|
كَم أشتاق لتِلكَ الأيام.. كُنا نَسرح
في الحقول
كالفراشات الملونة
..
ونَقطِف الورود كى ننثرها على أجسادنا
الغضة
.
كَم هي جميلة تلك الأيام ... حينما كنا
نستلقي على المساحات
الخضراء في مزرعة جدي .. ننظرإلى
السحاب ..فتارة نرى أرنباً وتارة أخرى فيلاً
..
وفي كثيرٍ من الأحيان نرى مدرس
الرياضيات..نعم إنه هناك بنظارته الكبيرة وظهره
المقوس!!
السماء كانت أرضنا.. فالشمس كانت
تقبلنا في الظهيرة
وتحرق عُيوننا ونحن نُمعن النظر فيها
.. كم أبهرتنا أشعتها التي لامست كل شيء!!
حتى الشمس لم تَعُد هي الشمس...شمس
الطفولة كانت تَنثُر الذهب على
مياه البحر، فتُدفِئ لنا الصخور كي
نجلس عليها.
شمس الطفولة
كانت تتبعنا في كل مكان وتُطالِعُنَا
باهتمام ،
فَهي عين السماء. كُنا ننتظر
الغروب بلهفة, وقتها..تُقتلُ الشمس
فيسيل دمها بلون الغروب فتتلون السحب .. ثم
يُطِل القمر لِيَنام على كتف السماء..
جيوبنا كانت مليئة
بالكنوز...صدف.. خيوط ملونة، خرز،
أحجار ، وعملة فضية وجدتها على شاطئ
البحر. نُعاين كنوزنا كل يوم ، هل فقدت الحجر
الأزرق ؟ هناك خيط ضائع ! أما العملة
الفضية فيجب تلميعها..
عند باب
المنزل، كنا نعرف ما الذي ينتظرنا..
أيادينا المتسخة بالتراب, وجُرحٌ صغير في الخَد
الأيمن, وبقايا شَقَاوة ٍ تَلمع في
عيوننا. ندخل بابتسامة بريئة وكأن شيئاً لم
يحدث..
أرض الطفولة انغمرت في
بَحر الماضي والذكريات... والشَمس
صارت تَلفَحُنَا بِغَضَب وسَخَط,
وكأنها تعاقبنا لأننا كبرنا! أمَا البحر فقد غرقت
فيه أحلامنا وطَفَت على السَطح,
والصُخُور الدَافِئة أضحَت عَقبة في طَريقنا
نُبعِدُهاَ كراهة في رُؤيتها ..
الزهور بلا رائحة أو لون.. والضحكات صوت مزعج يُقلق
أشغالنا..
كَبرنا لِنَعرِف أن هذه
الأرض لَيست أرضنا..قالوا
لنا..إنه المنفى..وأنت لاجئة ! علمت
وقتها بأن الطفولة كانت وهم...
الوطن..ماتت حروف اسمه
على شفاهنا..
أصبَحَت الدُنيا حَولِي
بِلا ألوان بلا بَهجة بلا
سُرور. الهَواء معبق بالموت
والألم..من أنا؟ هل ستَعرِفُنِي بِلادي إن عدت؟ حُب
تعتق في القَلب وحنين يَحرِق الصدور,
لهفة نُداريها بين رموش العين...لكن القلم
يفضحنا كلما قَبَّلَ الورق..
تَائِهة أنا في ظُلُمات
الغُربة...أُناس بِلا وجُوه.. أَماكن
بلا أَسماء.. شَمس باردة ...وقَمر خَان أَبيات
الشُعراء...بات الحلم أن نُدفن في
بِلاد لم نرها... الوطن!
أُرَتِب أحلامي كالأوراق
على سَطح
المَكتَب...أَنظر إليها بألم وحَسرة.. حلم العَودة
والحُرية والاستقلال...وهُمّ كما
هُمّ... يَنتَظِرُون مَن يُحييّهم,
مَن يَكسِر الصَمت..حلم عَلَقتُه في قلادة...حلم
علقته على الحَائِط..حلم خَبّأتُه بين
أبيات قَصِيدة..
وآخر وضَعتُه
تَحت وسَادَتِي قَبل أن أنَام...
أَخَاف أن يَضِيع..أخَاف أن لا أَعُود.... |