01/08/2006

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 

روْحُ النعْنَاع

الأسود

صورة

صباحٌ بارد غريب

 
 
 
 
 
 
 
 
 

خَــرَزْ

رندة المغربي

كاتبة وشاعرة سعودية تقيم في باريس

 r_parisetmoi@hotmail.com

 

هو الصباح..

 هو رف  الحمام

هو  العيد يأتي  ..

و ما أقرب الأمس من شفرات الروح  من يديّ الناعستين تحت اللحاف

وهما معصوبتان  بخروق  بيضاء بعد أن دست أمي بهما عجين الحناء الساخن

اللهفة لصباح العيد تحرض جفنيّ فلا أنام ..

حذائي الصغير أنتظره من العيد للعيد   و فستاني  الذي شُنت من أجله حربٌ بين والديّ وأنا  ، واستدعى عشرة أيام بأكملها لدى الخياطة أم العبد ،  ترشه أمي بماء الزهر و تصلي على النبي وهي  تعلقه على مسمار دق في الحائط خلف باب الحجرة ..

يا رب ....

 كيف أنام والعيدُ غداً ؟!

يطول الليل ..

و أمي تسابق عقارب الساعة راكضة بين غرفة الضيف و فرن الغاز الذي يخبز على مهل أقراص العيد حتى تخرج شقراء منتفخة  تسبقها رائحة المَحْلب و السكر و  السميد المنضّج  ..

تٌرى ماذا سترتدي ابنة الجيران صباح العيد؟

لم أريها فستاني ولم تفشي لي بلون فستانها ، ولكنها حتما سترتدي فستانا طويل بكشاكش  مُحلى بالخرز و شرائط الساتان ..

 في العيد الفارط بكيت قهراً لأن والدي لم يبتع لي  حقيبة يد صغيرة مثلها أضع بها الحلوى و قروش العيد ولكن أمي استعدت لهذا العيد و خاطت لي حقيبة يد صغيرة قصة قماشها من  ثوبها القديم المورد ، وزينت حواشي الحقيبة بالخرز الذي عكفت عليه ليلة بأكملها تلضم الخرز الصغير و تشك به أطراف حقيبتي  كنت مندهشة وأنا أجلس القرفصاء أمامها أتأمل الخرز وهو يبرق منحدرا من عينيها فتلضمه بدموع تعب جفنيها الذابلين و تبتسم ! ..

تُرى هل مر العيدُ من هنا؟

هل مر و أنا مقصية  أحتمي بالذاكرة ؟

أقرع باب الجيران  اسأل عن حنان  لأريها حقيبة يدي فيقولون : حنان تزوجت و سافرت بعيداً ..!

أهرول في مدخل دارنا فلا أشتم رائحة مباخر  الأعياد ولا أقبض على شبح أمي الغادية والرائحة هنا وهناك ..

أدلف لحجرة الضيف التي لا تفتح أحشائها إلا لضيف يفرح به أبي علّه هناك متربعاً أمام مصحف

أدور بين الزوايا فلا أسمع صوته المنخفض يقرأ القرآن  ، أناديه بابا سامحني  فلا يجيب !

أشرع النوافذ بحثاً عن مئذنة  تتسلقها دموع عينيّ فتدهمني ثلوج يناير  ، أعدو في الشوارع لا أفهم ماذا يقولون ولا أعي عن ماذا يفتشون !

وجوه كثيرة تتداخل زرقة الأحداق بها بأشجار الأعياد المزينة بالأجراس والكُرات الملونة

يندف عليها ثلج دمعي فتذوي خلف الشجن ..

ترفع شمسنا يدها عن منكبي فتسقط آخر ورقة خريف في قلبي و يحتدم شوق الموروث ليطغى على زيف المكتسب

أبحث في شجر الأعياد عن خرز ضاع من يد أمي  ، عن يدها و هي تطرز  جمال أيامنا بصباها ..

ألتف على الأشجار علّ أخي يختبيء خلف شجرة يأكل حلوتي التي خطفها من يدي وراح يجري ، فألمح قامته  وقد  طالت واشتد عودها وهو يدير لنا منكبيه صاعداً سماء البعاد  بطائرة سفر ..

أذكره بكلام أبي " لا تفلت يد أختك .. لا تفلت يد أختك ففي الشوارع  غربان تخطف  الصغار "

أعدو خلف الطائرة وهي تدرج على  الضلوع أمد ذراعي لأمسك بهلال مئذنة  فأتعثر  لأسقط على الثلوج  ..

أغمضُ عيني وأعرف بأن الذكريات تمتطي الرياح و بأن الأمس ليس سمكاً أصطاده بشص ،  و بأن ليس للغريب عيد ولا جيران وبأن هذه الأضواء الكثيفة  والحلوى المغلفة بالورق اللامع ..

وهذه الأجراس المعلقة والدُمى الضاحكة في الأسواق

 ليست لي ..  ليست لي .. ليست لي .

 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى

 

 

فراديس .. ثقافة حرّة _ المواد الأدبية