15/10/2006

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 
 

أصعب من ضربة سيف

بسام الطعان _ سوريا

bassamtaan@yahoo.com

 
 
 

سنوات طويلة وأيامها تفسدها الكآبة بإطلالتها البشعة, ســــــنوات وهي تنام على الحنين وتصحو عليه, لكنـــــها لم تتقن التعب في يوم من الأيام, وحين جاءها الخبر الذي انتظرته طــــــــويلاً وهي تغسل البساط الصوفي في النهر, أطلقت شــــهقة وكادت تقع في الماء غير أنها تشبثت بصخرة كبيرة وسالت:

   ـ بالله عليك يا ولدي, ما تقوله صحيح؟.. أين هو؟

   نعم يا خالة, رأيته بأم عينيَّ, كان في ســـــــــــيارة حكومية ومعه شرطي.

   ولأن لا شيء يشبه الفرح الذي تلبســــــــــها, لا في حدود ولا في الطلق, دمعت عيناها اكثر من المعتاد, ظلت واقفة للحظات, أرسلت دموعها رسائل شوق لوجهه, ثم أســــــلمت قدميها للريح ومن خلفها تتساقط قطرات الماء من ثوبها, سارت بقوة الحب واندفاع الشــوق, واتجهت إلى بيتها تســـبقها لهفتها, في الطريق تذكرت أنها لم تخرج البساط من النهر, لكنها لم تهتم بذلك, فكل شــــــــيء يهون من أجل عينيه.

   سبع سنوات مرت لم تر خلالها عباسا سوى مرة واحدة, كان ذلك منذ أربع سنوات عندما جاء ليخبرها بأنه قد تخرج من كلية الحقوق, وانه سيعيش في العاصمة, حينئذ رجته بحرارة أن يظل إلــى جانبها أو ترافقه, لكنه رفض بشدة وتذرع بحجج واهية.

   منذ ذلك اليوم وهي تحيا على أمل أن يعود, لكنه غاب دون رسالة او سؤال حتى رسمت سنين الانتظار الخرائط على وجهـــــــــــــــها الخمسيني.

   كانت تراقب الطريق المؤدية إلى المدينة كلما غســـــلت لقاء أجر زهيد بسط وصوف أهل القرية في النهر المسافر دائما, كم حســدت هذا النهر, وكم تمنت أن تسافر مثله, لأن ألف شوق يشــــــــدها إلى الغائب, رجت القلب مرة أن ينساه وما استطاع.

   أبدا لم تتعب من ترقب عودته, وكلما جاء أحد من المدينة, تســأله بلهفة عن الغائب دون سبب, فتتأســـــف وتتحسر, وتصبر, صبرت وانتظرت وشـــــــاخ انتظارها, أحيانا كانت الأيام تمر بلمح البصر, وأحيانا تبدو مثل الدهور المجحفة, وكانت كلما تشــــتد وطأة الوحدة عليها, تجلس مع العتمة, تصادق الدموع, وتسأل عن ســـــــــر عدم مجيئه إليها, فتهزمها الأجوبة ويرهقها التفسير وتفسير التفسير.

   اقتربت من بيتها الطيني, فتملكتــــها دهشة لا تزول, لأنها لم تجد السيارة أمام الباب, دخلت بخطوات ســـريعة, بحثت عنه في أرجاء البيت, نادته بصـــــــــــوت أوله حنين وآخره حنين, لكنها لم تجد له أثرا:"أين ذهب يا ترى؟" تساءلت في داخلها واســـــــتعدت لتنظيف وترتيب البيت الذي تحجرت أشياؤه ولم تتبدل مواقعها منذ سنوات.

   بدأت عملها بسرعة ونشاط, كما لو أن سرعتها هذه ســـتسرع في مجيئه, حملت لحافــه الذي طال حنينه إلى الماء والصابون:"إيه.. يا نور عينيَّ.. لحافك ما زال كما هو, غبت كثيرا وها أنت تعود لتزين هذا البيت بوجهك من جديد".نظفت فراشه والشــــــــــــــوق والفرح يتحاوران في مخيلتها, مضت إلى البئر, أحضرت الماء, رشـــت به أرض الدار, ثم دخلت إلى غرفتها, توجهت نحو صندوق ملابســها, الصندوق الذي ظل مقفلا منذ غيبته , فتحته بصـــعوبة, نفضت عنه التراب, أخرجت فستانها القديم الجديد, لكنها تركته جانبا وتوجهــت إلى المطبخ بعد أن ذبحـــــــــت الدجاجة الوحيدة التي تملكها, أعدت الطعام, ثم ارتدت فستانها وجلست بانتظاره.

   ياه.. كم مرة حملت أثقال الهموم؟ كم مرة نطقت باســـمه في أزقة القرية وحواريها,؟ كم مرة بكت وســـــقطت دموعها في النهر؟ وبح صوتها من الحنين, ونسيت بعض الصــــــــوف في الماء, وجرحت اصبعها وهي تقطف الحشـــائش في البرية, أو تعد الطعام.

   كانت تضمه بخيالها إلى صـدرها, تعاتبه حيناً, وحيناً تقبـّله بحنان عجيب, لم تعرف كم من الوقت مر عندما اســـــــتفاقت من تخيلاتها على صوت جارتها وهي تطل برأسها من فوق الحائط:

   ـ ألم يأت ولدك بعد يا (نوفا)؟

   ـ لا, ولا اعرف أين ذهب. قالتها بحسرة واضحة.

