|
+ هذه الأيام , سأكتبُ أشياءَ عظيمة , تجعلني لا أكتبُ
شيئاً +
قالها بصوتٍ مسموع و هوَ يتثاءب زاجراً هذهِ الحالة
النفسيّة التي لم تفارقهُ منذُ اقترفَ الكِتابة
التدوينيّة قبل خمسة أعوام , كلّما عزمَ على كتابة
الأشياء العظيمة يُصاب بحالة تثاؤبٍ تؤدي بهِ إلى
النوم يقظاً دون أن يستطيعَ كتابة شيء مِنها , هوَ لا
يؤمنُ بما يُسمّى السحر أو الحسد , على قدر ما يؤمنُ
بوجود الحظّ الذي كانَ يناورهُ بهذهِ اللعبةِ اللئيمة
! , و في كلّ مرة و بعد أن تنتهي حالة التثاؤب التي
تصيبه لعشر دقائق تقريباً , يكونُ قد غطّ في النوم
العميق لربع ساعةٍ لا أكثر ! , نعم هوَ هكذا ما كان
يحصل بالضبط , نوم عميق و لربع ساعة يستيقظ بعدها و
خريطته الذهنية بيضاء نظيفة خالية مِن كلّ ما كان يعزم
الكتابة عنه , و ذلكَ الكلّ لم يكُن أيّ كل , بل كان "
أشياء عظيمة " تستحقّ التدوين على ورقٍ سيكون الإرث
الأغلى لذريّةٍ لم يقُم بإنجابها بعد ! , لهذا فقد
قرّر هذا الكائن المتماهي مع حالتهِ لا إرادياً أن
يطبّب داءهُ بالحيلةِ الدواء , فأصبحَ يدلّل النّومَ
الذي يزاورهُ كلما أمسكَ بالورقة و القلم , فعلَ
أموراً عظيمة كانت تستحق أن تكون أشياءَ عظيمة أخرى
تكتُبه قبل أن يكتبها في لحظة اللاقدرة على كتابةِ شيء
, لقد طلبَ أن لا أذكرها كلّها بل أحكي عن أعظمها و
التي كانَت الضربة القاضية على ذلكَ الزائر اللعين ,
كانَ لديهِ صديقٌ أعمى هوَ مجمل ذخيرته البشريّة من
العلاقات الصديقية . قامَ بجلبهِ و طلبَ منهُ أن يكتبَ
عن الأمور التي يهذي بها أثناء نومهِ " الزائر البغيض
" , طلبَ منهُ أن يكتب كِتابةً عاديّة , بطريقة
المُبصرين , لا بطريقة المكفوفين , أخبرهُ أنّهٌ
سيكونُ قادراً على قراءة ما يكتب بكل الطرق الطبيعية !
, و عندما وافقَ صديقهُ الأعمى و طلب منهُ أن يبدأ
بكتابة أيّ شيءٍ عظيمٍ الآن , أتى الزائر النوم للرجل
المدوِّن , الذي لم يستطيع تدوين كلمة عن كلّ الأشياء
العظيمة التي لطالما أرادَ كتابتها طوال تلك الأعوامِ
الخمس , ثمّ استسلمَ الرجل لغوايةِ هذا اللعين , و
عندها بدأ الأعمى بتدوين كلّ ما قام صديقه بالهذيانِ
بهِ و البوحَ عنهُ في نومه , و عندما بدأ يفيق الصديق
, تركَ الأعمى الورقة على المنضدة و رحل , بعد أن
استعادَ الرجل وعيهُ بشكلٍ تام , ذهبَ إلى الورقة
واختطفها من سباتها بلهفة و بدأ يقرأ :
+ اللهمّ لكَ الشكر على ما أصبتني بهِ من داءِ النوم
المزمن كلما هممتُ بكتابةِ أشياءي العظيمة , اللهمّ لك
الحمد على أنّكَ جعلتني أقي الكلمات ظلمي الذي كنتُ
سأرتكبهُ في حقّها عندما كنت سأربطها ببعضها البعض على
هيئةِ أوصافٍ لأشياء عظيمة , اللهم لكَ الشكر أن
أنزلتَ الحماية على المفردات مِن بطش و حماقة أشياءي
العظيمة , اللهمّ لك الحمد أن جعلتني أستجيبُ لعبادتكَ
باستسلامي لهذا الداء الذي أصبتني به رحمةً للورق مِن
قلمي الذي كانَ سيقع عليهِ ضرباً بكتابة أشياءي
العظيمة , اللهم لكَ الشكر أن جعلت عقلاً في رأس من
