15/10/2006

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 

أمل وألم

زهره عبدالله _ البحرين

Zahra.Abdulla@alwasatnews.com

 
 
 

( 1 )

في يوم من الأيام قابلت ( أمل ) ( ألم ) في دربها ..
كان مجروح دماه تسيل وقد استنزفه التعب واستهلكته الحياة بمجملها..
في حين كانت أمل مشرقة الوجه.. ما أن رأته حتى أقبلت عليه مستفسرة عن حاله وسبب جراحه وإعيائه وهيئته هذه..
أجابها في إعياء :
أنا.. إه .. أنا ألم !!

عندما سمعت اسمه.. تمتمت .. ثم أخذت نفساً عميقاً وتنهدت ..
وقفت ..
ذهبت..
وبعد برهة عادت إليه ومعها بعض الضمادات والماء و الطعام و فراش ..

فرشت الأرض..
رتبت له مكاناً كي يرتاح..
ضمدت جروحه .. طببت علله..
وضعت الطعام أمامه..

في حين كان يسألها عما تفعله ؟ ولماذا هي كريمة معه..؟ وكيف تقدم الطعام له.. ؟؟ وتطبب جروحه دون إذنه..؟!! و.. و .. و.. الخ

بينما كانت هي صامتة.. تتابع عملها دون أن تعير بالاً لما يسأل عنه..
انتهت .. لملمت حاجياتها .. وودعته منصرفة ..!!

استوقفها .. سألها عن سبب ما فعلته.. ؟ ولماذا ساعدته..؟ ومن تكون هي ؟
نظرت أمل لـ ألم مبتسمة وقالت له:
أنا أمل.. !

عندها تنهد وقال :
لله دركِ .. الحمد لله أنكِ لست ألماً مثلي .. إذا لا قدرة لكِ على التحمل..!!!

نظرت له أمل غاضبة وثائرة.. قالت له وعينها مغرورقة بالدموع تكابرها:
الأمل يحتوي الألم .. لكني أتساءل ..
لماذا لا يحتوي أو يستوعب الألم أمل في حياته..؟؟!!!
أنا أيضاً أتألم .. فما كل ما أأمل فيه يتحقق أمامي.. أو حتى في غيابي ..
كم وكم من الآمال لم تتحقق..!
أنا أيضاَ تعبه .. ففي ذهابي ومساعدتي لكَ وتضميدي لجراحكَ فقط جهد كبير..!!
أنا أيضاً مجروحة.. ولربما جراحي نزيفها لا يتوقف..
وأوجاعي تفت في العظم أكثر من جروحكَ السطحية ودماكَ المتجلطة..
لكني أحتوي كل ألم وجرح وتعب..
أحتويه بأمل في أن يسكن الجرح.. ويلتئم..
أحتويه بأملٍ في أن تهدأ الروح وتطمئن..
أحتويه بأمل في أن يقوى العظم ويلتحم مكان النزيف..
أنا أمل يحوي الألم بكل أبعاده.. وما إشراقة وجهي إلا أمل في أن تتجدد الحياة.

صمت وهو يسمع صوتها..
لأول مرة يسمع في صوتها نبرة أخرى غير تلكَ التي سمع عنها الكثير والكثير..
لأول مرة ينتبه إلى أن الأمل يحتوي الألم .. لكن الألم لا يحتوي أي أمل في داخله.. !!؟
فالألم لا يحوي غير الآلام والتعب والأوجاع.. التي لا يأمل بأن تتغير أبداً..

نظر لها ..
حاول الوقوف .. لكن جراحه وآلامه أقعدته مباشرة.. في حين هرعت أمل له ومدت يدها..
لم يمسكها..
أمرها بالابتعاد عنه.. ؟!!
عاود المحاولة مستنداً على جذع وحجر قرب مكانه..
وقف للحظة وقال لها.. :
سأحاول أن أحتوي أمل.. كيما أقف.

وسرعان ما هوى على الأرض من شدة الإعياء والتعب..

ابتسمت أمل وهي تقول له:
لو أمسكت يدي الممدودة لكَ لوقفت .. لكنك ألم عنيد ولا يحتوي أمل !

ضحكت..
ومضت تتابع طريقها..

9 أغسطس -آب-2005م
 

***** ** *****


( 2 )

مضت أمل في طريقها..
ظل ألم يراقبها وهو جالس إلى أن ابتعدت وتوارت..
عاد ينظر إلى الطعام الذي وضعته له.. و إلى أعضاء جسده المضمدة.. وجراحه المطببة..
مد يده ليتناول الطعام لكنه توقف فجأة..
عاد يفكر.. :
لماذا آكل.. ؟
وهل بعدما أتعافى بإذن الله سأبقى كما أنا.. أم أني سأعود كما كنت..؟
كيف باستطاعتها هي أن تتحمل آلام عدم تحقق أحلامها وطموحاتها.. كيف.. ؟؟!!
إني لأعجب منها .. !!
عندما تُكسر نفس الإنسان ويستولي الإحباط على روحه يشتته ويحيل كل شيء إلى سواد..
يصعب .. يستحيل..
فكيف تتحمل هي آلام الإحباط والانكسار.. بل كيف تحافظ على معنوياتها العالية ..؟!!!!
ترى هل رأت إدلجاج النهار..؟!!!
لو حدث لأصبحت مثلي..
وا عجبي منكِ يا أمل..!!

تناول لقمة من الطعام.. وإذا باثنين يقتربان منه..
الأول بشوش .. والثاني عبوس..
الأول مقبل مستبشر.. والثاني متذمر ومتأفف..
الأول بادره بالسلام والتحية.. والثاني نظر له بازدراء.. وعينه تمعن النظر إلى ضماداته وجروحه..
رد ألم تحية الأول ورمق الثاني بنظرة استهجن فيها نظراته..

