|
تجلس
دائما مع أمها تحت الشمس بعد صلاة الجمعة , ذات وجه
دائري مربك , بينما تربط شعرها الأسود بقماش أحمر بلون
شفتيها الجافة , تقفز بعينها حيث المارة تطالع في
الدراهم التي تتناثر بقربها , ربما تعرف كل الوجوه
التي ترتاد المسجد كل جمعة , وتعرف اليد التي تتصدق
بدراهم أكثر , لا أظن هي تعرف وجهي لكنها تدرك بأنني
أصر أن أمر عليها كل جمعة لأرى ربطة شعرها الذي يتغير
بين الأحمر والأسود فقط , بينما الشمس تدهن وجهها
لتغمض نصف البراءة والرثاء , لم أجد أبدا ابتسامتها ,
كانت دائما منحنية في صمت , بين عينيها خوف من شيء غير
معروف ربما من أمها التي تلف عباءتها بشكل كامل ,
بينما هي بلا نفس ولا صوت , وفي كل جمعة تكون بنفس
الملامح المنحنية , وأفكر دائما في طفولتها وكيف لها
أن تبقى صادقة للفقر هكذا , كيف لها أن تعتاد كل تلك
الوجوه , كيف لها أن تنسى تماما أنها أنثى ستكبر , لها
أن تبتسم , تنجو بنظراتها , خجلها , بينما المال الذي
تجمعه لعائلتها أصبح مهنتها , ولا يمكن لها أن تأخذ
إجازة أو تطلب من أمها الذهاب إلى الحديقة أو شراء
وجبة هارديز , حاولت مرارا أن اعثر لها عن اسم أحفظه
أنا , لكن في كل مره تتكسر الأسماء معي , فلا أجد لها
أسما , هي في العاشرة ربما من عمرها بينما لعينيها
انحناءة ألف عام .
الشمس
ملتهبة في الخارج , كان صوت الخطيب يأتي متقطعا من
مكبرات الصوت , تركت حذائي بين كومة الأحذية التي
تتناثر في صلاة الجمعة , اذكر جيدا يومي الأول في
الطفولة حين صففت شعري وأخرجت أمي زجاجة عطر نسائية من
دولابها لتعطر ثيابي , وذهبنا بشكل جماعي مع أطفال
الحي إلى المسجد لصلاة العشاء , كان المسجد باردا
وكانت رائحة المصلين لا تشبه أي عطر آخر , تفرقنا ,
وذهبنا نطالع أنفسنا بين أجساد المصلين , كنت فرحا
هائما في هذا المكان البارد , وأنا أرى الميكروفون
الذي يشبه ميكروفون الطابور المدرسي , وبدأت أتذكر حصص
الصلاة حين تعملنا السجود والركوع , كنت أردد الحمد
بداخلي , بينما بعض الأصدقاء يتبادلون الضحك بينهم ,
أنتبه لهم إمام المسجد وقام بطردهم , شعرت بعض الوقت
أني بقيت وحيدا بين كل تلك الأجساد الكبيرة , حين أقام
الإمام الصلاة هربت بجسدي باحثا عن الأصدقاء , وجدتهم
قرب البقالة في الخارج , انسحبت معهم تاركا صوت الإمام
وهو يتلو سورة الحمد , لكن كل ما اذكره في أول زيارة
للمسجد هو برودة المكان , كانت صلاة الجمعة سريعة نفس
اليوم , عند الخروج تأملت شكل الفتاة من جديد , تمنيت
أن أرى ابتسامتها لأول مره , في الخارج كان فضاء
المكان فارغا بينما الأم تجلس وحيدة بعباءتها التي
تطفو عليها بعض الغبار , وهي تفرشه لجمع المال , لم
تكن هناك , لأول مرة تغيب عن المكان منذ فترة طويلة ,
بقيت في صمت أطالع في المكان ربما نصبت لنفسها مكانا
آخرا بين كومة الأحذية , كانت يدي تمسك بالورقة
المالية التي اخصصها لها كل مرة , بقيت يدي في مكانها
وأنا ادفع قدمي خارج المسجد , ولا يمكنني أن ارجع
واسأل الأم عن ابنتها , ربما اليوم بالذات صرخت في
وجهها لن اذهب , ربما اليوم أرادت أن تكون فتاة أخرى
تلبس ملابسها وتبقى أمام المرآة وتنتظر أن يأخذها
والدها إلى المول وتتناول غدائها مع صديقاتها , ربما
اليوم بالذات تمنت أن تنام , أو تدخل المطبخ لتحضر
السلطة , ربما حاولت فقط أن تكون فتاة صغيرة حقيقية ,
لها غرفة , وسرير , ونافذة , وحقيبة مدرسة , وأحلام
تدخل معها السرير , حاولت أن أفكر في كل شيء سوى أنها
مريضة جدا .
بعد
أسبوع وبعد صلاة الجمعة فتى صغير بملابس قصيرة , ووجه
بسمرة الشمس , بطفولة ذابلة ونظرات متكسرة فارشا حضنه
للدراهم يجلس مع المرأة نفسها . |