سيقرأُ موشّحي هذا و سيدركُ جيداً بأنّهُ ما مِن نائمٍ
يمكن أن يهذي في نومهِ بكلّ هذا القدر من البلاغةِ
الإيمانية شكراً و عرفاناً لربّ الكائناتِ و الكلماتِ
و الأشياء العظيمة و الغير عظيمة , اللهمَ لكَ الحمدُ
أن جعلت النّومَ حيلةً تصيبني بالعجز عن التفكير في
إيجادِ حلٍ لها عن طريق صديقيَ الأعمى , كي تجعلني
أفيقُ في هذا اليوم بالذات , يوم اكتمال نضج أشياءي
العظيمة التي كانت صغائر حقيرةٍ حتى الأمس القريب ,
اللهمَ لك الشكر أن جعلت صديقيَ الأعمَى هوَ " بصيرتي
" , التي هروَلَت مختبئةً عني فور شعورها باستيقاظي
خجلاً مني كيما أرى جمالها الأخّاذ و هي تنظرُ لي و
تأخُذ بقلبِي إلى الدنيا و المسارات الصحيحة لكتابة
الأشياء العظيمة على بياض الورق القديم , الرابض في
مكانهِ هذا على نفس هذه المنضدة منذ خمسة أعوام حتى
اللحظة ينتظر الثانية التي تُعلنُ تحرّر قيدي مِن ذلك
التكبيل ذو الأثر الأثَر ! اللهم لكَ الحمد أنّكَ كنت
صديقي الأوفى و أنا الذي كنتُ أظنّكَ أسبابَ فشلي طوال
السنين الماضية ! , اللهم إني أحبّكَ و أشهدُ أني أفكر
فيك أكثر من كل المؤمنين ! اللهم كُن دائماً أنت إلهي
" . ,
+
الموتى الحقيقيون .. أرتاح لخشخشة
أرواحهم في صوتي
+
كتَبها بسرعةٍ خاطفة على نفس الورقة
التي كُتبَ فيها الموشّح السابق , لم ينتبه بذات
السرعة إلى كونهِ لم يتثاءب كعادة ما يحدث لهُ كلما
همّ بالكتابة , بل انتبهَ بعد أن تأمّل عبارته و بدأت
كلّ الأشياء العظيمة القديمة و الجديدة تنثال على
ذاكرته الباردة , و التي بدأَت تسخن شيئاً فشيئاً الآن
, و بعدَ أن تذكّر بأنّ جميعها لم تكُن سوى توافِه لا
تشكّل ذلك الفرق الشارِخ لسائداتٍ أخرى لا تستحق
التدوين للأناس الممتلئينَ بالأعمالِ و الأهداف الحيّة
, و بعدَ أن تذكّر بأنّ كل ما مضى مِن عُمُرهِ لم يكُن
إلا تجربة حياةٍ افتراضيّة , و بعدَ أن تذكّر بأنّهُ
لم يمتلك شيئاً عظيماً واحداً بملء إرادتهِ و بذلهِ
إلا هذا اليوم و حسب , بعد أن تذكّر كل تلك الأشياء
العظيمة , التي أصبَحَت عظيمةً الآن فقط , قام
بالإحتفالِ بكلّ أصدقاءهِ المَوتَى بذاتِ الطريقةِ
التي كانَ ميّتاً أثناءها , و باختلاف الهيئة فحسب ,
حيث لم يكونوا جميعهم قد ماتوا بداء التثاؤب , بل
الفكرة هي داء الإستسلام الطويل , و عدم التفكير في
وجوب إيجاد حلقة صراعٍ حقيقيّةٍ للتحرّر من ذلكَ القيد
المميت , هوَ الآن يرتاح لضجيج أرواحهم , بحّة ضعفهم ,
خشخشة هزائمهم , و بعض هسيسها الذي كانَ ملائكياً في
أوقاتِ اليقظة , هوَ الآن مُجهد , يفكّر بالركون إلى
نومٍ طبيعيٍ هذه المرة , ناتجٍ عن تعب يومٍ طويل , لا
عَن ظلُمات بصيرةٍ عمياء , هوَ الآن ينهي تدوينه الأول
بعد هواية تدوينٍ مؤجل من خمسة أعوامٍ بعبارةٍ قد
تُخلّد إن حصل و ماتَ في نومتهِ الأولى الطبيعية :
هذه الهزائم (الخالدة) ما أوهمنا أنها ثقيلة ومهمة هوَ
العددُ الهائل مِن حمَلَتِها الصغار بأكتافِهم المائلة
للتماهي مع التصديق
. |