01/10/2006

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 

بعد صلاة الجمعة

مقالة لـ محمد حسن أحمد

m_uae75@hotmail.com

مؤسس ومحرر فراديس

 
 
 

تجلس دائما مع أمها تحت الشمس بعد صلاة الجمعة , ذات وجه دائري مربك , بينما تربط شعرها الأسود بقماش أحمر بلون شفتيها الجافة , تقفز بعينها حيث المارة تطالع في الدراهم التي تتناثر بقربها , ربما تعرف كل الوجوه التي ترتاد المسجد كل جمعة , وتعرف اليد التي تتصدق بدراهم أكثر , لا أظن هي تعرف وجهي لكنها تدرك بأنني أصر أن أمر عليها كل جمعة لأرى ربطة شعرها الذي يتغير بين الأحمر والأسود فقط , بينما الشمس تدهن وجهها لتغمض نصف البراءة والرثاء , لم أجد أبدا ابتسامتها , كانت دائما منحنية في صمت , بين عينيها خوف من شيء غير معروف ربما من أمها التي تلف عباءتها بشكل كامل , بينما هي بلا نفس ولا صوت , وفي كل جمعة تكون بنفس الملامح المنحنية , وأفكر دائما في طفولتها وكيف لها أن تبقى صادقة للفقر هكذا , كيف لها أن تعتاد كل تلك الوجوه , كيف لها أن تنسى تماما أنها أنثى ستكبر , لها أن تبتسم , تنجو بنظراتها , خجلها , بينما المال الذي تجمعه لعائلتها أصبح مهنتها , ولا يمكن لها أن تأخذ إجازة أو تطلب من أمها الذهاب إلى الحديقة أو شراء وجبة هارديز , حاولت مرارا أن اعثر لها عن اسم أحفظه أنا , لكن في كل مره تتكسر الأسماء معي , فلا أجد لها أسما , هي في العاشرة ربما من عمرها بينما لعينيها انحناءة  ألف عام .

الشمس ملتهبة في الخارج , كان صوت الخطيب يأتي متقطعا من مكبرات الصوت , تركت حذائي بين كومة الأحذية التي تتناثر في صلاة الجمعة , اذكر جيدا يومي الأول في الطفولة حين صففت شعري وأخرجت أمي زجاجة عطر نسائية من دولابها  لتعطر ثيابي , وذهبنا بشكل جماعي مع أطفال الحي إلى المسجد لصلاة العشاء , كان المسجد باردا وكانت رائحة المصلين لا تشبه أي عطر آخر , تفرقنا , وذهبنا نطالع أنفسنا بين أجساد المصلين , كنت فرحا هائما في هذا المكان البارد , وأنا أرى الميكروفون الذي يشبه ميكروفون الطابور المدرسي , وبدأت أتذكر حصص الصلاة حين تعملنا السجود والركوع , كنت أردد الحمد بداخلي , بينما بعض الأصدقاء يتبادلون الضحك بينهم , أنتبه لهم إمام المسجد وقام بطردهم , شعرت بعض الوقت أني بقيت وحيدا بين كل تلك الأجساد الكبيرة , حين أقام الإمام الصلاة هربت بجسدي باحثا عن الأصدقاء , وجدتهم قرب البقالة في الخارج , انسحبت معهم تاركا صوت الإمام وهو يتلو سورة الحمد , لكن كل ما اذكره في أول زيارة للمسجد هو برودة المكان , كانت صلاة الجمعة سريعة نفس اليوم , عند الخروج تأملت شكل الفتاة من جديد , تمنيت أن أرى ابتسامتها لأول مره  , في الخارج كان فضاء المكان فارغا بينما الأم تجلس وحيدة بعباءتها التي تطفو عليها بعض الغبار , وهي تفرشه لجمع المال , لم تكن هناك , لأول مرة تغيب عن المكان منذ فترة طويلة , بقيت في صمت أطالع في المكان ربما نصبت لنفسها مكانا آخرا بين كومة الأحذية , كانت يدي تمسك بالورقة المالية التي اخصصها لها كل مرة , بقيت يدي في مكانها وأنا ادفع قدمي خارج المسجد , ولا يمكنني أن ارجع واسأل الأم عن ابنتها , ربما اليوم بالذات صرخت في وجهها لن اذهب , ربما اليوم أرادت أن تكون فتاة أخرى تلبس ملابسها وتبقى أمام المرآة وتنتظر أن يأخذها والدها إلى المول وتتناول غدائها مع صديقاتها , ربما اليوم بالذات تمنت أن تنام , أو تدخل المطبخ لتحضر السلطة , ربما حاولت فقط أن تكون فتاة صغيرة حقيقية , لها غرفة , وسرير , ونافذة , وحقيبة مدرسة , وأحلام تدخل معها السرير , حاولت أن أفكر في كل شيء سوى أنها مريضة جدا .

بعد أسبوع وبعد صلاة الجمعة فتى صغير بملابس قصيرة , ووجه بسمرة الشمس , بطفولة ذابلة ونظرات متكسرة فارشا حضنه للدراهم يجلس مع المرأة نفسها .

 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى

 

 

فراديس .. ثقافة حرّة _ المواد الأدبية