خاطب الثاني الأول بلهجة الأمر وقال له:
هيا.. دربنا طويل.. يكفينا أمل..!!

نظر ألم إلى الثاني وقال له:
هل تعرفها..؟

أجابه بتأفف.. :
نعم .. هل مرت عليك..؟

قبل أن يجيب ألم قاطعه الأول قائلاً :
إنها مخلوق رائع.. لماذا تتأفف منها ؟

رد الثاني في حنق:
يكفي.. كلما حاولت كسر نفسيتها قاومت.. تبدو تارة كعود يابس يسهل كسره ..
لكنها سرعان ما تقاوم وتثبت وتقوى.. !
كم حاولت أن أريها الواقع المتشائم.. لكن ..
كله بسببكَ أنتَ..

تبسم الأول وقال للثاني :
مشكلتكَ الوحيدة هي أنكَ تشاؤم.. يا توأمي الحبيب..!

ردت تشاؤم بتهكم وسخرية : ها ها ها أضحكتني يا توأمي.. !

صمت ألم وتعجب من ما يراه أمامه وهو جالس.. في حين دنا منه تفاؤل وسأله عن اسمه .. رد تشاؤم في عجل :
ألا ترى الضمادات والتعب الظاهر في وجهه.. هذا ألم الذي حدثتكَ عنه ..

استغرب ألم معرفة تشاؤم به وقال :
أتعرفني ؟!!!

أشاح تشاؤم وجهه عن ألم في حين قال تفاؤل لـ ألم :
نعم.. يعرفكَ و لا تعرفه.. أنت مثل أمل.. التي أعرفها ولا تعرفني.. !!

تعجب ألم وحول نظره من تجاه تفاؤل إلى توأمه تشاؤم الذي كان يدور حول نفسه وحول توأمه ويتوارى من نظرات ألم المستغربة والمتسائلة والمحتارة.. تساءل متعجباً :
كيف .. أتعرفني ..؟!!!

قال تفاؤل لألم المتفاجأ من معرفة تشاؤم به.. :
تشاؤم هو الذي كان يريكَ جراحكَ ودماها تسيل وتنزف بينما النزيف توقف والدماء تجلطت..!
وهو الذي كان ينهك روحكَ ويكسرها عندما تحلم ويصطدم قارب حلمكَ بموجة عالية.. كان هو الذي يشعركَ بأنكَ اصطدمت بصخرة وتحطم قاربكَ وتهت في البحر.. !!
وعندما كنت تسعى لتصل إلى هدف ما .. كان هو الذي يريكَ المسافة طويلة أكثر مما هي عليه في الواقع..!!!!
بل وهو الذي يجعلكَ تتعب بسهولة بسبب الضغط النفسي الذي يضعكَ فيه عندما يريكَ كل شيء قاتم.. أو رمادي.. أو حتى ضبابي لا تكاد تبصر من خلاله شيء ..!!!!!
تشاؤم توأمي.. وأنا أعرفه جيداً..!

صعق كلام تفاؤل ألم الذي بدأ الغضب والقهر والانفعال جلياً في وجهه وعينيه الجاحظتين وتنفسه المتسارع.. وأخذ يصرخ.. :
أنتَ الذي ..
حطمتني..
كسرتني.. لقد..

هب ألم من مكانه متناسياً أوجاعه وآلامه.. تحركه ثورة الغضب التي شحنت جسده المتعب بطاقة هائلة جعلته يهجم على تشاؤم.. الذي فر سريعاً من المكان وهو يقول هارباً :
أنتَ الذي كنت تريد أن تنكسر..
وأن .. تتحطم.. واقعكَ ..
أنا لم.. أفعل شيء..

هرع تفاؤل وراء ألم لإمساكه وإيقافه.. أمسك يده وطوقه بذراه.. وبعد مقاومة .. تراخى جسد ألم المنهك التعب وهو يلهث..
احتضنه تفاؤل بكلتا يديه.. أعاده إلى حيث يجلس..

جلس ألم وعبرته تخنقه.. حاول تفاؤل تهدءته وتوضيح دور تشاؤم في ما مر به ألم..
حدثه عن تأثير نظرت تشاؤم الخاصة على واقعه الذي يعيشه..
وكيف أن تشاؤم وتأثيره يعتمد على النفس ومدى تقبلها أو رفضها له..

تفاؤل يتحدث وألم بعيد عنه بفكره.. تراءت له صورة أمل وهي تقول :
الأمل يحتوي ألم .. لكن ألم ..

اغرورقت عينه وخنقته العبرة فأجهش بالبكاء..
بكى بحرقة..
أخذ يشهق وهو يقول :
كل أوجاعي سببها نفسي..!!
نفسي التي تأثرت بتشاؤم.. فأصبح هو عينها وعقلها و..
وإحساسها.. !!!

ضمه تفاؤل إلى صدره وحاول التخفيف عنه.. قال له:
أنتَ وأمل أشبه بتوأمين .. الفرق الوحيد هو بمن تتأثر نفسيتكما..
كم وكم حاول تشاؤم مع أمل.. لكنها رغم ضعفها كانت تقاوم..
إن قابليتها للتأثر بي أكثر من قابليتها للتأثر بتشاؤم..

هدأ ألم ورفع رأسه ينظر لتفاؤل.. وقال له :
أمل.. كم أنا ممتن لها ولكَ.. و..
ولـ .. تشاؤم أيضاً ..!

ابتسم تفاؤل.. وودع ألم ومضى يبحث عن تشاؤم..
تاركاً ألم بنفسيته الجديدة.
 

 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى

 

 

فراديس .. ثقافة حرّة _ المواد الأدبية