً عاديّة , بطريقة المُبصرين , لا بطريقة المكفوفين , أخبرهُ أنّهٌ سيكونُ قادراً على قراءة ما يكتب بكل الطرق الطبيعية ! , و عندما وافقَ صديقهُ الأعمى و طلب منهُ أن يبدأ بكتابة أيّ شيءٍ عظيمٍ الآن , أتى الزائر النوم للرجل المدوِّن , الذي لم يستطيع تدوين كلمة عن كلّ الأشياء العظيمة التي لطالما أرادَ كتابتها طوال تلك الأعوامِ الخمس  , ثمّ استسلمَ الرجل لغوايةِ هذا اللعين , و عندها بدأ الأعمى بتدوين كلّ ما قام صديقه بالهذيانِ بهِ و البوحَ عنهُ في نومه , و عندما بدأ يفيق الصديق , تركَ الأعمى الورقة على المنضدة و رحل , بعد أن استعادَ الرجل وعيهُ بشكلٍ تام , ذهبَ إلى الورقة واختطفها من سباتها بلهفة و بدأ يقرأ :

+ اللهمّ لكَ الشكر على ما أصبتني بهِ من داءِ النوم المزمن كلما هممتُ بكتابةِ أشياءي العظيمة , اللهمّ لك الحمد على أنّكَ جعلتني أقي الكلمات ظلمي الذي كنتُ سأرتكبهُ في حقّها عندما كنت سأربطها ببعضها البعض على هيئةِ أوصافٍ لأشياء عظيمة , اللهم لكَ الشكر أن أنزلتَ الحماية على المفردات مِن بطش و حماقة أشياءي العظيمة , اللهمّ لك الحمد أن جعلتني أستجيبُ لعبادتكَ باستسلامي لهذا الداء الذي أصبتني به رحمةً للورق مِن قلمي الذي كانَ سيقع عليهِ ضرباً بكتابة أشياءي العظيمة , اللهم لكَ الشكر أن جعلت عقلاً في رأس  من سيقرأُ موشّحي هذا و سيدركُ جيداً بأنّهُ ما مِن نائمٍ يمكن أن يهذي في نومهِ بكلّ هذا القدر من البلاغةِ الإيمانية شكراً و عرفاناً لربّ الكائناتِ و الكلماتِ و الأشياء العظيمة و الغير عظيمة , اللهمَ لكَ الحمدُ أن جعلت النّومَ حيلةً تصيبني بالعجز عن التفكير في إيجادِ حلٍ لها عن طريق صديقيَ الأعمى , كي تجعلني أفيقُ في هذا اليوم بالذات , يوم اكتمال نضج أشياءي العظيمة التي كانت صغائر حقيرةٍ حتى الأمس القريب ,  اللهمَ لك الشكر أن جعلت صديقيَ الأعمَى هوَ " بصيرتي " , التي هروَلَت مختبئةً عني فور شعورها باستيقاظي خجلاً مني كيما أرى جمالها الأخّاذ و هي تنظرُ لي و تأخُذ بقلبِي إلى الدنيا و المسارات الصحيحة لكتابة الأشياء العظيمة على بياض الورق القديم , الرابض في مكانهِ هذا على نفس هذه المنضدة منذ خمسة أعوام حتى اللحظة ينتظر الثانية التي تُعلنُ تحرّر قيدي مِن ذلك التكبيل ذو الأثر الأثَر ! اللهم لكَ الحمد أنّكَ كنت صديقي الأوفى و أنا الذي كنتُ أظنّكَ أسبابَ فشلي طوال السنين الماضية ! , اللهم إني أحبّكَ و أشهدُ أني أفكر فيك أكثر من كل المؤمنين ! اللهم كُن دائماً أنت إلهي " . ,

 

+ الموتى الحقيقيون .. أرتاح لخشخشة أرواحهم في صوتي‏‏ +

كتَبها بسرعةٍ خاطفة على نفس الورقة التي كُتبَ فيها الموشّح السابق , لم ينتبه بذات السرعة إلى كونهِ لم يتثاءب كعادة ما يحدث لهُ كلما همّ بالكتابة , بل انتبهَ بعد أن تأمّل عبارته و بدأت كلّ الأشياء العظيمة القديمة و الجديدة تنثال على ذاكرته الباردة , و التي بدأَت تسخن شيئاً فشيئاً الآن , و بعدَ أن تذكّر بأنّ جميعها لم تكُن سوى توافِه لا تشكّل ذلك الفرق الشارِخ لسائداتٍ أخرى لا تستحق التدوين للأناس الممتلئينَ بالأعمالِ و الأهداف الحيّة , و بعدَ أن تذكّر بأنّ كل ما مضى مِن عُمُرهِ لم يكُن إلا تجربة حياةٍ افتراضيّة , و بعدَ أن تذكّر بأنّهُ لم يمتلك شيئاً عظيماً واحداً بملء إرادتهِ و بذلهِ إلا هذا اليوم و حسب , بعد أن تذكّر كل تلك الأشياء العظيمة , التي أصبَحَت عظيمةً الآن فقط , قام بالإحتفالِ بكلّ أصدقاءهِ المَوتَى بذاتِ الطريقةِ التي كانَ ميّتاً أثناءها , و باختلاف الهيئة فحسب , حيث لم يكونوا جميعهم قد ماتوا بداء التثاؤب , بل الفكرة هي داء الإستسلام الطويل , و عدم التفكير في وجوب إيجاد حلقة صراعٍ حقيقيّةٍ للتحرّر من ذلكَ القيد المميت , هوَ الآن يرتاح لضجيج أرواحهم , بحّة ضعفهم , خشخشة هزائمهم , و بعض هسيسها الذي كانَ ملائكياً في أوقاتِ اليقظة , هوَ الآن مُجهد , يفكّر بالركون إلى نومٍ طبيعيٍ هذه المرة , ناتجٍ عن تعب يومٍ طويل , لا عَن ظلُمات بصيرةٍ عمياء , هوَ الآن ينهي تدوينه الأول بعد هواية تدوينٍ مؤجل من خمسة أعوامٍ بعبارةٍ قد تُخلّد إن حصل و ماتَ في نومتهِ الأولى الطبيعية : هذه الهزائم (الخالدة) ما أوهمنا أنها ثقيلة ومهمة هوَ العددُ الهائل مِن حمَلَتِها الصغار بأكتافِهم المائلة للتماهي مع التصديق .

 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى

 

 

فراديس .. ثقافة حرّة _ المواد الأدبية