   ـ يقول زوجي إن عباساً موجود في المخفر.

   ـ مخفر!! ماذا يفعل ولدي في المخفر؟

   ـ لا تخافي, زوجي يقول إنه قد اصبح رجلاً مهماً في العاصـــمة, ولكن لماذا لم يأت إليك حتى الآن؟

   لمعت عيناها بالفرح وشردت للحظات:

   ـ ألم تقولي إنه اصبح رجلاً مهماً؟ فلا بد أن لديه أعمـــالا يقضيها مع رئيس المخفر.. على كل حال لا بد انه سيأتي بعد قليل.

   وراحت ترسم لوجهه الذي طالما ســــهرت الليالي وطيفه يتراءى لها صوراً عديدة, صـوّرته مرة مديراً, ومرة ضابطاً, ومرة قاضياً, ومرة وزيراً.

   انسدل الليل على جســـــد النهار, ونشر عتمة تشبه عتمة زنزانة, فاشتد قلقها, فكرت بالذهاب إلى المخفر, لكنها ســـــرعان ما غيرت رأيها:" لا يجوز أن اذهب وراءه, صحيح أنني في شـوق كبير إليه, لكن ذهابي قد يسبب له الإحراج".لم تسـتطع الانتظار أكثر من ذلك, فاتجهت نحو بيت جارتها وقالت لابنها:

   ـ اذهب يا ولدي إلى المــــــــــــــخفر وقل لولدي (عباس) ان أمك بانتظارك.

   ـ رأيته؟.. قلت له إن أمك تريدك؟. ســـــألته بلهفة عندما عاد وهو يلهث.

   ـ نعم, قال "عندي شغل" ولا أستطيع الحضور الآن.

   شعرت بأن عشرة سيوف انغرزت دفعة واحدة في صدرها, لكنها حاولت أن تكون كشجر السنديان الذي يبـّكي الفؤوس قبل أن يسـقط, جلست في مكانها, جادت عيناها بدمعة واحدة فتاهت بين خطـــــوط ووديان وجهها إلى أن وصلت إلى شفتها العليا, فحركت لســــــــانها وهي تتذوق طعم الملح الذي اصبح مألوفا لديها.

   دون أن تنطق بحرف عادت إلى بيتها, وفي الطريق شـعرت بأنها لن تراه أبدا, لكنها طردت هذا الشعور بعدما لعنت الشيطان, جلست على بساط رث بقلب منكســـر, فمن دونه لا راحة ولا فرح لها, ولا دفء يســـــــــتطيع أن يعيش في فراشها, ولا خبز أو ماء يحيا على مائدتها, وضعت كفها على خدها وانتظرت, وبغتة رفعت رأســـــها نحو السماء, تمتت في همس, وأطلقت نداءاتها الجريحة .

   شيئا فشيئا همدت الأصــوات في القرية, ولم يعد يسمع سوى نباح الكلاب من بعيد, أســـــــــــندت رأسها على المخدة, لكنها لم تغمض عينيها, وإنما راحت تنظر نحو الباب وتنصــــــت, تعبت عيناها من التحديق, هاجمها الوسن جماعات وفرادى, غير أنها لم تســــــمح له بالتغلب عليها, نهضت والحزن يخيم فوق سفوح صــــمتها, تطلعت الخارج, فشاهدت حمام ذاكرتها يطير إليه:" ها هو الفجـــــر قد أقبل ولأم يأت.. سأذهب إليه الآن". فتحت الباب, أغلقته, أسندت رأســها عليه:" لأي ســـــــبب أذهب إليه؟.. يبدو أنه نسي أن له أماً أرضعته حليباً وليس ماءً عكراً". عادت إلى مكانها وســـــافرت إلى الماضي البعيد, رأت فيه زوجـــــها الذي رحل ولم يترك لها غير ابن تعذبت كثيراً من أجله, كانت تنتحب بصمت مرير عندما ســـــمعت جارتها وهي تناديها كعادتها من فوق الحائط, فنهضــــت دفعة واحدة, قالت واللهفة لا تزال بادية على وجهها:

   ـ هل جاء ولدي؟

   ـ لا. قالتها وهي تهز رأسها. ثم أضافت بشيء من الغضب:

   ـ ابنك غادر القرية يا (نوفا)!

   تجمدت في مكانها وهي لا تعرف أي حزن غاص في صــــدرها, شعرت بجراحها تتوزع في كامل جسدها, وبضـــــباب كثيف يغطي سماء أمانيها, لكنها استطاعت أن تقول بصــــــــوت خائف مرتجف خجول:

  ـ متى ذهب؟

  ـ قبل قليل.. اصعدي على السطح فسترين ســـيارته تغادر القرية.

 لم تصدق ما سمعت, لملمت بعضها وصعدت الســــلم بكل ما فيها من بقايا قوة, ثم راحت تنظر إلى جهة الطـــــــريق دون كلام, دون حركة, دون صوت.

 
 
 
 

القامشلي ـ القحطانية ـ ص ب 93 سوريا

 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى

 

 

فراديس .. ثقافة حرّة _ المواد الأدبية