|
يَـشُـفَني الحنين و أنا أطأ أرض المَطَار ..
وَ
الوَجه الذي لا يُخطيء الابتسامة لَم يَدفقْ صَوبي
كَعَادته منْ فَرجةٍ في الغيم .
يشبُ
الشوقُ عَن طََوقه و أنا أطوي الطُرق برفقته لنصل
للديار ..
قُلتُ
له : مريضةٌ أنا ، حَملتُ الصوتَ حَتى تَشكلت منه
سيَاطٌ ما فتأت تجلدُني في وحشة المَنَافي
وَ
أتيتُ لأروي كبدي منْ طُهركم فَاحملني إلى ملاعبِ
الصبَا لأقهر الوَجَع .
قَال : سنحتفلُ بغدٍ سَيجمعُنَا أبد .
وَ أطلق العنَانَ لمقود العربة ، فيما المدى ينحسرُ
ولا تَلوحُ لي شَجرة البلوط .
سَألتُه : أيّنَ الغصن الظليل و قامة البلوط ؟
قال
: هُنا دَقت الحَضَارة وَتداً وَقامة البلوط بُنيَ
عليها فندقٌ ضخم و حُززت الغابةُ بالطرق
المُعبدة .. أغمضَ القلبُ عينيه ، كَأن الرؤية
أثم .. !
فشجرة
البلوط المنتمية لشجرة العائلة قُطعت !
شَجرة
البلوط جارتنا تهوي ..
تسقطُ
من قامتها الشاهقة لتتعفرُ أغصانها بالتُراب وَ
تتكالبُ عليها الفؤوس والمناشير ، هذا يقطعُ
جذعاً وذاك يشلعُ لحاء ..
شجرة
البلوط التي شد عليها وَالدي حبلَ أرجوحتي وَدَفَني
صيفاً بأكمله لأطير وأمسكُ بأيقونة القمر ،
تُقطعُ باسمِ وَ رَسمِ التمدُن ..
شجرة
البلوط التي تعربشتها وَ أنا صغيرة و دَفنتُ بين
جذورها كنوز الصغر من أساور بلاستيكية و أقراط
فضة خوفاً عليها من القراصنة تغمضُ أوراقها إلى
الأبد و تلحقُ بالغادين .. سُددت الضربةُ وَ
أحكم الوَجع!وأنا أقفُ طويلاً على مفترق طرق عُبدت و
مباني شاهقة ما شممتُ بها رائحة خُبز الديار ، لم
تَكُن حبال الغسيل تُطوح بثوب أبي وهو يُهفهفُ
ببياضه كراية السلام .. لم يُطلق غطاء رأس أمي
عبق المسك وهو يروح ويأتي مع نسيمِ الآصال .
علت
المباني كثيراً .. كثيراً بشرفات لم تَسمحْ لأذني أن
تقطف أغنية من مذياعِ الجارة ولا تعرَفَ
زُجاجُها على زُجاج عينيّ المُعتكرُ بالدموع ..
لم
يمر قطيع الداجن بديكه الصيّاح في الطرقات بحثاً عن
مَطعَمِه ، لم يتراكض الصبية حُفاة يعلوهم غبارُ
الطريق ..
عربات
بزجاج أعتم ويافطات وإشارات مرور و شخوصٌ تعبرُ
فلا ترفعُ يدها بتحية ، وبرد وَ وحشة ومخلوقات غريبة
الأطوار تدور في شوارعنا ..
فإلى أينَ يمضي الوجُه الذي لا تُخطئه الابتسامة؟
وإلى
أين تراجعَ الأخضرُ في حربه مع الأدخنة و لون
الرَمَاد؟
أشدُ
بيَدي على حرير كَبدي و أهتفُ له : مريضة أنا ، فعُد
بي إلى زَماننا ، أخرجني من هذا الخواء وخذْ
بيدي لنصل إلى بيتنا ، أعدْ لي زماني و قُرانا
و قامة البلوط لأضم أيقونة القمر وَ أطير .
يهزُ
كتفيه فرحاً و يقولُ هي الحضارة ..
بينما النيازكُ ترتطمُ ببعضها ولا تمرُ بسمائنا
والغسق يُطرحُ كالقتيل على الآفاق ويدفعُ بالنور
كالأسير خلف القضبان رحتُ أفتشُ عن الفطرة في عينيه
فصدتني نظارته السوداء ، بحثت عن راحة يده التي
نامت بها يدي كالعصافير فوجدتها مسكونة بسلسلة من
الذهب و جهاز اتصال ..
هو
كانَ هنا و ما كانَ هُنا ، هو لم يحرسْ شُرفتي من
الريح العاتية ، و لم يدفعْ بقبضته نصلَ الفأس
الماضي على أعناق الشجر، هو كانَ يمضي معَ
التيار مَعَ التيار وَ يكتبُ لي كَلاماً ملغزاً
وَيفرح مع الفرحين بما يذره عَلينا غرباء الأطوار من
تقنية وَ شعارات كالطبل ترن في الآفاق ولا تخبيء
لنا إلا الفراغ ..
اختلفنا فيما نُحب ، و سُحبَ كل منا لطريق مُغاير
..
هو يدهمه طوفان الدخلاء و يمضي مع الجرف بينما
أتكور على وجعي بهيئة بذرة تلم ذاكرة وطن
وتطيرها الرياح في ديار الله الواسعة فلا يأخذ
منها ليل البُعد شامة ، لأقف وحيدة عارية إلا من
وجيبي
أمام هذه المباني المستبدة بعلوها وبردها ورمادها ،
أطوي حريرَ كَبدي بيدي وأمضي ألمُ
حكايات الموغلين في الذاكرة بحقائب السفر و
أهتفُ لهم أن انتظروني ..
انتظروني
فإني غادية لأفتشُ عن ضريح شجرة البلوط عن صفوف الشجر
في غبش الباكورة عن شخص آخر ظننته هو !
فوداعاً
يا شجرة البلوط وداعاً
و
وداعاً أيتها الحصباء الشهباء
و
وداعاً أيها الطين البريء ..
و
سلامٌ على الأوطان . |